الجنرال أوساريس... رحل الجلاد وبقيت الجريمة

السبت 2013/12/07
أوساريس: العمل الذي قمت به في الجزائر كان من أجل بلادي

توفي الجنرال الفرنسي بول أوساريس، عن عمر ناهز 95 عاما، وهو الذي اعترف بممارسة التعذيب خلال حرب تحرير الجزائر، ما أعاد إلى السطح التساؤل حول ممارسات فرنسا الاستعمارية في هذه الفترة الماساوية.

قد يكون لسيكولوجيا المجرم دور في قناعات الجلاد، لأنه لا يرى الحياة خارج صور الدم والتعذيب، ولذلك تراه متمسكا بأفكاره ومدافعا عن ممارسات، تحرمها شرائع السموات والأرض. لكن الجنرال الفرنسي بول أوساريس، هو أكثر بذلك بكثير، فرغم مقته من طرف شعوب الأرض، بسبب ماضيه الأسود في حق الشعب الجزائري، ورغم الأذى الذي ألحقه بقيم ثالوث الحرية، الأخوة والمساواة في بلده. إلا أن السفاح مات وهو يعتقد أنه نفّذ جرائمه من أجل مصالح فرنسا العليا.

أعلنت جمعية المظليين الفرنسيين، الأربعاء الماضي، وفاة أحد أبرز أعضائها، وهو الجنرال بول أوساريس، عن عمر ناهز 95 عاما، لتطوى بذلك إحدى الصفحات السوداء في دفتر فرنسا. لكن التاريخ سيحتفظ في سجلاته، بجرائم الجنرال الذي أبدع في ابتكار أساليب التعذيب والتنكيل، في حق الأسرى الجزائريين في سجون الاستعمار.

وإن أجّلت الجمعية دفن أوساريس إلى الثلاثاء القادم، طمعا في تأمين جنازة بطولية للرجل، فإنه لا أحد ينكر أن مواقف وتصريحات أوساريس شكلت عبئا ثقيلا على الكثير من الفعاليات الفرنسية، التي "تخجل" من ماضي أجدادها، وأوساريس تحديدا في المستعمرات القديمة. ولذلك لا ينتظر المتتبعون حضورا مميزا في الجنازة المنتظرة، فحتى أنصار فرنسا الاستعمارية، ليس بإمكانهم إحراج أنفسهم أمام الرأي العام بترسيم جنازة يبقى صاحبها "وصمة عار " عليهم.


أوساريس يكرس جريمة الدولة


بول أوساريس، السفاح الذي ارتكب أبشع الجرائم في حق الأسرى الجزائريين، هو من أشرس المدافعين عن خيار التعذيب في الجزائر. ولم يتوان في التباهي بتصفية الكثير منهم دون محاكمات، بما فيهم قيادات من ثورة التحرير الجزائرية.

كما لم يخف بأن التعذيب والجرائم التي ارتكبها هو وغيره، إن لم تكن بأمر من القيادة الفرنسية، فإنه لم يتم الاعتراض عليها. الأمر الذي يؤكد مسؤولية السلطات الفرنسية على جرائمها الاستعمارية في الجزائر، ويجدد الحديث مرة أخرى عن "عقدة " التاريخ التي ترهن أية علاقة بين الجزائر وفرنسا.

وقال في إحدى اعترافاته: "نفذت عمليات اغتيال دون محاكمة في الجزائر.. نعم نفذت 24 عملية اغتيال" . وحتى إدانته في العام 2004 بتهمة "تبرير التعذيب"، وإقصائه من وسام الشرف، لم يسمحا برفع اللبس عن شخصية أوساريس، وعن توضيح ما وصفه المؤرخون والسياسيون بجرائم دولة. فأوساريس والذي يسمي نفسه "رجل معركة الجزائر"، هو الذي قتل الكثير من أبطال الجزائر، ولم ير أنه أخطا أو أجرم، إذ شرعن جرائمه وبررها بالقول الموثق: "العمل الذي قمت به في الجزائر كان من أجل بلادي، وإن كنت لم أرد أن أقوم به، ذلك أن ما نقوم به ونحن نعتقد أننا نؤدي من خلاله واجبنا، لا يمكن لنا أن نندم عليه".

ولأن الشر لا ينتهي بسهولة، فإن أوساريس رغم فقده خلال السنوات الأخيرة من حياته، لوظائفه الحيوية كالسمع والرؤية، إلا أن لسانه السليط وذاكرته المتقدة في أرذل العمر، دفعاه لإصدار كتابه الثاني "لم أقل كل شيء"، الذي أماط فيه اللثام عن الممارسات الوحشية لنظام دولة قوية، تعتبر نفسها من الدول الحامية لحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير. مما دفع رفيقه مارسيل بيكارد، إلى أن يقول له: " ماذا دهاك أن تفتح شدقك؟".

سيما بعد توريطه لشخصيات فرنسية هامة، على غرار الرئيس السابق، فرانسوا متيران، في العديد من الأعمال المذكورة في الكتابين الأول والثاني، خاصة تلك المتعلقة بالتعذيب في الجزائر باعتباره كان آنذاك وزيرا للداخلية. أما الرئيس جاك شيراك، الذي كان ضابطا صغيرا خلال ثورة الجزائر، فقد قال إنه أصيب بـ"الرعب" من هذه التصريحات العلنية.

في حين تعتبر المناضلة وإحدى ضحايا التعذيب، لويزة إيغيل أحريز، أنه كان على الجنرال أوساريس أن "يقدم اعتذاره" لممارسته التعذيب. وقالت "كان صادقا باعترافه بتعذيب الجزائريين لكنه لم يذهب إلى أبعد من ذلك. كان عليه تقديم اعتذاراته ." وأضافت: "على الأقل هو اعترف بممارسة التعذيب على عكس الجنرال مارسيل بيجار" أحد أبرز ضباط الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية وحربَيْ الجزائر والهند الصينية.

لماذا لم يحاكم أوساريس؟

التاريخ سيحتفظ في سجلاته، بجرائم الجنرال الذي أبدع في ابتكار أساليب التعذيب والتنكيل، في حق الأسرى الجزائريين

يصف الجنرال بول أوساريس، في مذكراته عمله كضابط استخبارات، بالقول: "وهكذا صرت ضابط استعلامات.. يُكلّف ضابط الاستعلامات في أيام الحروب، أساسا، بجمع الوثائق والمعلومات اللازمة التي تعين على بناء العمليات الميدانية، هذه المعلومات تتعلق بأرضية القتال وبالخصم كذلك، غير أنّ أعمالا مثل هذه لا تلقى احتراما أو تقديرا عند العسكريين. ولكي يتسنى القيام بهذه المهمة على أحسن وجه، كان ذلك يتطلب ذهنية خاصة يمكن لها أن تتحمل الأذى الناجم عن تهكم الآخرين.. وأدركت من ثمّ أن إيفادي إلى الجزائر لم يكن مجرد هدية كان يمكن أن تُقدّم لي".

وكانت بداية الجنرال من مدينة سكيكدة بالشرق الجزائري، ويقول: "في ظرف أسابيع معدودة ازدادت حركة التمرد ثباتا وصلابة، وبدأ حينها العد التنازلي، وكان دوري يحتم عليّ أن أكون أكثر هجوميا''. ويضيف: ''لقد كانت شرطة سكيكدة تمارس التعذيب، مثل باقي الشرطة في كل أنحاء سكيكدة، وكان مسؤولوهم على دراية تامة بذلك. لم يكن أولئك الشرطيون جلادين أو وحوشا، ولكنهم كانوا أناسا عاديين، كانوا أناسا مخلصين لوطنهم، وكانت روح الواجب متغلغلة في أعمق أعماقهم''.

ويتابع: "إنّ التخلص من جبهة التحرير، كان يعني وجود إرادة سياسية فعلية لذلك، ولكنه كان يعني كذلك استعمال كل الوسائل الملائمة.. كان عليّ أن أتعرّف على زعماء جبهة التحرير وأحدد مواقعهم ليتمّ القضاء عليهم في سرية وصمت، وكنت أعتقد أن الحصول على معلومات حول هؤلاء الزعماء سيقودني حتما إلى إلقاء القبض على متمردين واللجوء إلى استنطاقهم.. ونظرا للمهنة التي اخترتها، قمت بقتل بعض الأشخاص، وفعلت أشياء ترهق الأعصاب، غير أني لم أكن أظن أني سألجأ يوما ما إلى التعذيب. كان في تصوري أنه يمكن أن أتعرض أنا شخصيا إلى التعذيب، ولكنني لم أتصور الواقعة بالعكس: أن أقوم أنا بتعذيب الآخرين".


وصفات التعذيب عند أوساريس


عن الأساليب والطرق التي كان يطبقها للتنكيل بالأسرى الجزائريين يقول أوساريس: " جاء موعد استنطاقهم. كنت أبدأ بسؤالهم عما يعرفونه، غير أنهم أفهموني أنهم لا يريدون البوح بأي شيء.. ألا تكون ردة فعل المتهم دائما الإنكار أو لزوم الصمت؟ وهكذا، ودون وازع من الضمير، أوضح لي رجال الشرطة تقنية الاستنطاقات "الخشنة"، بداية، كان هناك الضرب الذي كان يكفي في الغالب، ثم بعد ذلك تأتي الوسائل الأخرى كالكهرباء والماء.

كان التعذيب بالكهرباء يتم عن طريق مولّدات كهربائية تستعمل في الأرياف من أجل شحن أجهزة اللاسلكي، وكانت هذه المولّدات كثيرة الانتشار. وكان التعذيب يتم عن طريق صعق الأذنين أو الخصيتين، وبعدها يطلق التيار بتركيز مختلف.

وكما يظهر، فإنّها طريقة قديمة، وأنا أعتقد أن شرطة سكيكدة لم تخترع شيئا في هذا المجال.. هذه المرة وبمساعدة الشرطة، كنت أجدني منساقا إلى المشاركة أكثر فأكثر في هذه الاستنطاقات "الخشنة''.. إنّ مهمتنا تفرض علينا الوصول إلى نتائج يكون التعذيب غالبا جسرا مؤديا إليها، بل وحتى القتل، وأظن أن كل هذا ليس سوى البداية فقط ''.


اغتيال العربي بن مهيدي


بعد عدة محاولات فاشلة لجعله يتعاون مع المستعمر بعد القبض عليه، واستبعاد خيار تمريره للعدالة نظرا للصدى المتوقع إزاء التضامن معه ومع قضيته، قرر الجلادون إعدام العربي بن مهيدي على يد أوساريس، وتغليط الرأي العام آنذاك بأنه انتحر، وفي ذلك يقول: '' لم يخن ( ابن مهيدي) رفقاءه.. أنا هو الذي تسلّم ابن مهيدي ليلة بعد ذلك في الأبيار (حي في أعالي العاصمة الجزائرية) ووصلت بسيارات من نوع "جيب" وشاحنة وبرفقتي بضعة عشر رجلا من فريقي الأول، وهم مدججون بالسلاح. وكان النقيب " ألير" هو المداوم حينها.. وطلبت منه إحضار " ابن مهيدي" وتسليمه لي.. وأدخلناه الشاحنة، وتوجهنا بسرعة مُفرطة لأن كمينا تحضره جبهة التحرير لتحريره كان جدّ محتمل.

وقدَّمتُ تعليمات صارمة إلى ضابط الصف المكلف بحراسة زعيم جبهة التحرير الوطني، وقلت له: إذا تعرّضنا لهجوم ما فاقض عليه مباشرة حتى وإن خرجنا سالمين، أطلق عليه النار ولا تتردّد. وتوقّفنا في مزرعة منعزلة".

ويضيف: "كانت وحدتي تقيم فيها على بعد بضع وعشرين كيلومترا جنوب العاصمة، يسار الطريق. وكانت تلك المزرعة إعارة من طرف أحد الأقدام السوداء، وهي تحوي بناية متواضعة لا تتجاوز الطابق الأرضي، وكان فريقي الثاني ينتظرني هناك. كانت الوحدة الأولى للمظليين تحوي بضعا وعشرين رجلا، وكان بعضهم ممن يؤدون الخدمة العسكرية، ولكنهم كانوا أهلا للثقة، وكان النقيب "ألير" المدعو "تاتاف" هو المسؤول عنهم، وكان جد مخلص وشرحت له ما الذي سيجري. وأخبرته بأنه يجب على رجاله تهيئة مكان من أجل " ابن مهيدي"، وذلك أن المزرعة ليست مهيأة لذلك، فهي تحتاج إلى تنظيف ونقل لأكوام التبن الموجودة هناك.

وفي نفس الوقت، قمنا بعزل السجين في غرفة مهيأة سلفا، وكان أحد رجالي يقف قبالة بابها. وبمجرد إدخال " ابن مهيدي" إلى الغرفة، قمنا بتقييده وشنقه، بطريقة تفتح المجال لاحتمال حدوث عملية انتحار. وعندما تأكّدت من موته، قمت بإنزاله ونقله إلى المستشفى.. وكنا في منتصف الليل تقريبا، وناديت مباشرة بعدها الجنرال "ماسو"، وقلت له: " حضرة الجنرال، إن ابن مهيدي أقدم على الانتحار، وجثته موجودة بالمستشفى، وسأقدم لك تقريرا غدا صباحا.. لقد كان يعلم أن تقريري كان جاهزا منذ الزوال، كي أربح بعضا من الوقت.

وكان القاضي " بيرار" أول من قرأ هذا التقرير، وهو يصف بدقة كل تفاصيل الانتحار الذي سيقع في الليلة القادمة.. وقمنا باستعمال المزرعة التي أُعدم فيها " ابن مهيدي" مرات أخرى، وطلبت من بعض رجال الوحدة حفر حفرة كبيرة، وتم دفن أكثر من عشرين جثة فيها''.

سنة 2000 اعترف أوساريس أن "التعذيب فعّال جدا فأغلب الناس ينهارون ويقرون بما يعرفون.. لم يطرح لي أية مشاكل.. لقد تعودت على كل ذلك". وقال حينها " لو أمسك زعيم تنظيم القاعدة أسامة ابن لادن بين يدي سأفعل به كما فعلت مع العربي بن مهيدي".

ومحمد العربي بن مهيدي، هو أحد القيادات المفجرة لثورة التحرير الجزائرية، وأكبر المجموعة التي حررت بيان أول نوفمبر سنا. كان من الذين تركوا بصماتهم على ثورة التحرير بعبقريتهم العسكرية، ورصيد ممتلكاتهم في سبيل تمويل الثورة. وكان ابن مهيدي يسيّر الثورة من العاصمة إلى غاية إلقاء القبض عليه من طرف جيش الاستعمار، وممارسة أبشع طرق التعذيب والتنكيل عليه، ثم قتله في زنزانته.

تصفية المحامي الأستاذ بومنجل

ولد أوساريس في السابع من نوفمبر- تشرين الثاني 1918 في سانت بول كاب دو جو، جنوب غرب فرنسا، وتطوع في 1941 في المخابرات الفرنسية قبل أن يلتحق بفوج المظليين الصاعقة البريطانيين الذي كانوا يخترقون الخطوط الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية

نفس السيناريو استعمله أوساريس مع بومنجل لكن بإخراج مختلف فقط: ''التفت الجنرال "ماسو" إليّ وصوّب عينيه نحو عينيّ وقال بحزم: أوساريس، ممنوع أن يهرب السجين.. مفهوم؟ وعند سماعي هذه الكلمات، توجهت مباشرة إلى الأبيار في نهج "كليمونصو"، أين كان بومنجل موقوفا. في منطقة مليئة بالمباني، كان بعضها متصلا ببعض بواسطة جسور صغيرة في سطوح الطابق السادس، وكانت زنزانة بومنجل متواجدة في الطابق الأرضي.

وتوجهت نحو مكتب الملازم "د " الذي بدا مندهشا حين رآني، ثم قال لي: ما الذي يمكن أن أفعله لك حضرة القائد؟ لقد كنت في اجتماع مطوّل مع الجنرال "ماسو"، وحسب ظني عند الخروج من هذا الاجتماع، فإنه يجب أن لا ندع بومنجل في هذه البناية التي يوجد بها حاليا.

ولماذا؟ لعدة أسباب.. يمكنه أن يهرب مثلا، فكّر قليلا.. إن "ماسو" سيكون غاضبا إذا حدث ذلك وأين يجب أن نضعه إذن؟ لقد فكرتُ في ذلك جيدا، وأرى أنه من الأحسن أن يحوّل إلى المبنى المجاور، ولكن احذر.. يجب أن لا تمر عبر الطابق الأرضي لأن هذا سوف يجلب الأنظار.

وجحظت عينا "د" الذي لم يفهم قصدي، وإن بدأ دون شك في استشفافه، وقال: حضرة القائد، قل لي بالتفصيل ماذا عليّ فعله؟ إن هذا شيء بسيط، قم بإحضار سجينك، ولكي يتم تحويله إلى المبنى المجاور عليك اجتياز الجسر المتواجد في الطابق السادس، وأنا سأنتظر في الأسفل إلى حين فراغك من التحويل، هل فهمتني الآن؟ وهزّ الملازم " د" رأسه دليلا على الاستيعاب".

ويضيف أوساريس: "وبعد فترة، رجع "د " لاهثا ليخبرني بأن بومنجل سقط من الطابق السادس، وقبل أن يرميه من أعلى الجسر، قام بصرعه بضربة مقبض قادوم وجهها صوب قفاه. وقفزت إلى سيارة " جيب" ورجعت إلى "ماسو" والآخرين الذين كانوا لا يزالون مستغرقين في حديثهم.

وقلت: حضرة الجنرال، لقد قلت لي بأنه لا يجب لبومنجل أن يهرب، اطمئن إذن فإنه لن يهرب لأنه ببساطة انتحر.. وقررت نتائج تشريح جثة بومنجل أنه مات بسبب السحق، وأن جسده ليمحو أي دليل على استعمال العنف ضده، ولم توجه إليّ أة تهمة قط، وأقر " د" الرواية الرسمية التي تخلُص إلى الانتحار غير المفسَّر للمحامي الجزائري".

يقول أوساريس: ''إن العمل الذي قمت به في الجزائر كان من أجل بلادي، معتقدا في ذلك أنني أحسن صُنعا، وإن كنت لم أرد أن أقوم به، وذلك أن ما نقوم به ونحن نعتقد أننا نؤدي من خلاله واجبنا لا يمكن لنا أن نندم عليه'' .

15