الجنرال برويز مشرف.. عائد من المنفى يحاصره إرثه القديم

الجمعة 2013/11/22
ماضي مشرف غير "مشرّف"

تهمة الخيانة التي رفعت في وجه الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف أعادته إلى الأذهان وجعلت وسائل الإعلام تحتفي بالخبر بالكثير من الدقة والتفاصيل، نظرا لأنه لأول مرة في تاريخ باكستان المليء بالصراعات يحاكم فيه رئيس بتهمة الخيانة.

وبالرغم من رفع السلطات الباكستانية الإقامة الجبرية عنه، فإن القضاء الباكستاني أعاد على الفور فتح جملة من الملفات ضد الجنرال الذي حكم من 1999 حتى إقالته في 2008.

وتتعلق تلك الملفات بالكثير من القضايا، فالرجل متهم في قضية اغتيال منافسته السابقة بنازير بوتو وبالعملية العسكرية الدامية على المسجد الأحمر في إسلام أباد وبطرد قضاة، وكلها تعود إلى سنة 2007، بالإضافة إلى اتهامه بقتل أكبر بغتي الزعيم المتمرد في ولاية بلوشستان الذي سقط في عملية عسكرية.

الحليف الرئيسي لواشنطن في الحرب ضد الإرهاب يواجه الآن أخطر تهمة في تاريخه وهي جريمة تصل عقوبتها إلى الإعدام أو الحبس المؤبد وذلك بعد أن أعلن وزير الداخلية الباكستاني، شودري نزار علي خان، عن أن الرئيس الأسبق برويز مشرف سيواجه تهما بـالخيانة على خلفية فرضه لقانون الطوارئ العسكري خلال فترة توليه السلطة.

ونظرا لثراء شخصية مشرف وأهميته في التاريخ الباكستاني واعتبارا لتطورات التهم الموجهة إليه نعود هنا للتعرف على أكثر تفاصيل عن الرجل وأهم محطات حياته وملامح فترة حكمه وما ميزها.

"إن سبب فقداني السلطة يعود إلى إعطائي الأوامر باقتحام المسجد الأحمر في إسلام أباد خلال يوليو 2008". اعتراف واضح وصريح من الجنرال برويز مشرف بأن عملية اقتحام المسجد الأحمر كانت بمثابة الخطأ القاتل الذي أفقده السلطة، رغم أن خصومه يذهبون إلى الحديث عن أسباب أخرى بعيدة كل البعد عن هذه الحادثة.

فالجنرال مشرف بشخصيته التي كانت تنشد الوضوح مع فرقاء السياسة كان الأداة الفعلية التي أعادت الجيش بعيد الانقلاب على حكومة نواز شريف في تشرين الأول إلى سدة الحكم بعد غياب زاد عن عشر سنوات (منذ موت الجنرال ضياء الحق عام 1988)، تلك الشخصية المثيرة للجدل جعلتنا نعود إلى معرفة التفاصيل الدقيقة عنها فمن يكون مشرف؟

ولد الجنرال برويز مشرف سنة 1943 في نيودلهي لعائلة تتحدث لغة الأردو، ثم هاجرت إلى باكستان بعد تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947، و تلقى تعليمه الأولي في كراتشي.

التحق سنة 1964 بالجيش وتدرج في مناصبه المختلفة حتى تقلد منصب قائد الجيش عام 1998 عقب استقالة الجنرال جهانغير كرامت. خاض حربين ضد الهند، أولاهما عام 1965 في ولاية البنجاب وتلقى نيشان البسالة، كما خاض الحرب الثانية عام 1971.

كان قائدا للجيش الباكستاني إبان القتال العنيف بين الهند وباكستان عام 1999 على طول خط وقف إطلاق النار الذي يفصل بين البلدين في كشمير. واتهمت الهند باكستان في ذلك الوقت باختراق الخط الفاصل، في حين نفت باكستان الاتهام. انقلب على نواز شريف في تشرين الأول 1999 بعد أزمة الطائرة التي كانت تقل مشرف قادمة من سريلانكا.

عين نفسه رئيسا لباكستان في السادس والعشرين من يونيو 2001 بعد أن كثر كلام المعارضة السياسية في باكستان على فقدان مشرف الشرعية لتمثيل باكستان في لقاء القمة مع الهند.

وافق مشرف على مطالب أميركا بالسماح لها باستخدام الأراضي الباكستانية لضرب حركة طالبان التي رفضت تسليم بن دلان بعد اتهام أميركا له بتفجيرات نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر 2001.

أصبحت أحداث سبتمبر الحدث المميز لسنوات حكمه، مؤدية إلى تغييرات دراماتيكية في علاقة بلاده ببقية دول العالم. وقد أدى دعمه للرئيس الأميركي جورج بوش إلى تراجع شعبيته في بلاده وكان قراره يعني أنه يضع نفسه في مواجهة أنصار طالبان والقاعدة في باكستان. غادر مشرف بلاده ليتحول من كونه واحدا من أقوى الرؤساء الباكستانيين لمرحلة ما بعد الاستقلال إلى شخص يعيش حياة هادئة في منفاه الاختياري في دبي ولندن.

خلال وجوده في المنفى كسب مشرف مئات آلاف الدولارات من المحاضرات التي ألقاها في أجزاء مختلفة من العالم، لكنه لم يخف أن طموحه هو العودة إلى السلطة في بلاده.

وبعد أن أنهى مشرف منفاه الطوعي الذي استمر أكثر من أربع سنوات في مارس الماضي، عاد إلى باكستان أملا في المشاركة في انتخابات مايو 2013 وبـ"إنقاذ" باكستان من الأزمة الاقتصادية وعدم الاستقرار الذي تؤججه الهجمات المستمرة لحركة طالبان الباكستانية.

لكن الجميع اتفق وقتها أن حلمه ذلك لم يكن سهلا، فمقارنة بخصومه السياسيين ليست لمشرف قاعدة جماهيرية وقد صادرت السلطات معظم ممتلكاته المنقولة وغير المنقولة.

ويذهب عدد من الدارسين أن الخطوة التي شكلت نقلة في سياساته، إصداره تعليمات في شهر يوليو 2007 إلى قوات الأمن بمداهمة الجامع الأحمر والمدرسة الإسلامية المجاورة، مما أدى إلى مقتل أكثر من مئة شخص.

وعلى إثر تلك المداهمة وقعت اشتباكات بين الجيش ومسلحين إسلاميين في منطقة القبائل شمالي البلاد، كما جرى تصعيد في العمليات الانتحارية التي لم تكن منتشرة في باكستان حتى ذلك الوقت. كما تميزت فترة رئاسته أيضا بمواجهات مع جهاز القضاء بينها محاولة لعزل النائب العام.

ثم جاءت أزمة أفغانستان، حيث اتهمه حلف شمال الأطلســي (الناتو) والحكومة الأفغانية بعدم عمل ما يكفي للسيطرة على الجماعات المسلحة الموالية لطالبان والقاعدة والتي تنشط في منطقة القبائل، وكان يــرد بأنه أول زعيـــــــم باكستاني يستهدف مسلحي القاعــدة وطالبان، كما أنــه حارب القوميـــين فــي بلوشستان. يشــار إلى أن السنــوات الأولى من حكمه هيمنت عليها قضايا السياسة الخارجيــة، وخاصـــة النزاع مع الهند حول كشمير.


مشرف ونهجه الإصلاحي

الفترة الأولى لعهد مشرف شهدت خلالها باكستان نموا اقتصاديا جعل الباكستانيين يأملون في تواصل ذلك التطور الاقتصادي ليشهد بلدهم نقلة نوعية في ظل الجنرال، لكن أيام الانتشاء لم تدم طويلا.


يذهب مراقبون إلى أن الفترة الأولى لعهد مشرف شهدت خلالها باكستان نموا اقتصاديا جعل الباكستانيين ينظرون إليه نظرة احترام وتقدير ويأملون في تواصل ذلك التطور الاقتصادي لتشهد بلدهم نقلة نوعية في ظل الجنرال.

لكن أيام الانتشاء لم تدم طويلا بعد أن عرفت باكستان العديد من المشاكل والصعاب في ظل الصراعات التي بدت تغزو البلاد والتحديات السياسية الداخلية والخارجية.

كما يرى باحثون أن من أخطر تلك التحديات السياسية التي واجهها مشرف تمثلت في عودة خصمه نواز شريف من المنفى إلى باكستان عام 2007، وتلك كانت بداية النهاية لعهده. وبدا مشرف جادا في إصلاحه السياسي من خلال عزمة على نقل السلطة لحكومة منتخبة وإعادة الديمقراطية إلى الحياة السياسية في باكستان.

غير أن ذلك الإصلاح السياسي والدستوري الذي اقترحه لم يستطع أن يحدث التوازن بين القوة التي تملكها مؤسسات الحكم والقوة التي من المفترض أن تحظى بها المؤسسة الديمقراطية المنتخبة (البرلمان) والقيادات والمؤسسات السياسية المعينة.

ويرى بعض المحللين السياسيين أن مشرف جمع بين يديه خيوط الحكم والتفرد به من خلال تعديلاته الدستورية بعد أن ثبت نفسه رئيسا نتيجة الاستفتاء الذي أجري تحت إشراف جهاز الاستخبارات.

ومن تلك التعديلات التي منحها له الدستور المعدل: حقه في حل البرلمان الفدرالي، وتعيين قادة قطاعات الجيش، وحقه في تمديد ولايته الرئاسية عند انتهائها، وإعطاء الأحقيّة لحكام الأقاليم المعينين بحل البرلمانات المحلية.

كما أن دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية سيتعاظم بسيطرتها على مجلس الأمن القومي الذي يرأسه مشرف نفسه، ومهمة هذا المجلس الإشراف على أداء الحكومة المنتخبة والبرلمانات (الفدرالية والمحلية).

واعتقد بعض المحللين أنه بعد سيطرة الجيش على الحكم فإن الصراعات الإثنية ستتراجع وستتمكن القوة الجديدة من إحلال السلام بين جميع الطوائف، في صراعها البيني أو في صراعها مع الحكومة. وكان مشرف يهدف من ذلك إرضاء الولايات المتحدة الأميركية باعتباره داعما للتوجه الديمقراطي الذي سيحدث التوازن المنشود في بلد تهزه الخلافات.

غير أن الحقيقة غير ذلك، فأميركا كما يذهب إلى ذلك جل المهتمين بالمشهد الباكستاني لا تكثرث كثيرا بتحقيق مطلب الديمقراطية بقدر اهتمامها بالتعاون الباكستاني العسكري والأمني في ملاحقة الإرهاب.

ويرى مراقبون أوروبيون وأميركيون أن مجيء حكومة مدنية ضعيفة كان مشرف يحاول التأسيس لها من خلال خياره النهج الديمقراطي، لن يساعد على محاربة "الإرهاب" ومحاصرة الجماعات الإسلامية القوية والمنتشرة في كل مدن وقرى باكستان.

غير أن البعض الآخر يذهب إلى أن الإجراءات الصارمة التي اتخذها مشرف تجاه الجماعات الإسلامية لم تكن أكثر من شكلية، كما أنها مجرد مساحيق تجميل لصورته أمام الغرب لأنه لم يتمكن من السيطرة الفعلية على هذه الجماعات. ويرون أن الإجراء المجدي في مكافحة التطرف هو في ممارسة ديمقراطية حقيقية تؤسس لاستقرار سياسي واقتصادي واجتماعي بهدف القضاء على مبررات التطرف الفكري والسياسي.


التهم التي تحاصره

كلمات من خطاب الاستقالة:
• سواء أفوز أو أخسر.. فالأمة ستخسر.

• كرامة البلاد ستتأثر وفي رأيي فإن مكتب الرئاسة أيضا سيتأثر.

• لا أريد أي شيء من أي أحد، لست مهتما، أترك مستقبلي في يد الأمة والشعب.

• حفظ الله باكستان وحفظكم جميعا.


بعد سنوات من حكم باكستان خرج برويز مشرف من المشهد السياسي بعد الإطاحة به في أغسطس 2008، وهاهو الآن يواجه أربع قضايا جنائية تعود إلى فترة حكمه، بعد أن رجع إلى وطنه من منفاه الاختياري ممنيا النفس بالعودة إلى الواجهة السياسية من جديد إلا أن إرثه القديم لايزال يحاصره. إحدى تلك القضايا تتعلق باغتيال رئيسة الوزراء السابقة بنازير بوتو في العام 2007، إضافة الى تهمة الخيانة التي تعد من التهم الخطيرة التي وجهت له.

وتشير التقارير الإعلامية أن الرئيس الباكستاني السابق سيمثل أمام قضاء بلاده بتهمة "الخيانة" بموجب المادة السادسة من الدستور، بحسب ما أعلنـــه وزيـــر الداخلية شودري نثار علي.

وقال خان خلال مؤتمــر صحافي: "بعد حكم المحكمة العليـــــا وتقريــر سلمتــــه لجنــــة تحقيق، تقرر بدء إجراءات محاكمة بحـــق الجنـــرال برويـــز مشرف (بتهمـة الخيانة) بموجــب المادة السادسة من الدستور". وأضـــــاف: "هذا يحصل للمرة الأولى في تاريخ باكستان وقد اتخذ القرار بما فيه المصلحة الوطنية".

ويشار إلى أن القضاء الباكستاني كان في وقت سابق قد سارع إلى التحرك ضد مشرف فأمر بإبقائه قيد التوقيف الاحتياطي في الفيلا الفخمة التي يقيم فيها في العاصمة.

وفي ما يخص قضية بوتو فقد وجه القضاء الباكستاني رسميا لبرويز مشرف، تهمة قتل رئيسة الوزراء السابقة بينظير بوتو. وقال المدعي العام إن مشرف "اتهم بالقتل والتواطؤ الإجرامي للقتل وبأنه سهل عملية الاغتيال".

وكانت بنازير بوتو اغتيلت خلال تجمع سياسي عام 2007 إلا أن حكومة مشرف اتهمت وقتها زعيم "حركة طالبان" الباكستانية بيعة الله محسود بقتلها. وقالت محامية برويز مشرف إن "الاتهامات لا أساس لها من الصحة ونحن غير خائفين من هذه المحاكمة، سنحترم مسار القضاء".

وفي قضية بوتو أيضا والتي اتهم فيها مشرف لم تتم إدانة أي شخص وقتها في عملية اغتيال زعيمة حزب الشعب الباكستاني التي انتخبت مرتين رئيسة وزراء في باكستان، البلد المسلم الذي يعد حاليا 180 مليون نسمة.

وكانت بنازير بوتو عادت إلى باكستان في نهاية 2007 للمشاركة في الانتخابات التشريعية لكنها سرعان ما تلقت تهديدات بالقتل وطلبت من نظام الرئيس السابق برويز مشرف بحماية مشددة. لكنها قتلت أمام الألاف من مناصريها خلال تجمع انتخابي كبير في روالبيندي. وإثر اغتيالها أرجِئَت الانتخابات إلى فبراير 2008 وفاز فيها أخيرا حزبها وتولى خلافتها أرملها آصف علي زرداري.

كل هذه الاتهامات التي وجهت إلى الجنرال مشرف تجعل الجميع ينتظر مسار القضاء الذي بدأ في دراسة الملفات المقدمة إليه، والكل ينتظر معرفة النتائج التي سيتوصل إليها، فهل يخرج مشرف من دائرة التهم التي باتت تضيق عليه منتصرا أم أن الرياح ستجري بما لا تشتهي رغباته السياسية ويطوى ملف الجنرال إلى الأبد ونهائيا؟

12