الجنرال توفيق.. الرجل الشبح يحكم الجزائر من وراء الستار

السبت 2013/09/14
بو تفليقة يريد تحييد الجنرال توفيق

الجزائر- لا زال الرأي العام الجزائري تحت صدمة التحولات الهيكلية الحساسة، التي أجراها الرئيس بوتفليقة من مقر نقاهته بالعاصمة على أبرز مؤسسات الدولة.

وعلى رأس هذه التحولات جهاز الاستعلامات التي قلص دورها ونفوذها إلى أبعد الحدود بعدما سحب منها ثلاث مديريات رئيسية وهي الأمن العسكري والإعلام والتحريات القضائية، في انتظار إجراء حركة مرتقبة تمس ضباطا سامين في الهيئة، بدأت حسب مصادر مطلعة بالاستغناء عن الفريق الأول، مهنة جبار، قائد مديرية الأمن العسكري، والعقيد «فوزي» الذي ازيح من على رأس مديرية الإعلام منذ عدة أسابيع.

وتذهب القراءات إلى أن الأمر لا يتعلق بمجرد حركة عسكرية وأمنية عادية على رأس نواح أو مديريات معينة، بقدر ما يتعلق بحركة إستراتجية تستهدف تحييد الرجل القوي في جهاز الاستعلامات الجزائرية، وهو الفريق أول محمد لمين مدين، المعروف حركيا بالجنرال «توفيق».

وهو ما يعتبر تحولا مفصليا في مسار دوائر صناعة القرار وغيّر كفة الصراع لصالح جناح بوتفليقة، الذي يكون بهذا «الإنجاز»، قد أزاح أكبر عائق له أمام بسط نفوذه بشكل كامل على مفاصل الدولة.

بعيدا عن الأضواء

الفريق أول «توفيق» الذي أحيط منذ مطلع التسعينيات بهالة كبيرة، وزاد ابتعاده عن الأضواء مقابل نفوذه ودوره الكبير في المشهد العام للبلاد، من فضول الرأي العام لمعرفة أي نقطة صغيرة عن شخصية الرجل السري المتكتم الذي لا يملك أي أحد من الجزائريين، وحتى محرك «غوغل»، إلا عددا محدودا جدا من الصور الفوتوغرافية، وإن وجدت فإما بالأبيض والأسود، أو بنوعية رديئة.

ولعل آخر صورة له، هي ما ظهر «خطأ» في إحدى المناسبات العسكرية على شاشة التلفزيون الحكومي.

الحاكم الفعلي للجزائر أو «العلبة السوداء» إلى غاية الحركة التي مست جهازه، ظل منذ تنصيبه على رأس جهاز المخابرات، خلفا لسلفه اللواء محمد بتشين في منتصف التسعينيات، صاحب نفوذ وصلاحيات غير معلومة الحدود.

وكان أحد الوجوه العسكرية والأمنية التي عملت على إقناع بوتفليقة في العام 1988 بضرورة أن يكون مرشح النظام في انتخابات 1999، وتضاربت الطروحات في علاقة الرجلين، لكن الحاصل أنها تميزت بالتذبذب، وجمعت بين التكامل أحيانا والتوتر في أحايين أخرى.

ولم تشفع للجنرال توفيق مواقفه المؤيدة لبوتفليقة في انتخابات العام 2004، في صراعه المرير مع منافسه وغريمه آنذاك، علي بن فليس الذي حظي حينها بدعم ضباط كبار من المؤسسة العسكرية كخالد نزار ومحمد العماري ومحمد تواتي.. وغيرهم.

لكن حينها اختار «توفيق» دعم بوتفليقة وساهم في «تسويد» صورة منافس بوتفليقة، بفضل ترسانته الإعلامية التي كان يديرها في الخفاء ذراعه اليمنة العقيد فوزي. لكن ذلك لم يمح نقاط الخلاف بين الرجلين ولم ينس كلاهما للآخر ما يحمله له بداخله.

وإذ يعتبر البعض أن تراكمات الحكم العسكري في الجزائر لسنيين طويلة، هي التي ألقت بظلالها على نوعية النقاش الدائر في تحليل فلسفة الحكم في البلاد، والذي يكون قد مال بذلك إلى نوع من المبالغة والمجازفة في التوصيف، مع وجود قابلية مدهشة لتصديق كل ما يثار، وشهية واضحة لسماع مزيد من الأساطير والأكاذيب. وإذ اعتبر البعض الآخر أن بوتفليقة ليس من عادته التفريط في الرجال الذين يخدمونه ويدعمونه، فالجنرال توفيق كان من أشد المتحمسين لاستقدام بوتفليقة، وجلس معه سبع ساعات كاملة من أجل إقناعه بمنصب الرئيس في سبتمبر 1998خلفا لليامين زروال بعد استقالته.

صديق الرئيس لكن

كما يذكر أن كبار الضباط قد استنجدوا بتوفيق في آخر لحظة من أجل إقناع بوتفليقة بالعدول عن فكرة الانسحاب المفاجئ بعد أن هدد بها في نفس يوم الانتخابات الرئاسية 14 أبريل 1999، عقب انسحاب المرشحين الستة آنذاك احتجاجا على عدم نزاهة الانتخابات.

وإن يعتبر البعض أن الأمر لا يستدعي كل هذا التهويل، وكل ما فيه أن محمد مدين هو الضابط الوحيد من القيادة الأمنية، الذي بقي في منصبه منذ سنة 1990 كمدير للمخابرات. وهو سبب كاف لبناء الأوهام المحيطة به ويعزز الشائعات التي أدت إلى خلق أسطورة الجنرال «الخارق» الذي لا يقهر، والتي روج لها الإعلام وضخمتها المعارضة، رغم أن لاحتفاظ الجنرال توفيق بمنصبه أكثر من مبرر، فبوتفليقة أراد مجازاته على ولائه في انتخابات 2004، والاستعانة بخدماته الحساسة .

لكن أمام ذلك يجدر التساؤل عن سر المحاولات التي نفذها المستشار والشقيق سعيد بوتفليقة، من أجل الإطاحة بتوفيق وتحضير خليفته، والتي كانت بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس، ووترت العلاقة بين الرجلين والتي وصلت إلى نقطة اللارجوع، سيما في أعقاب ضغط «توفيق « الذي مارسه على بوتفليقة من أجل الاستغناء عن خدمات بعض المقربين منه، كنور الدين زرهوني وحميد تمار وشكيب خليل. وفضائح الفساد التي يذكر بأن جهاز الاستعلامات هو من يقف وراء تفجيرها، بغية تقليص نفوذ محيط بوتفليقة وقطع طريقه أمام حلم الولاية الرابعة.

وهي كلها مؤشرات توحي بأن بوتفليقة سيتحين أقرب فرصة للانقضاض على خصمه اللدود وهاجسه الكبير الذي يعيق بسط نفوذه، بسبب صلاحياته الأمنية والاستخباراتية الواسعة التي شكلت سلطة موازية قوية تزعج طموحاته، وتقلص صلاحياته المطلقة التي يريدها من أجل إدارة البلاد. وأمام اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية التي تمثل استحقاقا حاسما بالنسبة إلى الزمر المتصارعة، فإن توقيت الحسم في مسألة تقليم «أظافر» الرجل القوي في المخابرات كان أكثر من ضرورة، وإلا تتبخر كل أحلام وطموحات آل بوتفليقة. بما أن «توفيق» هو الآخر يملك رؤية سياسية لإدارة شؤون البلاد.

محمد لمين مدين المعروف حركيا بالجنرال توفيق ينحدر من بلدة قنزات بولاية سطيف الواقعة شرقي العاصمة بنحو 300 كلم. التحق بصفوف جيش التحرير من مقاعد الدراسة أثناء ثورة نوفمبر، بالولاية الأولى التاريخية. وبعد الاستقلال شغل عدة مناصب في الأمن العسكري.

وجاءت قرارات الحركة التي أقرها بوتفليقة على جهاز الاستعلامات، في عمقها وحساسيتها وسرعتها، مفاجئة ومتناقضة مع كل الذي أثير حول الجنرال «الخارق»، الذي قيل عنه الكثير وعن نفوذه الكبير في إدارة محيط مليء بالتناقضات والتوازنات، وفي تسيير ذهنيات وأشخاص بأجندات وتوجهات مختلفة.

والأدهى من كل ذلك كيف لرجل أن تكون له كل هذه السلطات الخفية والمستترة، التي تصل إلى درجة إدارة بلد بأكمله والتحكم في مختلف المؤسسات بما فيها رئاسة الجمهورية، أن تقص له أجنحته بهذا الشكل السريع والعميق دون أن يسجل له أي رد فعل؟. اللهم إذا كان الرجل في «استراحة محارب» قبل خوض الهجوم المضاد، الذي لا تستبعده بعض الأوساط بما أن للضابط كل الملفات والأسرار التي قد تتحول إلى ساحة سجال في الأسابيع القادمة.

قراءة معاكسة

لكن ما ذكره مصدر أمني لـ «العرب» في هذا السياق يذهب عكس ذلك تماما، وقدم قراءة معاكسة لكل ما هو متداول في الساحة، وهو أن المشاكل الصحية للجنرال وتقدم سنه هما اللذان حالا دون حضوره الدائم للدوام في المديرية، وهو ما سيجعله تحت تقاعد آلي، وهناك من يدير المهام بالنيابة عنه في المديرية، وسيتأكد ذلك قريبا. وأضاف نافيا وجود أي بعد لتصفية حسابات بين بوتفليقة وتوفيق. ويقول: «كل الذي جرى هو تنفيذ أجندة سياسية تنهي سطوة رجلين قويين أقعدهما السن والمرض، بشكل يضمن لهما رحيلا مشرفا ومرنا من مؤسستي الرئاسة والمخابرات».

وتبقى الاستفهامات تطرح حول أسرار شخصية «توفيق» السرية والكتومة والقوية. بالرغم من أن هناك من يدرج المسألة في خانة العادي وطبيعة المهمة فقط. على غرار مصدر «العرب» السابق.

المصدر قال إن «هناك عدة بديهيات مسلمة تنسف كل ما يثار حول الرجل الخارق الذي لا يقهر، فالمفترض في أي شريك ذكي في تسير منظومة حكم، أنه لا يسلم جميع الصلاحيات ولا يضع المفاتيح بيد شريكه ويغلق على نفسه جميع المنافذ التي يمكنه من خلالها فرض تصوراته وإبقائه على التوازنات بكل هذه السهولة».

ويضيف: «ترشح بوتفليقة لعهدة ثانية وثالثة وتعديله للدستور قضى على أية إمكانية في فرض نوع من المحاصصة السلطوية بين القطبين، لسيما تعديلات سنة 2008 التي ألغت منصب رئيس الحكومة واستبدلته بمنصب وزير أول، وهو ما يعني تمركز جميع الصلاحيات في يد الرئاسة وتوسيعها، وأي شريك ذكي أو حتى محرك للأمور من بعيد كما يُوصف ربما، يعلن عن رفضه لهذا الأمر لأنه يسلبه أوراقا احتياطية للمناورة في حالة وجود خلل ما أو في حالة شبهة انفراد وأحادية القرار».

وتابع: «كما أن سلسلة التعيينات الرئاسية داخل أجهزة تنفيذية وحتى عسكرية ومن مناطق معروفة وحتى انتماءات معينة وبولاءات مثبتة، توحي بأن الأمور تمت بلا مقاومة ولا اعتراض تقريبا ولا يلحظ فيها أي نوع من أنواع المواءمات السياسية، وأن القرارات صدرت بإرادة خالية من الانفعال ومتحررة من أي ضغط».

ويستدل المصدر على طرحه بأن تلاعب الرئيس بوتفليقة، بمدلل ضابط المخابرات، أحمد أويحي، وكثير من النخب المحسوبة عليه. دليل على أن الجنرال توفيق، خارج مجال صناعة القرار وأن ليس بيده ما يقدمه لمن كانوا في وقت من الأوقات رجاله المفضلين. وهم في الأساس رجال النواة الصلبة التي تفككت سنة 2004 وكان توفيق واحد منهم.

مهمات متعددة

محمد لمين مدين المعروف حركيا بالجنرال توفيق ينحدر من بلدة قنزات بولاية سطيف الواقعة شرقي العاصمة بنحو 300 كلم. التحق بصفوف جيش التحرير من مقاعد الدراسة أثناء ثورة نوفمبر، بالولاية الأولى التاريخية. وبعد الاستقلال شغل عدة مناصب في الأمن العسكري، وأيضا مديرا للمدرسة التقنية للهندسة العسكرية، ثم مديرا لدائرة الأمن والاستعلام وليدة الأمن العسكري.

وبعد إعادة تشكيل هذه المديرية بأكثر احترافية وتوسيعها بعدة فروع رئيسية، على خلفية الاضطرابات الأمنية الخطيرة التي ميزت الجزائر في أعقاب بروز التيارالإسلامي المتطرف، والذي دفع الجهاز إلى تأسيس مديرية الاستعلام والأمن التي تتضمن المخابرات العسكرية ومكافحة التجسس والأمن الداخلي.

وهي تعتبر أول جهاز محترف متخصص في الأمن القومي في الجزائر لأن جهاز الأمن العسكري في الماضي كانت نشاطاته محدودة.

اللواء محمد مدين الذي يعتبر من صقور المؤسسة العسكرية المتشددين في التعاطي مع الإسلاميين المتشددين، عرف بالصرامة والاحترافية في العمل، حيث قام بتشكيل أول مدرسة جزائرية متخصصة في تأهيل الضباط في مجال الأمن الوطني. وهي مدرسة بني مسوس التابعة لمديرية الاستعلام والأمن.

نشأ توفيق في حي بولوغين الشعبي بالجزائر العاصمة، وكان ضمن دفعة السجاد الأحمر التي دخلت مدرسة الكا جي بي السوفيتية سابقا، وبعد انتهاء فترة التكوين عاد إلى الجزائر حيث وجه ليعمل بالناحية العسكرية الثانية برتبة ملازم، تحت قيادة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، الذي كان آنذاك ضابطا برتبة عقيد.

كما أمضى مسيرة طويلة رفقة العربي بلخير وعين في سنة 1980 قائدا للأمن العسكري في الناحية العسكرية الثانية. وبأمر من رئيس الأمن العسكري لكحل عياط، الذي شكل له إحراجاً حينذاك، تم تعيينه ملحقاً عسكرياً بطرابلس

وبعد عودته من ليبيا، شغل لمدة قصيرة منصب مدير المديرية المركزية للهندسة العسكرية.

وفي 1986، عين قائدا لقسم الدفاع والأمن برئاسة الجمهورية، أين كان يدير صديقه العربي بلخير ديوان رئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد.

وعندما تم إنشاء المفوضية العسكري للوقاية والأمن في 1987 أصبح مدير أمن الجيش، وهي الشرطة السياسية للجيش الوطني الشعبي. وعلى إثر حل المفوضية العسكرية للوقاية والأمن في سبتمبر 1990 شغل منصب قائد برتبة جنرال بدل الجنرال محمد بتشين، وتمت ترقيته فيما بعد إلى رتبة فريق أول سنة 1993 ثم في تموز/ يوليو 2006 إلى رتبة فريق.

12