الجنرال جيمس ماتيس وجه السياسة الأميركية الجديد

السبت 2016/12/03
شبهة استعمال الأسلحة المحظورة في العراق تلاحق ماتيس

عمّان - أعلن الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب حسم مسألة تعيين الجنرال المتقاعد جيمس ماتيس وزيرا للدفاع، ليصبح بذلك ثاني جنرال يتولى هذا المنصب منذ 66 عاما. وأمام حشد من أنصاره في سينسيناتي بولاية أوهايو قال ترامب إن ماتيس “واحد من الجنرالات العظماء”. مضيفاً باعتداد “سنعيّن الكلب المجنون ماتيس وزيرا للدفاع، لكننا لن نعلن ذلك حتى يوم الاثنين، لذلك لا تخبروا أحدا”.

وكان ترامب قد رشّح الجنرال ماتيس، لمنصب وزير الدفاع ضمن المشاورات والاقتراحات لتشكيلة الإدارة الأميركية الجديدة، التي ظهرت ملامحها الأولية تطبيقا عمليا وتحقيقا لشعارات ترامب الانتخابية.

الرئيس الأميركي المنتخب لم يقدم على هذه الخطوة إلا انسجاما مع برنامجه الانتخابي الذي كان مثيرا للجدل، وربما أفضى إلى مفاهيم جديدة في السياسة، فالرئيس الجمهوري القادم من قطاع الأعمال والعقارات قدّم وعودا كثيرة؛ منها الداخلية الموجهة للطبقة المتوسطة والفئات محدودة الدخل، ووعد بتخفيض الضرائب، وهاجم العولمة المتوحشة.

أما على الصعيد الخارجي فأظهر الرئيس طروحات شعبوية شكلّت الامتداد الطبيعي لمقترحاته على الصعيد الداخلي المتناغم مع شعار “أميركا أولا”.

جرت العادة في الانتخابات، أيّ انتخابات، أن تستمر حماسة وسخونة المعركة الانتخابية إلى ما بعد إعلان النتائج، فيبقى الفائز تحت تأثير المشاحنات الانتخابية ما يسبغ قراراته الأولية بنفَس وأجواء الدسائس المتعلقة بما لا يريد الخصم لا ما يريد هو أو برنامجه الانتخابي.

يأتي اختيار الرئيس الفائز في الانتخابات الأميركية التي جرت قبل أسابيع لـ”ماتيس” ضمن هذه الأجواء، وهو الجنرال الذي استغنت عنه إدارة أوباما الديمقراطية عام 2013 لحماسته الزائدة لخوض حرب ضد إيران، ولمعارضته آنذاك مشروع الاتفاق النووي معها، إضافة إلى أن قرار سحب القوات الأميركية من مناطق في الشرق الأوسط والتي كان يشرف عليها ماتيس، من أكبر القرارات الخلافية بينه وبين الرئيس الأميركي أوباما، حيث كان ماتيس يرفض سحب القوات الأميركية حسب منصبه كمسؤول عن القيادة المركزية للقوات الأميركية في الشرق الأوسط.

ويعتبر وصف ترامب للوزير المرشح لهذا المنصب الخطير بـ«الكلب المجنون» من قبيل المديح، فهو تعبير لا يمثل الإهانه له في الثقافة الأميركية، كما تقول صحيفة الإندبندنت البريطانية التي أكدت أن ترامب اختار وزيرا «مقاتلا».

الجنرال المثقلة بزّته العسكرية بأربع نجوم والكثير من النياشين هو من قادة مشاة البحرية (المارينز)، وكان قد رُقّي في صفوف قوات مشاة البحرية، قائدا لفرقة من القوات الأميركية في جنوب أفغانستان عام 2001، وتلقّى الجنرال الإشادة لقيادته مشاة البحرية في معركة 2004 في الفلوجة بالعراق، والتى وصفت من أطراف أخرى بأنها من أكثر المعارك دموية، حيث وجهت لماتيس اتهامات باستخدام الأسلحة المحرّمة دوليا.

سبق له أن خدم في افغانستان والعراق، وشغل كرسي قيادة القوات الأميركية التي تتولى الإشراف التام على العمليات العسكرية في كلّ من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وتوصف لغته ببعض الجرأة وربما الوقاحة، خصوصا حينما أثار ماتيس موجة من الجدل الحاد عام 2005 عندما قال أمام تجمع للجنود إنه “من الممتع إطلاق النار على بعض الأشخاص” في إشارة للأفغان، فلقد عمل جنرال البحرية الأميركية المتقاعد في أفغانستان منذ عام 2001.

ماتيس يعتد بإشادة الأوساط الأميركية بقيادته لمشاة البحرية في معركة 2004 في الفلوجة بالعراق، والتي وصفت من أطراف أخرى بأنها من أكثر المعارك دموية، حيث وجهت لماتيس اتهامات باستخدام الأسلحة المحرمة دوليا فيها

الموقف من إيران

ينسجم موقف جيمس ماتيس مع الإدارة الجديدة فيما يخص الملف الإيراني، وإجمالي موقف الإدارة الجديدة ضد الاتفاق النووي مع إيران، وخرجت تصريحات من أكثر من جهة أميركية تقول بأن الاتفاق غير ملزم للأميركان ويمكنهم التنصل منه في أيّ وقت.

بالمقابل يرى الرئيس المنتخب ترامب أن الاتفاق مجرد مضيعة للوقت وأن إيران ستستغل الانفراج في العلاقات الدولية التي يوفرها لها هذا الاتفاق في تطوير برنامجها النووي، أي أنها لن تلتزم فعليا بالاتفاق، وهذا الموقف يتطابق مع مواقف الجنرال من الجمهورية الإسلامية التي يلخصها بأن إيران من أكبر التهديدات التي يواجهها الأمن القومي الأميركي.

ويرى ماتيس أن الولايات المتحدة الأميركية بانسحابها من المنطقة سلّمت العراق وسوريا والإقليم للمشروع الإيراني. هذه الرؤية ستخلط الأوراق في إيران. فقد بدأ فعليا النقاش بين المحافظين والإصلاحيين

حول جدوى الاتفاق النووي، ففي حين ذهب روحاني إلى أن أميركا مجرد دولة من ضمن مجموعة دول تم توقيع الاتفاقية معها، وأن انسحابها من الاتفاقية لن يؤثر في مجريات الأمور، راح خصوم روحاني من اليمين المحافظ يعيدون الأسطوانة المعارضة للاتفاقية ذاتها من قبيل أن الاتفاقية أصلا ستعطل الطموحات الإيرانية بامتلاك أسلحة نووية، ولن تعود بأيّ منافع اقتصادية.

وفي كل الأحوال، هناك خشية إيرانية، من مختلف الأوساط، من أن انتصار ترامب سيضع إيران في مواقف صعبة فيما يخص الحصول على المليارات من الدولارات المحجوزة في حسابات خارجية جرّاء نفاذ العقوبات الاقتصادية، كذلك سيكون من الصعوبة إقناع الشركات والبنوك الغربية باستئناف صفقاتها مع طهران.

وقد نُشرت آراء اقتصادية إيرانية اعترفت بأن الاتفاق النووي لن يؤدّي إلى النتائج الاقتصادية المرغوب فيها، لذلك ليس أمام روحاني إلا زيادة التعاون مع الاتحاد الأوروبي في حال أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات.

أما خامنئي، فيعتبر أن فوز ترامب تأكيد آخر لمواقفه التي يرى فيها وجوب عدم الوثوق بالولايات المتحدة، وأن النمو الاقتصادي يمكن أن يتحقق عن طريق “الاقتصاد المقاوم” الذي يعني تكييف الاقتصاد بحيث يعتمد على الإنتاج الذاتي، وتقليص اعتماد إيران على الجهات الخارجية.

وصف ترامب للوزير المرشح لهذا المنصب الخطير بـ”الكلب المجنون” يعتبر من قبيل المديح، فهو تعبير لا يمثل إهانة له في الثقافة الأميركية، كما تقول صحيفة الإندبندنت البريطانية التي أكدت أن الرئيس الأميركي المنتخب اختار وزيرا «مقاتلا».

مهندس الحروب

يُعتبر جيمس ماتيس مهندس الحروب الأميركية في الشرق الأوسط وأفغانستان والعراق، وهو أميل إلى خيار المواجهات العسكرية، وهذا ما يجعل ترشيحه مثيرا للتساؤل حول رسائل ترامب إلى منطقة الشرق الأوسط، وما اختارته السياسة الأميركية في عهد أسلافه الديمقراطيين من انسحاب شبه كامل من المنطقة، ويضعنا أما تساؤلات أخرى تتعلق بمفهوم الإدارة الجديدة لشعارها الأثير “أميركا أولًا”.

تاريخ المرشح لمنصب وزير الدفاع الجنرال المتقاعد جيمس ماتيس عُمّد في ساحات الحروب، وخبراته وأجنداته تؤكد أنه إذا ما استلم هذا المنصب فلن يتبع منهجية أوباما في المنطقة، فمجرّد ترشيحه أثار مخاوف الكثيرين، وماتيس ليس مجرد شخصية مثيرة للجدل، بل شخصية من المفزع قدومها لتولي حقيبة الدفاع؛ لأنه مهندس الحروب الأميركية في أفغانستان والعراق، وفي ظل إشرافه ارتكبت جرائم حرب.

من المعروف أن الـ”مابعديات” تتبعها مابعديات أخرى، وربما كانت هذه المرحلة التي قفز فيها ترامب المرشح للرئاسة الأميركية عن الحزب الجمهوري، هي نوع من التجديد للـ”عقلانية” الأميركية، فذلك العهد الذي وصل فيه أوباما إلى البيت الأبيض كان واعدا حسب تنظيرات أوباما، وما كان مأمولا به، لكنه لم يُنجز شيئا على أرض الواقع، وخير مثال على ذلك ارتباك الموقف الرسمي الأميركي حيال ما جرى في دول الربيع العربي، فسرعان ما عاد مأسورا لظاهرة “الإسلاموفوبيا” وراوح في تردد أدخل المنطقة في مرحلة تفكيك الدول بدلا من إعادة بنائها على أسس الديمقراطية والعدالة.

هناك من يقول الآن إن التفكيك ربما بات قريبا من أميركا نفسها. فبعد هذا التقدم لما يسمى بـ”الفاشية الزاحفة” بات المثال الديمقراطي الأميركي مهددا، فهناك من يرى أن وصف ترامب بالشعبوي، ربما يقصد به تشبيه الحالة الأميركية الراهنة بالشعبوية التي حملت هتلر إلى الحكم.

لكن الأمر لن يصل إلى هذا الحد، فالشعارات الشعبوية السطحية المتهمة بتبنيها حملة ترامب كما بعد الحقيقة، شيء، والواقع شيء آخر يتطلب مرحلة موسومة بمابعد بعد الحقيقة، وهي المنصاعة بالتوفيق صدوعا للواقع، من أجل إدارة مصالح أكبر قوة في التاريخ.

الجنرال ماتيس يعد أشهر الجنرالات الذين استغنت عن خدماتهم إدارة أوباما الديمقراطية عام 2013 لحماسته الزائدة لخوض حرب ضد إيران، ولمعارضته آنذاك مشروع الاتفاق النووي معها، إضافة إلى أن قرار سحب القوات الأميركية من مناطق في الشرق الأوسط والتي كان يشرف عليها ماتيس، من أكبر القرارات الخلافية بينه وبين أوباما

شرق أوسط أجد من جديد

في “البريكست”، التطبيق الآخر لمابعد الحداثة، هجرت ذائقة الجمهور الواسع، عقلانية خيار النخب بالاستمرار في الاتحاد الأوروبي، وكفرت بالمعادلات الإحصائية في استطلاعات الرأي. وتبع الناس الخطاب الغرائزي المستند للدعوات القائمة على كراهية الأجانب، لكن البريطاني يستفيق اليوم على هول ما حدث ويدرك أن القصة كانت مجرد ارتداد لتنظيرات ووصفات التفكيك المستحضرة من عقلية الدولة العظمى التي لا تغيب عنها الشمس.

ماذا نتوقع اليوم من الإدارة الأميركية ورسلها إلى المنطقة وعلى رأسهم الجنرال ماتيس؟ وهل جاء بشروطه الخاصة أم بتوافق براغماتي مع خطط ساكن البيت الأبيض الجديد القادم من عالم الأعمال والتجارة؟

الأمر يختلف حين يتعلق بأميركا. فالقصة أكثر من معقدة في ظل صعود أقطاب جدد مثل الصين وروسيا، وكذلك في ظل ضعف وتراجع دور الحليف التاريخي الأوروبي، فأوروبا الآن مثقلة بالمشاكل الاقتصادية إضافة إلى انفصال بريطانيا عنها.

ولا بد من صيغة أميركية جديدة تنقذ أميركا أولا من ورطاتها الكبيرة، ومن ثم تنقذ العالم مما دخل فيه نتيجة للسياسات الأميركية طوال الخمسين سنة الماضية.

حلّ مشاكل الشرق الأوسط هي بداية لحلّ المشاكل الأميركية والغربية الآخذة بالتعقيد أكثر فأكثر، ولا بد من نظرة أميركية جديدة تراعي فيها السلام في المنطقة وحقوق شعوبها التي عانت طويلا من القهر والاستعباد.

وسط هذا كله، يتحدث ترامب بإيجابية كبيرة عن ماتيس، أثناء خروجه في نهاية يوم كامل من الاجتماعات، وعندما يسأله أحد المراسلين عمّا إذا كان لماتيس مكان في إدارته الجديدة، يرد ترامب “كل ما يُمكنني قوله هو إنه الصفقة الحقيقية.. الصفقة الحقيقية». كذلك أشاد نائب الرئيس المنتخب مايك بنس في مقابلة مع شبكة «فوكس» بـ«المسيرة العسكرية الرائعة» للجنرال.

12