الجنسية مقابل الاستثمار.. أحدث توجهات تركيا لجذب المستثمرين والمؤيدين

وجد النظام التركي في فكرة منح الجنسية مقابل الاستثمار فرصة مناسبة تمكنه من تحقيق العديد من المميزات في آن واحد، وفتح غطاء لدفع الاقتصاد المتهاوي، حيث يمكن منح الجنسية التركية لأطراف حليفة لنظام حزب العدالة والتنمية، على غرار مشروع تجنيس قيادات من الإخوان، وبعض اللاجئين من ذوي الكفاءات الذين يمكن الاعتماد عليهم كناخبين ومؤيدين عند الحاجة.
الأربعاء 2016/11/16
بيع الجنسية مقابل النهوض

أنقرة - لم يهدأ بعد الجدل الذي أثاره مشروع تجنيس اللاجئين السوريين، من أصحاب الكفاءات، حتى أثير جدل مشابه، يتعلق هذه المرة بمنح الجنسية التركية مقابل الاستثمار في البلاد؛ حيث أعلن نعمان قورتولموش، نائب رئيس الوزراء التركي، والمتحدث باسم الحكومة أنه تمّ الانتهاء من إعداد الخطوط العامة لمشروع منح الجنسية التركية للمستثمرين الأجانب.

وأوضح قورتولموش، في تصريح صحافي، أن المشروع سيشمل المستثمرين الأجانب الذين يقومون باستثمارات في رأس المال الثابت، إضافة إلى من يشترون عقارات فوق عدد معين، وتسجيلها في السجل العقاري شريطة عدم بيعها قبل 3 سنوات.

ويشمل المشروع، الأجانب الذين يوظفون عددا محددا من الأشخاص في أماكن العمل التي أسسوها، والمستثمرين الأجانب الذين لا يسحبون قدرا معينا من أموالهم المودعة في البنوك قبل ثلاثة أعوام. كما يمكن، وفق تصريحات قورتولموش، للأجانب ممّن يودعون أموالا في وسائل استثمار الدولة بشرط عدم سحبها قبل مدة محددة، الاستفادة من مشروع منح الجنسية.

وتأتي الخطّة الحكومية الجديدة كمحاولة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز فرصها، بعد التراجع الذي عاشته الأسواق التركية على وقع الاضطرابات الأمنية والسياسية.

وكان وزير التنمية التركي، لطفي علوان، قال في وقت سابق، إن منح الجنسية التركية للمستثمرين الأجانب تقوم على مرحلتين؛ الأولى منحهم إقامة لفترة معيّنة، ومن ثم منحهم الجنسية بعد التأكد من عدم قيامهم بتصرفات مسيئة خلال فترة إقامتهم.

وتشمل فئة المستثمرين الأجانب القادرين على الحصول على الجنسية التركية، رجال أعمال لديهم استثمارات ثابتة في تركيا، ممّن اشتروا عقارات بمبلغ محدّد واحتفظوا بها مدّة ثلاثة أعوام على الأقل.

كما تشمل المستثمرين الأجانب ممّن يستثمرون بمبالغ محدّدة بشرط عدم سحبها لثلاثة أعوام على الأقل، ومن يوفرون فرص عمل، في ظلّ ارتفاع نسبة البطالة بين الأتراك والتي تبلغ حوالي 11 بالمئة.

نعمان قورتولموش: الجنسية للمستثمرين الأجانب الذين يستثمرون في رأس المال الثابت

وبدأ الحديث عن تجنيس المستثمرين منذ السنة الماضية، حين عرض هذه الفكرة وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي، إثر لقاء جمعه بمجموعة من المستثمرين الأجانب، دعاهم إلى المساهمة في دعم الاقتصاد التركي مقابل حصولهم على الجنسية التركية وما يتبعها من تسهيلات.

وبين الوزير حينها أن “كل من يأتي إلى تركيا ويقوم بشراء عقار فوق أراضيها، ويحصل على سند تملّك لعقار في تركيا، يحق له أن يكون مواطنا تركيا من الدرجة الأولى”. وأضاف “أن العديد من الدول في العالم تمنح امتيازات مختلفة في ما يتعلق بمنح الجنسية لكل من يرغب في التملك فوق أراضيها، وعلى تركيا أن تسير على المنوال نفسه”.

لكن، بعض الخبراء، علق على تصريحات وزير الاقتصاد التركي، مشيرا إلى أن هناك قراءة أخرى بين سطورها، خصوصا عندما تحدث عن المصير المشترك والهوية المشتركة، في قوله “من يرغب في أن يشارك معي الوطن والأرض والمصير المشترك والهوية الواحدة، عليّ أن أتقرب منه بصورة إيجابية، وخصوصا إذا كانت الغاية الأساسية من شراء المالك للعقار هو الحصول على الجنسية التركية، فيتوجب بناء على ذلك أن يُصنّف ضمن قوائم معينة”.

والحصول على الجنسية التركية لا يعني فقط الاستثمار ودعم الاقتصاد، بل أيضا دعم النظام الحاكم، مثلما يعني عددا أكبر من الناخبين والموالين، الذين يمكن الاستفادة منهم عند الحاجة، خصوصا في ما يتعلق بالاستفتاء على التعديلات الدستورية والسير نحو ترسيخ النظام الرئاسي.

وربط مراقبون بين هذا القرار الجديد وقرار توطين اللاجئين السوريين، باعتباره، بروباغندا سياسية وانتخابية، وإن كان مشروع التجنيس مقابل الاستثمار أقل إثارة للجدل مقارنة بموضوع توطين اللاجئين، خاصة وأن السبب الرئيسي والمباشر لهذا المشروع دعم الاقتصاد المنهك وفتح أسواق عمل جديدة تقلل من نسبة البطالة.

وأظهرت بيانات حديثة أن معدل البطالة في تركيا ارتفع إلى 11.3 بالمئة في أغسطس الماضي، مقارنة بـ10.7 بالمئة خلال شهر يوليو الماضي، حيث ارتفع عدد العاطلين بواقع 435 ألف شخص. وقالت وكالة تورك سات الحكومية إن معدل البطالة بين الشباب ارتفع إلى 19.9 بالمئة.

ودفعت التوترات الداخلية إلى هروب الكثير من رؤوس الأموال من تركيا. ومقارنة بدول أخرى، تبيع جنسيتها مقابل الاستثمار، على غرار مالطا، تبدو الظروف في تركيا، غير مشجعة، على الأقل في الوقت الراهن، حيث تتصاعد تنديدات الاتحاد الأوروبي بتراجع الحريات وعمليات القمع التي تم تسجيلها منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016، ما يطيل أكثر طريق تركيا نحو الانضمام إلى المجموعة الأوروبية، وقد يصل الأمر إلى قطع هذا الطريق.

ويضعف المشهد السياسي المضطرب والتوترات الأمنية وتصاعد التهديدات الإرهابية وتبعات محاولة الانقلاب الفاشلة من فرص إقبال رجال الأعمال والمستثمرين الأجانب على الحصول على الجنسية التركية، وإن كان الخبراء يتوقعون أن يشهد هذا المشروع إقبالا من فئة محددة من رجال الأعمال، وهم أولائك الذين يتوافقون مع التوجهات الأيديولوجية للنظام التركي.

واعتبرت المعارضة التركية أن هذا المشروع، رغم فوائده الاستثمارية والاقتصادية، إلا أنه يخفي بين طياته أجندات ومخططات أخرى، من قبيل تجنيس بعض المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، حيث يساعد هذا المشروع على تجاوز الجدل وتفادي غضب مماثل لذلك الذي واجهه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على خلفية صدور تقارير تحدثت عن تجنيس قيادات من جماعة الإخوان المسلمين الهاربين والمقيمين في تركيا.

12