الجنس الغائب

السبت 2014/09/20

يبدي الغرب اهتماما متزايدا بأدب الخيال العلمي، هذا الجنس الأدبيّ الذي قوبل في بداياته بالاستخفاف، إذ رأى فيه النقاد ضربا من تهويمات تتوسّل بالعلم، ولكنها بعيدة عن المنطق والواقع، وإذا كانت الاكتشافات العلمية المتلاحقة تأتي لتؤكّد على أن أصحاب تلك الكتابات كانوا ذوي نظرة مستقبلية، سابقين لعصرهم، وأن ما راود خيالهم أكّده العلم، وحقّقه الإنسان؛ فالآلات البالغة الدقة، والطائرات النفّاثة، والمراكب الفضائية، والفتوحات العلمية المذهلة كارتياد الكواكب البعيدة، واستنساخ الكائنات الحيّة، وما إلى ذلك مما يحار العقل في تصور حدوثه، كانت مجرّد أحلام راودت الإنسان إن في يقظة أو منام، ثم جسّدها العلم على أرض الواقع.

هذا الجنس -الذي يصلح أن يكون أداة هامة لتعميم المعارف العلمية وتطوير إدراكنا للواقع في شموليته، بطريقة فنية تستعمل عناصر السرد المعروفة كالحبكة والتشويق والإثارة والوصف والحوار وبناء الشخصيات، يكون القارئ خلالها مدعوا ضمنيا إلى التمييز بين النظريات العلمية الثابتة وابتكارات الكاتب المتخيلة- لا نكاد نعثر عليه في مدونتنا العربية إلا لماما. وإذا كان غياب الأجناس الأخرى كروايات الجاسوسية وروايات الرعب والروايات البوليسية، قد تعزى لأسباب خاصة بتركيبة المجتمع العربي والأنظمة التي تحكمه، فبماذا يفسّر إذن عدم اهتمام كتابنا بالخيال العلمي؟

في حديثِهِم عن عزوف الأدباء العرب عن إبداع قصص وروايات من جنس الخيال العلمي، يرى بعض الدارسين أن من الأسباب الهامة ضعف الخيال عندهم، إذ هم كثيرا ما يميلون إلى تصوير الواقع، أو استلهام التراث، أو إسقاطه على الراهن للتعبير عن مواقفهم من قضايا تهمّ مجتمعاتهم بشكل موارب يقيهم العواقب الوخيمة. فيما يرى دارسون آخرون أن السبب الرئيس هو نقص التكوين العلمي لدى الكتاب، لأنه في نظرهم شرط لا غنى عنه لاقتحام هذا المجال. ذلك أن رواية الخيال العلمي تنهض بسرد مستحدثات العلم وحكاياته المستقبلية، وتستقصي أثرها على الإنسان والمجتمع والطبيعة.

والحقّ أن في كلا الرأيين نصيبا من الصواب، فالكتاب العرب -إلا ما ندر- هم مدرسون أو موظفون أو إعلاميون أو محامون، ليس لهم تكوين علميّ متين، ولا قدرة لهم على فهم الاكتشافات العلمية المتسارعة فهما عميقا فضلا عن شرحها أو استباقها. وهم، بسبب من ذلك، منكبون على بيئتهم يفحصونها، وعلى واقعهم يسائلونه، وعلى مصائرهم يخشون خواتيمها.

ثم إنهم ابتلوا بوجودهم في أمة لا تقرأ، وإن قرأت لا تفهم، وإن فهمت غابت عليهم، بسبب تعاليهم، معالجة القضايا المصيرية ومطاولة مسائل ليس لنا فيها باع ولا ذراع.


كاتب تونسي مقيم في باريس

16