الجنس مقابل السمك.. بائعات السمك في كينيا يخاطرن بأجسادهن

المئات من النساء يقفن على شاطئ بحيرة فيكتوريا  في انتظار وصول قوارب محملة بالسمك، الكل يعلم أنهن لا يدفعن مالا مقابل البضاعة التي يشترينها بل الجنس.
الجمعة 2018/08/17
"الجابويا" طريق النساء إلى السمك

سيندو (كينيا)- السمك في بحيرة فيكتوريا يعتبر بالنسبة إلى المواطنين المقيمين حولها من أهم مصادر الدخل، إذا لم يكن المصدر الوحيد. لكن في كينيا تضطر الكثير من بائعات السمك إلى دفع ثمن باهظ مقابل الحصول على السمك. هذا الثمن قد تكون له عواقب مميتة أيضا.

المئات من النساء يقفن على الشاطئ حاملات دلاء بلاستيكية خاوية وأنظارهن تجول بين أمواج البحيرة في انتظار وصول قوارب الصيد الخشبية المحملة بسمك “الأومينا”، وهو أحد الأنواع الصغيرة الشبيهة بالسردين ويعيش في بحيرة فيكتوريا. عند الوصول إلى الضفة تبدو كل بائعة على علم تام بالصياد الذي يمكنها شراء “الأومينا” منه. بسرعة تُملأ دلاؤهن بالسمك الزلق.

لكن الثمن الحقيقي الذي يتعين أن تدفعه هؤلاء النسوة مقابل الحصول على السمك لا يمكن رؤيته، ولا يُثار حوله حديث في شاطئ منطقة سيندو، ورغم ذلك الكل يعلم طبيعة هذا الثمن، حيث المقابل هو الجنس.

“نضطر لبيع أجسادنا”، هكذا تقول بيريز أنجانجو بابتسامة كاشفة عن الفراغ الكبير بين سنتيها الأماميتين. ابتسامة أنجانجو ليست نتاج ذكريات جميلة، بل لبديهية الأمر بالنسبة إلى النساء اللاتي يعشن عند بحيرة فيكتوريا غربي كينيا ويعملن في بيع السمك. تروي أنجانجو، التي لا تعرف عمرها بالتحديد لكنها تقدره بحوالي خمسة وخمسين عاما، أنها اضطرت لبيع جسدها مقابل السمك، مضيفة أنها عملت في شبابها على مدار حوالي 15 عاما في هذا المجال. تقول أنجانجو “لا يمكن الحصول على سمك من دون ربط صداقة مع الصيادين”.

الظاهرة منتشرة كثيرا حول بحيرة فيكتوريا
الظاهرة منتشرة كثيرا حول بحيرة فيكتوريا

“صداقة”، هكذا تسميها أغلبية النساء، بينما يُطلق على هذا الأمر رسميا اسم “الجابويا”، ويقصد به ممارسة بائعة السمك للجنس مع الصيادين لتأمين حصولها على السمك. هذه الظاهرة منتشرة كثيرا حول بحيرة فيكتوريا، أكبر بحيرة في قارة أفريقيا، والتي تطل عليها كينيا وأوغندا وتنزانيا. هنا الصيد وتجارة السمك أهم مقومات الحياة، لكن الصيد الجائر وتلويث البيئة ينهكان البحيرة منذ عقود. كما تسبب إدخال فصيلة أسماك “بياض النيل” في خمسينات وستينات القرن الماضي إلى البحيرة في خفض الثروة السمكية للعديد من الأنواع الأخرى. وبسبب النمو السكاني المتزايد حول البحيرة يضطر العديد من الأفراد لكسب رزقهم من السمك.

لم يُعرف حتى الآن على وجه الدقة متى ولماذا نشأت “الجابويا”. وتفسر الظاهرة الخبيرة لدى منظمة الرؤية العالمية للإغاثة والتنمية، إرينا أوجوك “في وقت ما صار من غير الممكن تغطية الطلب على السمك”. وتضيف، المنافسة على السمك أصبحت شديدة وفرص العمل باتت محدودة. من هنا فكر الصيادون في ما يمكنهم الحصول عليه من البائعات. تقول أوجوك “أي أن النساء أصبحن ضحية هذه الظروف”.

ممارسة “الجابويا” قد تكون لها عواقب مميتة، حيث تقول البائعة أنجانجو “الكثير من النساء أصبن بأمراض خطيرة… وهناك من توفين بسبب هذا العمل”. وبحسب بيانات وزارة الصحة الكينية، يعيش في كينيا نحو 1.5 مليون شخص حاملين لفيروس العوز المناعي البشري (إتش.آي.في)، وحوالي 5.9 بالمئة منهم فوق 15 عاما. وتوجد أعلى معدلات إصابة بالفيروس بفارق كبير في المنطقة المحيطة ببحيرة فيكتوريا.

وفي دائرة هوما باي، حيث تقع منطقة سيندو،على شاطئ سيندو، الذي يبعد حوالي ساعة ونصف الساعة من السير في طرق وعرة بالسيارة عن أقرب مدينة كبيرة “هوما باي”، يبحر الصيادون في ساعة متأخرة من الليل بقواربهم ليصلوا في الصباح الباكر مع صيدهم إلى الشواطئ، حيث تنتظرهم البائعات.

ممارسة "الجابويا" قد تكون لها عواقب مميتة
ممارسة "الجابويا" قد تكون لها عواقب مميتة

تقول أنجانجو “قبل ذلك تكون البائعة قد ذهبت إلى أحد الصيادين لتنام معه. بذلك يمكن للبائعات أن يضمنّ لأنفسهن عدم الرجوع من الشاطئ بأيدي خاوية”. وتوضح أنجانجو، وهي أم لثلاثة أطفال، أنه عندما تصبح بائعة ما “صديقة” خاصة لصياد، فربما يمكنها أن تحصل على كمية أزيد من نظيراتها، أو تكون الأولى التي تحصل على السمك الطازج الذي تكون فرص بيعه أفضل في الأسواق.

لكن ما لا قد يتوقعه البعض هو أن ممارسة بائعات السمك للجنس مع الصيادين لا تعني إعفاءهن من دفع ثمن السمك نقدا، حيث تقول كارولين أليما، التي تبيع السمك منذ سنوات طويلة مثل أنجانجو “لا بد من ممارسة الجنس مع صياد، ثم دفع أموال له أيضا بعد الجنس… أي أننا نمارس الجنس تقريبا دون مقابل”. الدلو الواحد يسع لنحو 35 كيلوغراما من أسماك الأومينا، وتبلغ تكلفته ألف شلن على الأقل؛ أي ما يعادل 8.50 يورو. يقر مدير السلطات المحلية لشاطئ سيندو، كولينس أوشينج، بأن “بعض النساء” في شاطئه يمارسن الجنس مع الصيادين.

يقول أوشينج إن الأمر يحدث سرا، مشيرا إلى أن الكثير من البائعات فقيرات للغاية وأرامل، وأضاف “النساء يحاولن الحصول على السمك بأي وسيلة”، موضحا أن المشكلة تزداد سوءا بازدياد النمو السكاني.

الشمس في أوجها الآن على شاطئ سيندو. معظم البائعات ملأن دلاءهن بالسمك. وبمساعدة نساء أخريات تفرش البائعات شباكا كبيرة على الرمال ويثبتنها بأحجار كبيرة، فالأسماك يجب أن تجفف حتى يستطعن بيعها بعد ذلك في السوق. فإذا ظلت الأسماك رطبة لفترة طويلة ستفسد. وعندما يُثار حديث معهن عن “الجابويا” تعترف الكثيرات منهن بالمشكلة، لكن لا تصرّح أي واحدة منهن بأنها تضطر لفعل ذلك أيضا.

20