الجنوب التونسي يقود انتفاضة الفقراء الجدد

الجمعة 2015/02/13
الحكومة التونسية الجديدة في مواجهة استحقاق لا ينفع معه القمع

تونس - من أكثر الملفات أهمية خلال المرحلة القادمة بالنسبة للساسة الجدد هو كيفية معالجة مخلفات سنين طويلة من التهميش والإقصاء الاجتماعي والبطالة، ذلك أن التوزيع غير العادل للميزانية بين المحافظات التونسية خلق نوعا من “الحقد الاجتماعي”، حيث يعتبر أبناء المناطق الجنوبية أنهم مهمّشون مقارنة بالعاصمة والمناطق الساحلية، التي شهدت منذ الاستقلال تطورا ملحوظا على مستوى التشغيل والبنية التحتية ومختلف الخدمات، وتوقّعوا انفراجا لأزماتهم بعد الثورة. لكن حدث العكس، وازدادت الضغوط المعيشية على سكّان المناطق الداخلية منذرة بانتفاضة شعبية جديدة ومستقبلة الحكومة الجديدة بأزمة مصيرية واستحقاق يتطلب أفعالا لا وعودا.

بعد يومين فقط من تولي حكومة الحبيب الصيد الائتلافية، التي تضم علمانيين وإسلاميين، قتل مواطن بالرصاص الحي خلال احتجاجات يقودها أهالي الجنوب التونسي الفقراء والعاطلون عن العمل.

يطالب هؤلاء المحتجّون بالتنمية والتشغيل ومستوى معيشة يحفظ كرامتهم في ظل تدني مؤشرات التنمية البشرية، حتى أن نسبة الفقر المدقع فتكت بأكثر من 60 بالمئة من السكّان بعد أن كانت في حدود 30 بالمئة قبل سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي في يناير 2011 إثر انتفاضة شعبية طالبت بالتنمية والحرية.

وتصاعدت موجة الاحتجاجات وتوسعت لتشمل عددا من البلدات والقرى خاصة منها المتاخمة للحدود الشرقية للبلاد المحاذية للجارة ليبيا. وتحوّلت المظاهرات إلى مواجهات مع قوات الأمن التي استخدمت الرصاص الحي لتفريق المحتجين. وأثارت وفاة أحد المتظاهرين وإصابة أكثر من 20 بجروح غضب الأوساط السياسية والشعبية ومنظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل الذي طالب بفتح تحقيق حول “الاستعمال المفرط للقوة” ضد محتجين يطالبون بالتشغيل والتنمية وتحسين مستوى المعيشة.

الانتفاضة الشعبية في الجنوب تعد مؤشرا قويا على مدى خطورة الوضع وهشاشته الاقتصادية والاجتماعية


غضب في الجنوب


كانت الشرارة الأولى التي أشعلت انتفاضة مدن الجنوب الشرقي لتونس تعود إلى رفضهم لرسوم مالية فرضتها الحكومة على مغادري البلاد باتجاه ليبيا، التي فرضت بدورها رسوما مضاعفة على التونسيين. وقد أعادت تلك الشرارة لأذهان التونسيين شرارة اندلاع انتفاضة 14 يناير 2011 التي جاءت بعد أن أقدم بائع الخضار المتجوّل محمد البوعزيزي على حرق نفسه في مدينة سيدي بوزيد “المحرومة” احتجاجا على منعه من ممارسة مهنته.

ويرجع السياسيون والخبراء الانتفاضة التي يقودها أهالي الجنوب إلى “انعدام التنمية وتوسع رقعة الفقر وتدهور المقدرة الشرائية وانتشار البطالة مما هيأ أرضية للتهميش الاجتماعي قادت إلى الاحتقان والغضب الشعبي على السلطات التي لم تبادر خلال السنوات الأربع الماضية إلى تقديم حلول مجدية للمعضلات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها الأهالي”.

ويطالب أهالي كل من محافظتي مدنين وتطاوين بإلغاء الرسوم الجبائية والسماح بعودة التجارة مع ليبيا وتونس، وبحق الجهتين في التنمية المستدامة والشاملة والحق في التشغيل وبتحسين مستوى المعيشة التي تدهورت إلى أدنى المستويات جراء الارتفاع المشط للأسعار.

وقد دفعت خطورة الأحداث وتصاعد منسوب الاحتجاجات، بالخبراء إلى التحذير والمطالبة بضرورة الإسراع بالبحث عن طريقة لتنفيس الاحتقان وتطويق انتفاضة لا يستبعد أن تتسع رقعتها لتشمل مختلف الجهات الداخلية “المحرومة”، خاصة وأن المحتجين أكّدوا أن مظاهراتهم ستتواصل إلى أن تتحقق وعود المسؤولين وتنتبه الحكومة إلى حساسية الملف وأهمية معالجته بالسرعة القصوى.

وأخذت الاحتجاجات الشعبية منحى سياسيا حين تظاهر أهالي المنطقة في مسيرتين متزامنتين في كل من مدينة تطاوين ومدينة بن قردان المتاخمة للحدود مع ليبيا. وندّد المتظاهرون بتدخل قوات الأمن ضد المحتجين. وطالبوا بتيسير الإجراءات الجمركية، المتعلقة بالتجارة مع ليبيا، للمناطق الحدودية بالجنوب التونسي، باعتبارها المورد الوحيد لغالبية السكّان، وتخصيص جزء من العائدات التي يتم تحصيلها من معبر رأس جدير الحدودي للتنمية المحلية.

ويقول أهالي المناطق الواقعة على الحدود مع ليبيا إن ضريبة المغادرة أضرّت بهم، إذ قرّرت السلطات الليبية الرد بالمثل. وكانت حكومة الحبيب الصيد أعلنت الاثنين 9 فبراير الحالي، أنها ستنظر في تعليق العمل بالضريبة المفروضة على الأجانب المغادرين، ويفترض أن يشمل التعليق مواطني دول المغرب العربي كلها أو بعضـها.

البنك الدولي: التجارة الموازية تمثل %50 من المبادلات التجارية مع ليبيا


من طور الأقوال إلى طور الأفعال


تعد “انتفاضة الجنوب” أول “اختبار” شعبي لحكومة الصيد في مواجهة احتجاجات مرشحة لأن تتصاعد وتتوسع خلال المرحلة القادمة باعتبار أن أهالي الجهات “المحرومة” نفد صبرهم على السلطات وباتوا يطالبون بتحويل الوعود الانتخابية من طور الأقوال إلى طور الأفعال وتوفير حلول عاجلة للمعضلات الاقتصادية والاجتماعية وتدني مستوى التنمية.

وفي غياب برامج تنموية ومشاريع استثمارية تخفف من وطأة الفقر وتمتص البطالة، يضطر أهالي المنطقة إلى توفير قوتهم من الاتجار مع ليبيا سواء بصورة قانونية أو من خلال التهريب، وخاصة تهريب الوقود، من ليبيا وهو تهريب ذو مـردود عال لا يمكن للـسكّان العيش مـن دونه.

ويؤكد خبراء التنمية الاجتماعية أن مستوى عيش أهالي المدن الجنوبية والشمالية، سواء المناطق المتاخمة للحدود الجزائرية أو للحدود الليبية، ارتبط بـ”التجارة مع لـيبيا والجزائر سواء عبر القنوات الرسمية التي تتحكم فيها الدولة وتراقبها أو عبر التهريب الذي يعد الطريقة الوحيدة المتوفرة للأهالي سواء لضمان موارد الرزق أو لتوفير مـواد استهلاكية مثل المعجنات والحليب والسكر والزيت وهي مواد ذات أسعار منخفضة جدا بالمقارنة مع ما هو مـوجود في تونس”.

ومما يضفي على الاحتجاجات أبعادا سياسية هو أن الرأي العام لأهالي الجنوب يشعر بأن “الدولة همّشت كثيرا الجنوب، بشقيه الشرقي والغربي، لا اجتماعيا فقط وإنما سياسيا إذ لم تحظ تلك الجهات لا بمشاريع تنموية قادرة على تحسين مستوى المعيشة ولا بإشراكها مشاركة فاعلة في مراكز القرار على خلاف ما هو معمول به في العاصمة أو في المحافظات الكبرى مثل صفاقس وسوسة وقابس والمهدية”.

وتظهر البيانات الرسمية وبيانات منظمات المجتمع المدني أن مؤشرات التنمية في الجنوب هي الأشد انخفاضا في البلاد، فنسبة الفقر تتجاوز 60 بالمئة وتتجاوز 70 بالمئة في القرى وفي الأرياف الصحراوية.

مقارنة مع فترة ما قبل الثورة كانت نسبة الفقر في الجنوب تتراوح في حدود 30 بالمئة ونسبة الفقراء، من مجموع فقراء البلاد، تناهز 33 بالمئة، لكن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، التي تعصف بالبلاد مند أربع سنوات، وسعت رقعة الفقر بنسبة 30 بالمئة ليظهر فقراء جدد قادمون من فئات مختلفة مثل الأجراء وصغار الموظفين وصغار الفلاحين والتجار الأمر الذي حدا بالمحللين السياسيين إلى وصف الاحتجاجات بأنها “انتفاضة الفقراء الجدد بالجنوب”.

وسط أجواء الشعور بالتفرقة بين أبناء المحافظات المنسية تترعرع مسوغات التمرد الجماعي

وفي ظل غياب برامج تنموية ومشاريع استثمارية توفر مواطن الشغل تسجل البطالة في الجنوب نسبا مرتفعة حيث تصل إلى 83 بالمئة وأغلب العاطلين من حملة الشهادات الجامعية العليا.

وأمام انسداد آفاق التشغيل في تونس يدفع البحث عما يسد الرمق بالعديد من العاطلين إلى امتهان تجارة التهريب مع ليبيا باعتباره الحل الوحيد للاسترزاق وتحسين مستوى العيش، في جهة لا يعيش فقراؤها إلا على دخل شهري للأسرة الواحدة لا يتجاوز 250 دينارا أي حوالي 180 دولارا.

ويعد نقص خدمات الصحة الأساسية إحدى أهم معضلات تدنّي مؤشرات التنمية حيث لا يتوفر سوى طبيب واحد لكل 3.002 1.594 ساكن فيما لا يتوفر سوى مركز صحة أساسية واحد 5.543 4.309 ساكن.

وأظهرت دراسات ميدانية أجرتها مؤسسات إقليمية ودولية أن عيش أهالي الجنوب مرتبط شديد الارتباط بالحركة التجارية مع الجارة ليبيا مشددة على أن ذلك النشاط الاقتصادي يساعد كثيرا في تنفيس الاحتقان الاجتماعي والتخفيف من الضغوطات الاقتصادية. ففي يناير 2013 قال البنك الدولي في تقرير له “إن التهريب والتجارة الموازية يمثلان أكثر من 50 بالمئة من المبادلات التجارية مع ليبيا” ملاحظا أن “هذا النوع من النشاط يضطلع بدور اقتصادي واجتماعي في المناطق الحدودية حيث تعد التجارة غير الرسمية من الأنشطة الاقتصادية المهمة”.

تساور، السلطات التونسية، مخاوف من أن تتوسع دائرة الاحتجاجات التي تشهدها مدن الجنوب الشرقي لتشمل عددا من الجهات “المحرومة” الأخرى مثل قفصة والقصرين وسيدي بوزيد وسليانة خاصة وأنها تتقاسم فيما بينها نفس الاحتقان في ظل غياب أي برامج اقتصادية واجتماعية تخفف من التوتر وتفتح آفاق جديدة أمام فئات هشة تشعر بلامبالاة السلطات.

7