الجنوب الجزائري وبيروقراطية التخلف

الخميس 2015/01/29

منذ ثلاثة أيام عقد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة اجتماع أزمة شبه طارئ حضره الوزير الأول عبد المالك سلال، ونائب وزير الدفاع أحمد قايد صالح، ورئيس هيئة أركان الجيش وشخصيات سياسية كبيرة أخرى، من أجل إيجاد مخرج للوضع المتفاقم في الجنوب الجزائري، وكالعادة أسفر هذا الاجتماع عن مجموعة من الوعود والترقيعات الشكلية المتمثلة في التلويح بالمضي قدما في خلق ولايات إدارية جديدة في هذه المنطقة الشاسعة التي تعادل من حيث المساحة مساحة ثلاث أرباع أوروبا الغربية، علما أن هذا النوع من العلاج لا معنى له لأنه جُرّب كثيرا دون أي نجاح يذكر.

من المفارقات العجيبة أن منطقة الجنوب الجزائري يفترض أنها تمثل من حيث الثروة النفطية والغازية قطبا اقتصاديا أساسيا في البلاد، ورغم ذلك فإنها لا تزال مفقرَة ويخيم عليها شبح تخلف يذكر بالعصر الحجري. إن تراكم سياسات الإهمال المنهجي قد أدى أخيرا إلى انفجار الانتفاضات والتمردات المتتالية دون توقف على مدى شهور طويلة، وسقط جراءها عدد كبير من الضحايا الأبرياء دون أن تجد المشكلات الأساسية التي يعاني منها سكانها حلولا ملموسة إلى يومنا هذا، حتى عندما كانت أسعار البترول مرتفعة والاحتياطي الوطني بالعملة الصعبة يتجاوز حدود 200 مليار دولار.

فالنظام السياسي الجزائري يدرك، تماما، أن سكان منطقة الجنوب يعيشون في ظروف اجتماعية واقتصادية متأزمة وقاسية منذ استقلال البلاد في عام 1962 إلى يومنا هذا، وأن ما يسمي بخارطة طريق سياسات التوازن الجهوي المعتمدة صوريا لم تكن سوى مجرد شعارات فضفاضة ولم تؤد إلى إنجاز التنمية الحقيقية على صعيد البنيات المادية، والتنظيم الاجتماعي العقلاني، والتطور الثقافي والتربوي التعليمي.

وهنا يطرح سيل من الأسئلة: هل اللجوء إلى تقسيم إداري جديد في منطقة الجنوب سيحل المعضلة حقا، أم أن هذا المشروع ليس سوى محاولة يائسة أخرى ينفذها النظام الجزائري من أجل احتواء غضب السكان مؤقتا ثم سرعان ما تعود حليمة إلى عادتها القديمة؟

أليس خلق ولايات جديدة ترسيخا لتقاليد البيروقراطية الخانقة التي تشكل جوهر ثقافة النظام الجزائري بغض النظر عن تغير الوجوه السياسية والإدارية؟

وهل يقبل عاقل الفرضية الواهية التي يروج لها النظام الحاكم القائلة أن تمردات سكان الجنوب سببها الشروع في إجراء التجارب الأولية لحصر مواقع ثروة الغاز الصخري؟ وهل من المعقول أن يقف جزء من الشعب الجزائري ضد هذا النوع من العملية؟

إنه من السذاجة تصديق مثل هذه التفسيرات والتعليلات لأن القضية الجوهرية تتلخص، حقيقة، في فشل الحكومات المتعاقبة وأحزاب الموالاة وكذلك الأحزاب التي توصف بأنها معارضة في اعتبار سكان الجنوب مواطنين جزائريين كاملي الحقوق، وأن منطقتهم التي تعادل ثرواتها ثروة ولاية كاليفورنيا الأميركية ليست مجرد بقرة حلوب يحلبها المسؤولون لحسابهم الخاص وإنما هي جزء عضوي من السيادة الوطنية.

إن مشاكل منطقة الجنوب الجزائري معروفة وواضحة، ولا تحتاج إلى تأويلات خرافية أو أسطورية تعمي الواقع وهي أساسا مشاكل اقتصادية مركبة ومزمنة وإثنية ذات مضمون ثقافي روحي وعرفي بالدرجة الأولى. منذ الاستقلال إلى يومنا هذا لم يؤسس النظام الجزائري البنيات المادية في منطقة الجنوب الغنية أصلا، وبحكم هبة الطبيعة بالفسفاط والنفط والغاز وملايين أشجار النخيل، فضلا عن الآثار التاريخية والمعالم الطبيعية الساحرة التي صنفتها اليونسكو جميعا ضمن التراث العالمي، والطاقة الشمسية والثروة المائية الهائلة القادرة أن تكون قاعدة صلبة للتنمية.

فالثروة المائية في الجنوب الجزائري انطلاقا من ولاية وادي سوف، ووصولا إلى العمق الصحراوي الجنوبي قد قدرتها وكالة النازا الأميركية بأنها أشبه بالبحر، وهي قادرة، لو استغلت استغلالا جيدا، أن تلبي حاجيات الزراعة والفلاحة، ومتطلبات السكان على مستوى الجنوب ومنطقة الهضاب العليا معا. إن هذه الثروة لا تزال، إلى يومنا هذا، تسبح في الأعماق تحت جبال كثبان الرمال ولم تستثمر لكي تحول الفضاء الصحراوي إلى قطب تنموي ومصدر للرفاه الاقتصادي، ومسرح سياحي عالمي يدر الأموال للدولة، ويوفر مناصب الشغل للجنوبيين، ويغني العلاقات الثقافية بين السياح الأجانب وبين المواطنين الجزائريين.

إلى جانب هذا فإن طريق الوحدة الأفريقية الذي نفذ في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين ليكون دعامة للتبادل التجاري والثقافي والتعارف الإنساني بين الجزائر والعمق الأفريقي، بقي إلى يومنا هذا مهملا وصارت الدول الأفريقية المجاورة أبعد من المريخ، وتتميز العلاقات معها بالانقطاع المزمن.

على مدى أكثر من نصف قرن من الاستقلال لم يبن النظام الحاكم ولو مدينة محترمة سواء في المناطق الحدودية مع مالي والنيجر والجنوب الموريتاني والتونسي والمغربي، بل إن القرى والمدن التقليدية القديمة الغارقة في التخلف، لم تنل أي اهتمام ولم تدخل عليها التحسينات التي تخرجها من عصر الكهوف.

على أساس ما تقدم من ملاحظات نفهم أن النظام الجزائري وأحزابه، التي تزين واجهته وتبرر استمراره في السلطة، قد فكوا جميعا الارتباط بمنطقة الجنوب، وهكذا فإن التلويح بإنشاء ولايات (محافظات) جديدة ووزارتين واحدة للهضاب العليا والثانية للجنوب في هذه المنطقة يدخل ضمن سياسات المراوغة القديمة – الجديدة، وفي إطار معالجة الداء بمرض إنشاء دواليب البيروقراطية المترهلة. إنه من غير المعقول أن يلجأ النظام الجزائري إلى مثل هذه الحلول الساذجة و”يسلقها” سلقا قبل وضع تصور وبرنامج كاملين على أسس علمية وواقعية لما ينبغي فعله على مختلف الأصعدة المادية والثقافية والسياحية، والتشغيل لصالح الجنوب الجزائري ومنطقة الهضاب العليا.

لا أحد ينطلي عليه الترويج للقول بأن سيناريو التقسيم الإداري الجديد مؤسس على خطة مدروسة غايتها إنجاز التنمية الحديثة، وإنما هو مجرد تكتيك نفسي لتفريغ شحنات الغضب واحتقان الانتفاضات ومطالب الجنوبيين من محتواها الحقيقي.


كاتب جزائري

8