الجنود الأتراك يدفعون ثمن مآرب أردوغان الاستعمارية

السياسة الخارجية التي يتبعها أردوغان تبدو يوما بعد يوم مغامرة عالية التكلفة دون ظهور أي تحسن لأمن تركيا القومي ودون أي فوائد تعود على مواطنيها.
الجمعة 2020/02/07
أردوغان وضع نفسه في مأزق شديد

يسلط مقتل عدد من أفراد من الجيش التركي في سوريا الضوء على ثمن تدخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الحرب الأهلية التي تدور رحاها في البلد المجاور.

بغض النظر عن مدى صحة ادعائه بأن تركيا ردت على القوات السورية وكبدتها خمسة أضعاف هذه الخسائر، فإن مقتل جنود أتراك على أرض أجنبية سيزيد من الأسئلة حول ماهية المصالح الوطنية المعرضة للخطر في إدلب، آخر المحافظات التي تخضع لسيطرة مقاتلي المعارضة المسلحة في سوريا.

الأهم من ذلك بالنسبة إلى تركيا أنه يتحتم على أردوغان الآن أن يناشد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحجيم الرئيس السوري بشار الأسد. فالبديل عن ذلك، وهو إرسال المزيد من القوات التركية إلى إدلب، لن يزيد إلا من احتمالية عودة المزيد من الجنود في نعوش ملفوفة بالعلم إلى تركيا ومن ثم يعتصر الحزن قلوب أسرهم المكلومة.

في الديمقراطيات الناجعة، التي تظل تركيا واحدة منها ولكنها مشوبة بعيوب شديدة، يتعين على القادة السياسيين أن يحافظوا على تأييد مواطنيهم في الانتخابات. فلقد رأينا كيف أن الناخبين يمكن أن يكونوا مقتنعين بالاستمرار في دعمهم للقادة بصفة عامة حتى وإن لم تعجبهم بعض السياسات. ولكن لكل قاعدة حالات شاذة، وموت الأحباء في أراض أجنبية هو الاستثناء من هذه القاعدة، فالآباء سيرفضون أي زعيم لا يوضح لهم ضرورة التضحية بأبنائهم.

إذا تعرض الجنود الأتراك للمزيد من الهجمات وقُتل منهم كثيرون آخرون، فلربما يبدأ المواطنون الأتراك في التساؤل عن الثمن الذي يضطرون إلى دفعه من دمائهم في سبيل مآرب أردوغان الاستعمارية

يجب على الزعماء المنتخبين أن يقنعوا ناخبيهم بأن العمليات التي تُجرى في الخارج تستحق التضحيات التي يبذلها العسكريون، ولاسيما إذا كان هؤلاء العسكريون يضحون بأرواحهم في سبيل خدمة الوطن.

صحيح أن مواجهة التمرد المسلح الذي يشنه حزب العمال الكردستاني داخل تركيا تحظى بدعم واسع، إلا أن معظم الأتراك على اقتناع بأن التضحية بالدماء والأموال في هذا الصدد أمر ضروري للحفاظ على الأمن القومي للبلاد.

أما وقف تدفق اللاجئين السوريين أو حماية العرب السوريين من انتقام الأسد فلا يحظيان بنفس القدر من الدعم، وأي دعم لهما سيتبدد إذا لقي الجنود الأتراك -وليسوا المقاتلين العرب الموالين لتركيا- حتفهم بأعداد كبيرة دون أن يظهر أي تحسن ملموس على الأمن القومي التركي.

ما من شك أن أردوغان يعلم ذلك، ولكنه وضع نفسه في مأزق شديد. فالأسد يرغب في تأكيد سيطرته وسيادته على جميع أنحاء سوريا، والروس مستمرون في دعمه لتحقيق هذا الهدف في نهاية المطاف. وتلك الجهود ستستمر على الأرجح بصرف النظر عن وجود الجنود الأتراك المتمركزين في إدلب الخاضعة لسيطرة مقاتلي المعارضة المسلحة.

إن الدعم الروسي لجهود الأسد الرامية لتخليص إدلب من مقاتلي المعارضة لن يضعف في واقع الأمر، وهو ما يمنح الأسد حرية مطلقة في مهاجمة أي قوات مناوئة له. فالرئيس الروسي لن يتخلى عن الأسد الآن بعدما استثمر الكثير هناك. ولكن علينا ألا نغفل أنه لم يدفع ثمنا باهظا من الدماء الروسية. كما أن مزاج الناخبين يشغل حيزا أقل بكثير من تفكير واهتمام بوتين عن أردوغان.

ومن ثم، يجب على أردوغان أن يحث بوتين على منع الأسد من مهاجمة المواقع التي تنتشر فيها القوات التركية. وقرار بوتين في هذا الشأن لا يعتمد إلا على ما يراه الرئيس الروسي يصب في مصلحته الفضلى فحسب. فليس لأردوغان أي تأثير يذكر على بوتين. واقتصاد تركيا يعتمد بشكل متزايد على الهيدروكربونات الروسية. كذلك قطاعها السياحي يعتمد كثيرا على السياح الروس، الأمر الذي أثبته بوتين في السابق.

من المنتظر أن يحجم الاتحاد الأوروبي عن الإشارة إلى أن أردوغان وضع نفسه في هذا الموقف، غير أن ذلك لا يعني أنه سيقدم المساعدة. فقليل من زعماء الاتحاد الأوروبي سيهتمون بالتواصل دبلوماسيا مع بوتين نيابة عن رجل هدد أوروبا بإطلاق تدفق هائل من اللاجئين السوريين عليها، ووصف الأوروبيين بأنهم عنصريون وكارهون للإسلام، وأخذ يتقرب من روسيا، وهدد قبرص البلد العضو في الاتحاد الأوروبي بشأن التنقيب عن الهيدروكربونات، وأبدى ازدراءه لمعظم قادة الاتحاد الأوروبي.

بيد أن بوتين قد يقدم يد العون لصديقه العزيز أردوغان، ولكن مقابل أي ثمن؟ من الصعب تقدير حجم ما قد تتمخض عنه تلك المساعدة من زيادة في الاعتماد على روسيا وتكلفة ذلك، ولكن بوتين قد يكون على استعداد لكبح قوات الأسد -بشكل مؤقت- مقابل تعزيز النفوذ الروسي في تركيا.

مقتل عناصر من الجيش التركي في سوريا ثمن تدخل أردوغان في حرب أهلية تدور رحاها في بلد مجاور
مقتل عناصر من الجيش التركي في سوريا ثمن تدخل أردوغان في حرب أهلية تدور رحاها في بلد مجاور

ولربما يتجسد ذلك في قبول تركيا للعمليات الروسية الرسمية للاستيلاء على أراض في جورجيا أو أوكرانيا، مثلما حدث في الضم غير القانوني لشبه جزيرة القرم، أو ربما انسحاب القوات التركية من ليبيا. النقطة الأهم هي أن بوتين هو الذي سيحدد طبيعة وتوقيت أي رد إيجابي على طلبات أردوغان بشأن منع الأسد من شن هجمات قد تؤثر على القوات التركية.

وبالطبع قد يرى بوتين والأسد أن الرسالة قد وصلت، ويزعمان أن مقتل الجنود الأتراك لم يكن مقصودا بالمرة ولا مرغوبا فيه، ولكن من ذا الذي سيصدقهما؟ إنه أردوغان الذي سيصدقهما، على الأقل في الظاهر، ثمنا لاحتفاظه بعلاقات جيدة مع بوتين. وبعد ذلك، ربما يعلن أنه بناء على تأكيدات من بوتين، يمكن للقوات التركية الآن أن تغادر إدلب وتعاود الانتشار في شمال شرق سوريا لمواجهة من يصفهم بالإرهابيين الأكراد. على الرغم من ذلك، وسواء كان رد الفعل متوقعا أم غير متوقع، فإن بوتين هو الذي سيحدد طريقة التجاوب مع الأمر وليس أردوغان.

إن السياسة الخارجية التي يتبعها أردوغان، والتي تتمثل في “الصراع في الداخل، والصراع في العالم”، وانتشار قواته في الخارج على عدة جبهات في مهب الخطر تبدو يوما بعد يوم بمثابة خوض مغامرة عالية التكلفة دون ظهور أي تحسن على أمن تركيا القومي ودون أي فوائد تعود على مواطنيها.

من المرجح أن ينجو أردوغان سياسيا من هذا الهجوم الذي لم ينج منه العسكريون الأتراك مع الأسف. ولكن إذا تعرض الجنود الأتراك للمزيد من الهجمات وقُتل منهم كثيرون آخرون، فلربما يبدأ المواطنون الأتراك في التساؤل عن الثمن الذي يضطرون إلى دفعه من دمائهم في سبيل مآرب أردوغان الاستعمارية.

7