الجنون حقيقة طبيعية أم ظاهرة ثقافية

الأحد 2013/09/01
ميشيل فوكو يعتبر أن الجنون ظاهرة ثقافية

من جنون العبقرية إلى شياطين الشعر ظل الجنون ظاهرة يمتزج فيها الخيال بالواقع. واتخذت صورة المجنون في الرواية والأدب أشكالا مختلفة عكست في مضمونها طبيعة الرؤية التي كانت تقدمها الثقافة له، لذلك ارتبط الجنون بطبيعة النظرة التي كان يمتلكها الناس عنه عبر العصور.

المؤرخ والباحث البريطاني روي بورتر في كتابه "موجز تاريخ الجنون" ترجمة ناصر مصطفى، الصادر مؤخرا عن منشورات "مشروع كلمة للترجمة" في أبو ظبي، يحاول أن يتتبع مفهوم الجنون منذ عصر ما قبل الكتابة إلى وقتنا الراهن والكيفيات التي عالجت بها الثقافة الغربية هذه الظاهرة، إلى جانب دراسة معانيه وتجلياته ومحاولات مأسسته في العصر الحديث.

يتوزع الكتاب على سبعة محاور تختص بالبحث أولا في العلاقة المفترضة بين الآلهة والشياطين وينهيها بمحور يبحث في هيمنة التحليل النفسي على عصرنا الراهن في مقاربة مفهوم الجنون.


مقدمات أولية


يكشف بورتر من خلال الآراء التي قدمها المفكرون الغربيون عن موقفهم من الجنون ويركز بصورة خاصة على آراء ميشيل فوكو في كتابه "الجنون والحضارة" التي أكد فيها على أن الجنون ليس حقيقة طبيعية لأنه ظاهرة ثقافية كرسته جملة من الممارسات الطبية والإدارية والطبيعة العقلية الأمر الذي يجعل كتابة تاريخ الجنون مجموعة من الأسئلة حول الحرية والتحكم والمعرفة والسلطة.

أما بعض الأطباء العقلانيين البريطانيين فقد رأوا أنه ليس هناك طريقة موضوعية في وصف النتائج السريرية لدراسة الجنون من دون اللجوء إلى التفسير الذاتي ما يجعل الطب يقع على تشعب عريض في التشخيصات.

أهمية ما قدمه فوكو وهؤلاء الأطباء تمثلت في ما أحدثته من ثورة بالنسبة للطب العقلي، إلا أنها قوبلت بردود أفعال قوية أكد من خلالها العديد من الأطباء أن الجنون ليس أداة لإلقاء اللوم على الآخرين وإنما هو هوية سيكولوجية مرضية حقيقية ذات أساس عضوي.

يعرض المؤرخ لتاريخ الجنون الذي نظر إليه في عصر ما قبل الكتابة بوصفه إلهاما سماويا أو تلبسا شيطانيا، ولم يختلف الحال في الطب المصري القديم وطب بلاد ما بين النهرين وفي الأسطورة والفن الإغريقيين. وعندما جاءت المسيحية عملت على صياغتها وتبنيها ما أدى إلى استمرارها حتى القرن الثامن عشر حيث بدأ الطب بالعمل على التقليل من شأنها.


عقلنة الجنون


وعلى خلاف ما كان يحدث في العصور القديمة من تفسير لظاهرة الجنون بفعل قوى فوق طبيعية كان يتم تقديم القرابين لها، واستخدام العرافة وسيلة للاستشفاء منه، يبين روي أن الفلاسفة اليونانيين لجأوا إلى البحث عقليا ومنهجيا في الطبيعة والوعي والمجتمع فكانوا أن عملوا على أنسنة الجنون وقدموا تخطيطات توضح اضطراب العقل. ومع ظهور الطب اليوناني- الروماني بدأ تقديم مزيج من العلاجات وإن كان بعضها يناقض الآخر.

ويضيف الباحث أن عصر النهضة احتفظ بالتفكير المستمد من التراث اليوناني فيقدم عرضا لما قدمه بعض أطباء تلك المرحلة من أفكار وتحليل لظاهرة الجنون والسوداوية.

العلوم الطبية بدأت محاولات امتحان التفكير العقلي والطبيعي حول الجنون والحمق اللذين أصبحا في تلك الفترة مادة غنية للأدب والفنون.

ويركز على الدور الذي لعبه ديكارت عندما قام بإعادة النظر في الطب والفلسفة بصورة جذرية، لكنه لم يستطع أن يفسر تفسيرا مقنعا حول كيفية تفاعل الجسد مع العقل.

بالمقابل رفض الماديون أي حقيقة خارج المادة لكنهم رغم إعلائهم لمكانة العقل ظلت قضية العقل واضطراباته لغزين خرافيين. في فصل آخر يتناول روي موضوع الحمقى والحمق مبينا كيف ربطت الثقافة الشعبية بين الجنون والمظهر وكيف عزز هذه الصورة الفنانون والكتاب في أعمالهم بصورة أدت إلى عملية تنميط شائعة لصورة المجنون كما برزت الشخصية الأكثر واقعية التي تمثلت في شخصية الأحمق.

وعلى مستوى آخر يبحث في العلاقة بين الجنون والعبقرية لاسيما في العصر الكلاسيكي الذي أعلى من مكانة العبقرية التي اعتبرها ماثلة في التوازن والتفكير السليم إلا أن الشعراء الرومانسيين مجدوا فكرة الفنان المجنون واعتبر الكتاب الطليعيون لاسيما في باريس أن الفن الحقيقي ينبع مما هو مرضي لا من الذائقة السليمة التي تستحسنها البرجوازية.أما فرويد فكرّس وصمة الجنون التي سادت في أواخر القرن التاسع عشر حين اعتبر الفن طفل العصاب.

وقد استدعت حالات الانهيار العصبي عند عدد ليس بالقليل من الأدباء والأديبات إثارة الجدل حول العلاقة بين الجنون والعبقرية فأعلنت فرجينا وولف أن "الجنون تجربة رائعة وما زلت أجد في حممها معظم الأشياء التي أكتب عنها".


العقلي والنفسي


يؤكد الباحث على الصورة النمطية التي اتخذتها الشخصية العصابية النرجسيـــة في العصر الحديــث وعكستهـــا الكتابات التي تناولت هذه الظاهرة التي اعتبرت منذ القرن الثامن عشر ذات منشأ عصبي على خلاف ما كان ينظر إليهـــا بوصفها مرضا وراثيا.

وفي نهاية الكتاب يتناول روي الدور الذي لعبه رائد التحليل النفســـي سيغموند فرويد على صعيد جعل القــرن العشرين قرن التحليل النفسي بعد أن ربط العصاب بالصدمات الجنسيــة الأولى، ثم تحـــول عنها إلى فكرة الجنسية الطفولية كما تتجسد في عقدة أوديب. ويوضح الباحث أهمية هذه النظرية في التحليل النفسي وما كرسته من مفاهيم اللاوعي والجنسية الأوديبية.

كما يكشف عن الأثر الذي أحدثه التحليل النفسي في كل من بريطانيا وفرنسا والإضافات التي تحققت على أيدي الأطباء النفسانيين هناك، إضافة إلى استعراض الانتقادات القوية والمواقف التي عارضت هذه النظرية وشككت في معطياتها وقدرتها على علاج تلك الأمراض خاصة أنها اعتمدت على مصادر أدبية في دراسة شخصياتها ثم حاولت أن تجعلها منطلقا لعلاج المرضى النفسيين.

14