الجنون ظاهرة أدبية لها أكثر من وجه

الكتاب يدرس ظاهرة الجنون من خلال مقاربات أدبية ولسانية نفسية وسوسيولوجية وفلسفية، وحتى دينية وقانونية.
السبت 2021/01/23
المجانين أثروا الأدب (لوحة للفنان بسيم الريس)

مراكش (المغرب) – يبدو تاريخ الكتابة الأدبية العالمية حافلا بالأسماء التي ظل يطاردها الجنون، بمختلف أنواعه، ومنهم من قضى جزءا من حياته داخل المستشفيات العقلية، ومنهم من عرف عنه اضطرابه العقلي لكنه استمر في الكتابة والعطاء.

أسماء أدبية عالمية كثيرة أصابها الجنون من بينها أُونطوان أرتو وتهيؤاته، موباسون وألمه العصبي، نيرفال وهَوسُه الحاد، مارسيل بروست ورُهابه، ورامبو وهلوساته. وفي الكثير من الأحيان، كانت لحظاتُ الجنون تُنعش القدرة على الكتابة.

ويقر الشاعر والباحث المغربي حسن الوزاني أن ملامح الجنون تطبعُ الكثيرين من الأدباء، سواء من خلال طقوسهم أو من خلال تصرفاتهم، أو أحيانا من خلال نصوصهم. وذلك بالطبع مع اختلاف الدرجات، بين من يستثمر جرعة الجنون في حدودها الدنيا ومن يقطع نهائيا الخيطَ الرابط بين العقل والجنون، وصنف ثالث يذهب أبعد من ذلك إلى حد القطع مع الحياة. تماما كما فعلت الكاتبة العراقية حياة شرارة، حيث توفيت انتحارا هي وابنتها مها باستنشاق الغاز.

ويذكر الوزاني الكاتب الراحل محمد شكري، الذي غادر مستشفى الأمراض العقلية ليستأنف مسار الكتابة دون أن يتخلص من بعض الجنون الذي شكل في الكثير من الأحيان طريقته في أن يكون كما هو.

وهناك عدة كتب ألِّفت في رصد ظاهرة الجنون والمجانين ذكرها كل من ابن النديم وحسن بن محمد النيسابوري، وأكد الأخير سماعه كتبا عاش مؤلفوها في القرن الثالث للهجري وهي مفقودة الآن؛ حيث قال “وكنت في حداثة سني سمعت كتبا في هذا الباب، مثل كتاب الجاحظ (ت 255هـ) وكتاب ابن أبي الدنيا (ت 281هـ)، وأحمد بن لقمان، وأبي علي سهل بن علي البغدادي”.

ويعني هذا الكلام أن للأديب العربي الجاحظ كتابا خاصا بالمجانين الذين ما كان لهم أن يغيبوا عن دائرة رصده واهتمامه، وهو الباحث الولوع بدراسة الظواهر المجتمعية وغرائبها، لكن أثر هذا الكتاب ليس معلوما بدقة.

وربما أكثر ما تداول عنوان كتاب “عقلاء المجانين” للنيسابوري، الذي أصبح مصطلحا جوّالا، يكتنز محاولة معرفية لجمع شتات أقوال شخصيات تاريخية مسّها طائف من الاضطراب النفسي أو العقلي، فتمّ جمعها وتوثيقها تحسبا ربما لوقت ما يمكن أن يكون فيه مجانين الأمس هم عقلاء اليوم.

Thumbnail

وفي رصد لظاهرة الجنون عند الأدباء، التي تتماشى إلى حد كبير مع مصطلح “عقلاء المجانين”، صدر حديثا عن مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال بمراكش ومركز “عطاء للبحث في اللغة وأنساق المعرفة”، مؤلف جماعي يحمل عنوان “خطاب الجنون في التراث العربي والغربي.. مقاربات لغوية وثقافية”.

ويجمع هذا الكتاب، الذي يقع في 293 صفحة من الحجم المتوسط، فضلا عن جرأته واختياره الاجتهادي، دراسات علمية تتطارح أكاديميا خطاب الجنون بمقاربات لغوية وثقافية يؤطرها منهج علمي يضمن الناقش والإضافة للإحاطة بالمسألة من العديد من النواحي.

علمية جادة تغني النظر إلى الجنون وخطاباته
علمية جادة تغني النظر إلى الجنون وخطاباته

ويتضمن الكتاب دراسات قيمة موزعة على أربعة محاور، وهي المقاربة الأدبية، والمقاربة اللسانية النفسية، والمقاربة السوسيولوجية والفلسفية، والمقاربة الدينية والقانونية.

ويتجاوز الكتاب التعاطي الضيق مع الموضوع، حيث وظف في نطاق واسع العديد من وسائل النظر التي تكاملت كشفا للقضايا المختلفة لخطاب الجنون.

ولم تنوّع هذه الدراسات فقط على مستوى مقارباتها، بل مزجت بين العرض النظري والتحليل التطبيقي للنصوص والبحث الميداني القائم على الاستجواب والمقابلة.

كما أن هذه الدراسات اتسمت بطرافتها وجدتها، حيث عملت على إبراز جملة من الجوانب التي كانت مغفلة أو غير مطروقة في الموضوع مثل العاشقات/ المجنونات، العلاقة بين الجنون والصمت، المدخل السيميائي في تحليل خطاب الجنون، الجنون وتلقي الأدب، البحث المعجمي المقارن في دلالات الجنون، وغيرها.

وفي تقديمه لهذا الكتاب، أوضح أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب بجامعة القاضي عياض بمراكش، عبداللطيف عادل، أن “هذا الكتاب، وهو يقارب موضوعه، استثمر ما تراكم معرفيا حول خطاب الجنون في التراث العربي الإسلامي وفي الإسهامات الغربية”.

وأضاف أنه “باستحضاره للمنجز في هذين السياقين، يكون الكتاب قد قدم تأطيرا علميا متكاملا لقضاياه، وتمثلا وافيا لما رصده هذان الرافدان الثقافيان”.

وأشار عادل إلى أن الكتاب يزاوج في استدعاءاته المعرفية بين الجانبين العربي والغربي، فكما يستحضر قيس بن الملوح وجميل بثينة يستحضر الفيلسوف الهولندي إيراسموس، وكما يستحضر العاشقتين العربيتين ليلى وورد، ويتطرق إلى العاشقتين الغربيتين ديدمونة وأوفيليا، ويذكر أيضا جبران خليل حبران وميشيل فوكو، وكما يبرز سمات الجنون التي أوردها الخطاب القرآني، ويتابع خطاب الجنون في القانون المقارن. وخلص إلى أن “الكتاب يشكل، بجهد الباحثين فيه، إضافة علمية جادة تغني النظر إلى الجنون وخطاباته المبدعة في الفن والفكر والأدب”.

Thumbnail
13