الجنيه يعاضد الشبكات الاجتماعية في الدعوة إلى العصيان

مثَلَ التحرير الجزئي لسعر صرف العملة المحلية في السودان (الجنيه) مقابل العملات الأخرى واحدا من أقسى الإجراءات التقشفية، التي طبقتها الحكومة الشهر الماضي، لكن المفارقة أن النشطاء جعلوا من الأوراق النقدية أداة من أدوات مقاومتهم لتلك القرارات.
الثلاثاء 2016/12/20
لأجل الحرية

الخرطوم- منذ أيام، يتداول سودانيون أوراقا نقدية تحمل عبارة تحث على المشاركة في عصيان مدني دعا إليه نشطاء وأحزاب سياسية، الاثنين (الذكرى السنوية لإعلان استقلال السودان عام 1955)، ولمدة يومين؛ احتجاجا على ارتفاع أسعار الكثير من السلع. وكان منظمو العصيان لجأوا إلى هذه الوسيلة على أمل أن تصل دعوتهم إلى من لا يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتم الترويج بشكل أساسي للعصيان.

وكوسيلة جديدة لم يلجأوا إليها في دعوتهم إلى العصيان الأول، الشهر الماضي، دعا نشطاء أنصارهم إلى كتابة عبارة “عصيان مدني – 19 ديسمبر” على الأوراق النقدية، لدعوة السودانيين إلى البقاء في منازلهم وعدم الذهاب إلى أعمالهم. ومع تداول أوراق نقدية تحمل عبارة العصيان، نشر مدونون موالون للحكومة، على مواقع التواصل الاجتماعي، صورا لعملات نقدية مرفقة بدعوات إلى الحفاظ على العملات، بوصفها “رمزنا وعنوان حضارتنا”.

منصات التواصل الاجتماعي ضجت بمنشور نسب إلى البنك المركزي (مسؤول عن السياسات النقدية) يحذر فيه من أن الأوراق النقدية التي تحمل عبارة العصيان “لن تكون مبرئة للذمة” (تعرّض حاملها للمساءلة). ولاحقا نفى البنك المركزي أن يكون هذا المنشور صادرا عنه، غير أن عبدالجليل عجبين، عضو لجنة التشريع والعدل في البرلمان السوداني، قال إن “الكتابة على العملة، واستخدامها كوسيلة ترويجية، مرفوض في كل الأعراف القانونية والدستورية”. وهدد بأن “البنك المركزي يمكنه اتخاذ إجراءات قانونية ضد من يروجون للعصيان على العملات”.

الرئيس السوداني تحدى الداعين للعصيان بوصفهم بـ"مناضلي الكيبورد والواتساب"

مثل هذه التحذيرات من المساءلة القانونية سخر منها نشطاء على الصفحة الرسمية لمنظمي العصيان، حيث كتب أحدهم على فيسبوك، أن حملتهم تهدف أصلا إلى “إنقاذ الجنيه”. وبغض النظر عن احتمال مقاضاة البنك المركزي لمن طبعوا عبارة العصيان من عدمه، فإن العملة السودانية باتت أداة محورية في الدعوة إلى العصيان، ضمن أدوات أخرى تشمل الكتابة على الجدران والإسفلت.

وبحسب منظمي العصيان، فإن الإضراب العام، الذي بدأ الاثنين، سيحقق نجاحا أكبر من عصيان 27 نوفمبر الماضي الجزئي، الذي استمر ثلاثة أيام. وكان الرئيس السوداني عمر البشير (72 عاما)، قد استبق العصيان المدني وتحدى الداعين له بإسقاط حكومته بعد أن وصفهم خلال خطاب جماهيري “بمناضلي الكيبورد والواتساب”. وقال البشير، إن هذا العصيان “فشل بنسبة مليون في المئة”، وقال معارضون إن التجربة لقيت استجابة كبيرة بين السودانيين؛ مما دفع إلى الدعوة إلى عصيان كامل اليوم.

الداعون إلى العصيان المدني يرجعون اختيارهم هذه الوسيلة الاحتجاجية بدلا من التظاهر إلى رغبتهم في تجنب العنف، الذي صاحب احتجاجات حاشدة في سبتمبر 2013، عندما طبقت الحكومة خطة تقشف مماثلة. في تلك الاحتجاجات، التي كانت الأقوى منذ وصول البشير إلى السلطة عام 1989، سقط 86 قتيلا وفق إحصائيات الحكومة، وأكثر من 200 قتيل، طبقا لأرقام المعارضة.

وبحسب مراقبين، تبدو الدعوة إلى عصيان اليوم أكثر تنظيما من الأولى، التي افتقرت، على حد تقديرهم، إلى التنظيم الدقيق بسبب أن من أطلقوها لم يكن بينهم رابط تنظيمي، كما لم تدعمها أحزاب المعارضة بشكل فعال. لكن هذه المرة، تباشر أحزاب المعارضة وحركات مسلحة حملات تعبئة، بالتنسيق مع شباب العصيان، الذين لم تعلن قيادتهم عن نفسها، وتكتفي بإصدار بيانات على صفحة العصيان على فيسبوك.

على نهج البشير، يقلل المسؤولون الحكوميون من العصيان، ويقولون إن الشعب تفهم القرارات الاقتصادية الأخيرة، التي شملت رفع الدعم عن الوقود؛ ما زاد أسعاره 30 بالمئة، فضلا عن رفع الدعم جزئيا عن الكهرباء، والتوقف عن توفير الدولار لشركات استيراد الأدوية؛ ما دفعها إلى التعامل مع السوق السوداء، وأدى إلى زيادة أسعار الأدوية.

واتخذت المواجهة بين الحكومة السودانية والداعين إلى العصيان بعدا دوليا، إذ أعرب المتحدث باسم الخارجية الأميركية، مارك تونر، في بيان له الجمعة الماضي، عن قلق واشنطن من تهديدات الحكومة السودانية للمعارضين، وقمع وسائل الإعلام. وهو ما أغضب الخارجية السودانية، فرد المتحدث باسمها، قريب الله خضر، بقوله، بحسب وسائل إعلام محلية السبت، إن “البيان الأميركي يفتقر إلى الدقة والموضوعية، وبعيد تماما عن الأجواء الإيجابية، التي تشهدها الساحة السودانية”.

19