الجهات التونسية تتقاسم النكبة

السبت 2016/10/08

دأب التونسيون على معاينة النكبات الطبيعية التي تصيب جهات الشمال الغربي المفقّرة مثل جندوبة والكاف وسليانة سواء بسبب الفيضانات أو تساقط الثلوج بغزارة في فصل الشتاء. وهو ما يعزل هذه الجهات ويخلّف خسائر فادحة في المزروعات والممتلكات وحتى في الأرواح.

وقد ألف التونسيون أيضا اكتفاء التلفزيونات بالتسابق في عرض فيديوهات المآسي المنجرّة عن هذه الكوارث، واكتفاء الدولة بقدوم أحد ممثليها على عين المكان على متن طائرة هليكوبتر لمعاينة الأضرار. أما المجتمع المدني التونسي فإنه يثبت في مثل هذه المناسبات أن في تونس ما يستحق الحياة من خلال تدفق المساعدات والتبرعات لمساعدة المنكوبين من أبناء الوطن وهم يتعرضون لغضب الطبيعة.

تتكرّر المآسي كل سنة وفي كلّ مأساة يصدّق المواطنون وعود الدولة بإعداد الخطط اللازمة للتوقي من الكوارث القادمة. وفعلا تشرع الدولة في إعداد المخططات الزرقاء والبيضاء، ولكن الكوارث لا تتردد في القدوم كل سنة والخسائر لا تقل، والمسافة تزداد تباعدا بين الدولة والمواطن الذي يثق في التزام الكارثة بالعودة أكثر من ثقته في التزام الدولة بالنجاعة والحماية.

طبعا الدولة لا تستدعي الكوارث، ولكنها مسؤولة عن مواجهتها وحماية مواطنيها منها. وإذا حدثت كارثة طبيعية وجب الانكباب عليها لدراسة أسبابها ومظاهرها ونسب تطورها ودرجة خطورتها ووضع الاستراتيجيات اللازمة للوقاية منها. أما أن تتكرر الكارثة كل سنة وتفيض نفس السدود ونفس الأودية وفي الأماكن نفسها وتخلف نفس الخسائر، ويجد المواطن التونسي نفسه بمفرده أعزل أمام مصيره والدولة تتفرج، فهذا لم يعد مقبولا.

ومن هو المواطن المتضرر؟ إنه المزارع الريفي الذي اختار الإقامة في هذه المناطق الفلاحية ليخدم الأرض ويطعم الناس. وربما تنسى الدولة أن لهذا المزارع أطفالا في المدرسة وأبا وأما يرعاهما في شيخوختيهما. ولذلك لن يطول صبره طويلا وسيترك أرضه ويغادر إلى المدن يبحث فيها عن أمان لن يجده. وهو ما يخلق خللا ديموغرافيا واجتماعيا واقتصاديا يهدد استقرار المجتمع التونسي واستقرار الدولة نفسها بسبب عجزها عن توفير ما يلزم من تنمية وخدمات وطرقات لبقاء سكان الأرياف في أريافهم.

الهجرة الداخلية ليست فقط بسبب عجز الدولة عن التوقي من الكوارث والنكبات الطبيعية، ولكن أيضا بسبب تأخرها الفظيع في تقريب الخدمات من المواطنين الريفيين لا سيما خدمات الصحة والتعليم، وإن توفرت هذه الخدمات فبجودة أقل بكثير من تلك المتوفرة في المدن الساحلية. وسبب هذا هو توارث الحكومات المتعاقبة للعطالة التنموية حتى كادت أن تصير قدرا محتما على التونسيين.

خلال السنة الأولى للثورة 2011 نزح حوالي 200 ألف تونسي من جهاتهم الداخلية واستقروا في جهات أخرى. ولم تتوقف الظاهرة بل تضاعفت في السنوات الموالية أمام بهتة الدولة. والنتيجة هي انخفاض سكان مدن الشمال الغربي والوسط الغربي والجنوب الغربي نتيجة النزوح، مقابل ارتفاع عدد سكان المدن الساحلية مثل صفاقس وبنزرت والمنستير وسوسة والعاصمة طبعا، هذا من ناحية، وتنامي مشاكل اجتماعية خطيرة كالعنصرية الجهوية والجريمة والانحراف والمخدرات والبطالة من ناحية أخرى.

الجديد هذه السنة أن الكوارث الطبيعية في تونس غيّرت من مجالها الجغرافي ومن توقيت قدومها، حيث جاءت في فصل الخريف وأصابت المناطق الساحلية لا الداخلية. فقد تعرضت تونس إلى نكبة مفاجئة إثر تهاطل الأمطار بغزارة مؤخرا على جهات الساحل. وكشفت هذه الأمطار حقيقة أنّه لا توجد جهات محرومة وأخرى محظوظة في تونس، بل كلّ الجهات معرّضة للنكبة.

فقد أصابت الأمطار الأخيرة في سوسة والمنستير والمهدية البنى التحتية من طرقات وجسور لا لغزارتها فحسب، بل للعطب الموجود في هذه البنى نتيجة الفساد في الصفقات والغش في الإنجاز، وهو أمر معلوم لدى التونسيين الذين يرون بأم أعينهم طرقات ومسالك يقع إصلاحها أكثر من مرة في السنة دون أمطار فما بالك بعد هذه الكوارث الأليمة.

النكبة الأخيرة التي أصابت محافظات المنستير وسوسة والمهدية التي تعد مدنا سياحية محظوظة قياسا بالمناطق الداخلية المهمّشة استدعت زيارة من رئيس الحكومة يوسف الشاهد. وقد رأى الشاهد البيوت الغارقة في الماء والخسائر الكبيرة في الممتلكات. ولا أدري إن كان قد عاين ارتفاع منسوب مياه البحر المحيط بهذه المدن بما يستدعي إنجاز مشاريع كبرى لحماية هذه المدن من مخاطر الأعاصير والمد البحري، لا سيما وأنها مدن منخفضة تقع في سهل ممتد ولا توجد بها مرتفعات ولا هضاب يمكن أن تكون ملاجئ آمنة عند الحاجة.

ولا بد من التذكير في هذا المقام بأن الخيارات الليبرالية للحكومات التونسية المتعاقبة تسلّم رقبتها ورقبة الشعب التونسي بإرادتها لرأس المال الذي لا يفكّر إلاّ في مراكمة أرباحه ولا يهتمّ بالبنية التحتية ولا بالوقاية من الكوارث. فرأس المال، ولا سيما الأجنبي منه، لا يفكر في التوازنات الديموغرافية فليست من شأنه، وإنما يطالب بتوفير الأمن والتسهيلات الجبائية والعقارية والبنكية والجمركية ليستثمر ويربح.

يساهم رأس المال، وبتواطؤ من الدولة، في هذا الحال الأعرج الذي يهدد استقرار تونس مجتمعا ودولة، بإصراره على التمركز في المدن الساحلية ورفضه للمدن الداخلية مستغلا حاجة الدولة للاستثمار وعدم قدرتها على إجباره على غير ما اختار.

وفي المقابل تخصص الدولة ميزانية ضئيلة تقدر بـ2251 مليون دينار (1000 مليون دولار تقريبا) للبنية التحتية. وهي غير قادرة على توفير أكثر من هذا القدر من الأموال من حجم الميزانية الإجمالي المقدر بـ29 مليار دينار (حوالي 14 مليار دولار) بسبب عجزها عن تحصيل حقها الضريبي من المتهرّبين من دفع الضرائب وعجزها عن السيطرة على الاقتصاد الموازي.

هذا إضافة إلى تفاقم ظاهرة الفساد التي تأكل 1.5 مليار دولار من ميزانية الدولة. ومازالت مؤشرات الفساد في ارتفاع مستمر بحسب آخر تقارير الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بما يهدد بتحويل تونس إلى دولة مافيوزية. وللتذكير فإن تونس تحتل المرتبة الـ76 من جملة 168 دولة شملها التقرير الأخير لمنظمة الشفافية الدولية.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9