الجهاديات تتصالح والتحالف لا يحاربها

الجمعة 2014/11/14

تعلم الجهاديات (داعش والنصرة وسواها) وقياسا إلى ماضيها في العراق وأفغانستان، أن القوى العسكرية والحكومة القادمة في سوريا والعراق، ستقاتلها لاحقا. وأن إمكانية بقائها وتمددها متعلقة بالإجهاز على القوى التي تقاتل الأنظمة؛ فهي من أنهكتها، ولن تستطيع محاربتها؛ بينما القوى الصاعدة ستُدعم لتصفية الجهاديات.

داعش في سوريا وفي العراق، يقاتل الشعب وقواه الثورية في المناطق المحررة بشكل أساسي، ولكنه يحارب النظام في المناطق التي يتمدد فيها ويحاول بناء “خلافته”، والنصرة فعل ذلك في إدلب مؤخرا وفي درعا وفي مناطق كثيرة من سوريا. كان الصدام على القيادة الجهادية في سوريا كبيرا بين التنظيمين، وحدثت حروب ووقعت مقتلات، ولكن قدوم التحالف لمحاربة داعش واستثناء النظام من ضرباته، ومحدودية هذه الضربات واستبعاد قوات برية موازية لتطهير الأرض، دفع النصرة وبقية الجهاديات وقوى أقرب للإسلامية، مدعومة من دول خارجية رافضة للتحالف لإيقاف الحرب بينها، والبدء بما يشبه المؤازرة والتعاون الخفي، وربما ذلك يحدث كي لا تتوسع دائرة الضربات الأميركية، ويتم تشكيل جبهات قوية جديدة ضد التحالف، في حال ضعفت إحدى الجبهات التي تتركز عليها تلك الضربات حاليا. النصرة الآن سحق قوات أميركا (جبهة ثوار سوريا وحركة حزم) في إدلب؛ وكان قد اعتقل قياديا عسكريا بارزا في درعا ولم يطلق سراحه منذ أكثر من نصف عام؛ وهو يتمدد في منطقة القلمون المحيطة بدمشق وفي القنيطرة وله تواجد هام في كافة المدن السورية.

بعض المحللين يرون أن تحالف الجهاديات ليس خاف عن أميركا، بل هي من يسمح به، والسبب أنها تريد حربا طاحنة بين الجهاديات وبين النظام، يجبر الأخير بسببها على الحل السياسي؛ ربما هذا التحليل سليم، فجملة المشاورات التي يقوم بها الوسيط الدولي الجديد لسوريا، وزيارة القيادي البارز في المعارضة معاذ الخطيب إلى روسيا، وتهميش جبهة ثوار سوريا وحركة حزم، والاستمرار في استثناء النظام من ضربات التحالف، ورفض المطالب التركية كأهداف للتحالف؛ كل هذه المعطيات تتم وفق المخطط الأميركي للوصول إلى حل سياسي يؤمّن مصالح إيران؛ التي أجرت مفاوضات جديدة مع أميركا في عُمان وليس من جديد فيها، أي ستبقى لاعبا إقليميا، وسيؤمن مصالح روسيا، بما يحقق توافقا دوليا بين روسيا وحلفها وأميركا وحلفها في سوريا.

النقطة الأخطر هي تواجد جيش ضخم ومسلح جيدا من الجهاديات في سوريا؛ لا يزال يَستقدم إليه الجهاديون من كل دول العالم، وهذا يتم بمعرفةٍ أميركية، وهذه للمرة الثالثة، حيث تم ذلك في أفغانستان أثناء الحرب على نظام الحكم هناك، وكذلك في العراق، والآن في سوريا؛ وكثير من التقارير المتعلقة بذلك تؤكد استمرار وصول الجهاديين رغم الضربات الجوية. إذن هي لا تريد في هذه المرحلة إيقاف هذا الوصول، بل وربما تستحثه من أجل الحل السياسي.

المرحلة الحالية من الأحداث في سوريا، بمقدار ما هي خطيرة ربما ستكون بوابة العبور نحو الحل. الخطورة الكارثية تكمن في تدمير أكبر سيطال كل سوريا. النظام لم ولن يتنازل للشعب عن أي هدف، والجهاديات لن تتوقف أبدا عن تصفية القيادات العسكرية والكتائب المحلية، وأميركا لن تضع النظام في بنك أهدافها أبدا كما يبدو. وستتابع ترتيباتها الكبيرة للمنطقة؛ ولكن وكما تظهر تجربة أفغانستان واليمن والصومال، أن أميركا وكجزء من ترتيباتها للمنطقة، لن ينهي داعش ولا النصرة، وتسعى جاهدة لتحويل سوريا إلى دولة فاشلة بالكامل.

أشار كثير من المحللين إلى ذلك بأننا سنشهد إمارات متعددة ودول طائفية كثيرة. سياق الأحداث، وفي غياب مشروع عربي للأنظمة وللثورات وللمعارضة يقوم على المواطنة، يقول بأن المنطقة وليس سوريا فقط تذهب نحو فشل أكبر. الحل السياسي لا يعني إيقافا للفشل، بل ربما سيسهم في توضيحه، (مثال اليمن).

الجهاديون في سوريا يطوّرون خبراتهم، وسيعودون بها إلى بلدانهم، وهذا سيتم بعد تهشيمهم إثر الحل السياسي، والذي لن ينهي وجودهم كما قال الأميركيون، تماما، ولكن سيتقلص إلى مناطق بعينها كما تم في العراق. هذه الجهاديات ستعيد الكرة في بلاد أخرى، فما يحدث في سيناء مصر مؤشر مهم، وكذلك هناك خطورة من سلفيي تونس على مستقبلها؛ وليبيا لا تزال خارج السيطرة، والتنظيمات الإرهابية والإخوانية تعاند كل مسعى نحو تنظيم شؤون السلطة. وبتواجد بيئة خصبة للجهادية في سوريا وليبيا وربما في اليمن على وقع الصدام مع الحوثيين، فإن هناك حروبا مستمرة وربما تستمر لسنوات.

المصالح الأميركية تتحقق في المنطقة عبر الحروب الطاحنة، والصراع السياسي على أساس الدين والمذهب والجهادية، وهذا ما يسهل السيطرة عليها؛ ويحافظ على النفط وإسرائيل، ويسمح لأميركا بالتمدد أكثر فأكثر في المحيط الهادئ؛ فهي تنقل مركز ثقلها إلى هناك لمواجهة الصين.

وجود الجهاديات ليس أمرا طارئا في السياسة الأميركية. الواقع يقول إن الحرب على المنطقة وإعادة ترتيب شؤونها يتم بالقوى الإرهابية، وليس ضدها بالكامل.

الدول العربية المشاركة في التحالف، تريد دفع أميركا لحرب حقيقية ضد الإرهاب، فهي متضررة منه، وستتضرر منه أكثر. المعارضة السورية لا تزال ضائعة وفاشلة، ولم تحدد لنفسها موقعا رافضا للسياسة الأميركية الحالية، يقوم على إنذارها بأن حربها الحالية في سوريا ضد مصلحة المعارضة، ورفض كل مساومة على شكل الحكم في سوريا وفقا للحسابات الإقليمية كما المخطط الأميركي.

الجهاديات تتصالح والتحالف يقصفها ببطء وكأنه يوظفها في إستراتيجيته لإعادة ترتيب شؤون الحكم في المنطقة، والنظام “ينتشي” ويتقدم، أما الدول العربية فمطالبة، مع المعارضة السورية، بإلزام أميركا والضغط عليها لمحاربة الإرهاب فعلا.

والحل السياسي الممكن سيكرس سوريا كدولة فاشلة. هذه كما تبدو نتائج الضربات الأميركية والنظامية والجهادية على سوريا.


كاتب سوري

12