الجهاديات تقتل الثورة

الثلاثاء 2014/09/09

الهدف الأساسي من الثورة السورية هو إسقاط النظام. لكن الثورة عانت من استعصاء سياسي، حيث لم تُشكّل الحامل السياسي لها بسبب بطش النظام أولا، ورداءة المعارضة ثانيا. هذا الفراغ السياسي في الثورة سبب عجزا، وشكل مدخلا لتنامي الجهاديات ضمن الجناح العسكري للثورة.

مقتل النظام في استمرار الثورة، كثورة شعبية ولكل السوريين، ومقتل الثورة في سيطرة الجهادية والأصولية والطائفية، وبالتالي انفضاض الحاضنة الشعبية عنها. هذا الأمر يدركه النظام جيداً، لذلك عمد إلى إخراج المتطرفين من سجونه بقرارات العفو المتتالية منذ بدء الثورة. شكل هؤلاء المتطرفون نواتات جبهة النصرة، فرع تنظيم القاعدة في سوريا، مع بداية العام 2012، وفي كل أنحاء سوريا، والتي كان النظام قد سبق ظهورها في الحديث عنها واتهامها بتفجيرات في دمشق وحلب أواخر العام 2011، وبداية 2012.

لكن ذلك لا يعني أن النظام قادر على التحكم بتلك التنظيمات الجهادية، رغم اختراقه لها. كما أن هذه التنظيمات هي مرتع لاختراقات من كل المخابرات الإقليمية والدولية، وليس من النظام وحده، وعلى مستوى القيادات والفروع، فتركيا تسهل مرور المتطرفين عبر أراضيها، كما أن نوري المالكي أخرج المتطرفين من سجونه وأرسلهم إلى سوريا، وبعض دول الخليج تقدم التمويل، وأميركا وأوروبا تراقب ما يجري لتستفيد منه في فرض خارطة سياسية جديدة في المنطقة كلها. كل تلك الجهات، مع النظام، مهتمة بوأد الثورات قبل أي شيء، وتحويل المعركة إلى معركة ضد الإرهاب. هنا النظام يسعى لاستعادة الاعتراف الدولي به مجدداً، بصفته يحارب الإرهاب مع المجتمع الدولي. هذا ما لا يبدو أنه حاصل، حسب تصريحات فرانسوا هولاند وباراك أوباما في قمة ويلز الأخيرة، وذلك بسبب حالة الضعف الشديدة التي وصل إليها النظام.

جبهة النصرة، التنظيم السلفي الجهادي، وضعت أولوياتها قتال النظام بوصفه “نُصيريا وكافرا وعلمانيا”، وهي تمتلك مقاتلين سوريين وأجانب، متمرسين وذوي خبرة قتالية، فالعقيدة الجهادية أعطتهم الشراسة والإقبال على العمليات الانتحارية، للوصول إلى الحوريات، فجلّهم مسكونون بالهوس الجنسي. هذه الميزة جعلت لجبهة النصرة دوراً بارزاً في الكثير من العمليات القتالية بالتنسيق مع الكتائب الأخرى.

جزءٌ من المعارضة يصرّ على اعتبار النصرة جزءا من الثورة السورية، وهذا موقف خاطئ، فالنصرة لا يخفي مبايعته لتنظيم القاعدة، ولا مشروعه السياسي في دولة الخلافة، وهم يقاتلون النظام من أجل فرض رؤيتهم للدولة، ويتبعون سياسة الاندماج في الفصائل الأخرى وعدم الانعزال، من أجل كسب “أهل السنة” إلى صفهم، ولا يتدخلون في شؤون الناس “إلا إن كان فيه كفراً مباحاً لهم فيه برهان”. لكنها بالتأكيد سياسة مؤقتة، سببها الضعف الذي لحق بالتنظيم عالمياً، ومن السهل الانقلاب عليها عبر فائض الفتاوى التي يحملونها عن ابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهما حين تحين ساعة الصفر ويعلنون سوريا إمارة في دولة الخلافة التي على الجميع مبايعتها.

تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، داعش، خرج من عباءة تنظيم القاعدة، بعد الخلاف الشهير بين قائدي التنظيم في العراق وسوريا، البغدادي والجولاني. الخلاف سياسي وربما استخباراتي، وليس فقهياً أو عقائدياً، فقد أعلن التنظيم عن قيام دولة الخلافة بالفعل بقيادة أبوبكر البغدادي. داعش هذا كان يستغل الفراغ الحاصل من انهيار النظام في العديد من المناطق السورية، حيث يغيب الحامل السياسي الفاعل فيها، وبالتالي يفرض التنظيم دولته القروسطية على السكان مستغلاً التمويل الكبير الذي يحظى به، ومن الملاحظ شره داعش لأماكن تواجد النفط وسعيه للسيطرة عليها. بالتالي لم يقاتل داعش النظام والنظام لم يقاتله أيضاً، بل كان يسعى إلى الاستفادة منه واختراقه قدر الإمكان، ليقوم بنفس الممارسات القمعية ضد الشعب في المناطق التي تحررت من سيطرته. لكن ضعف النظام مؤخراً جعل التنظيم يهاجم مواقعه ويتمكن منها، ويرتكب المجازر بحق الجنود.

الجبهة الإسلامية تضم 11 فصيلاً إسلامياً مقاتلاً، تختلف عن بعضها في درجة التشدد، لكن الأمر ليس عائقاً، فهي تنظيم أصولي جهادي يقول بالعودة إلى أصول الدين، “لبناء مجتمع إسلامي حضاري يحكم بشرع الله”، حسب ما يقول بيانها التأسيسي. اللافت أن مؤسسها زهران علوش، هو أحد الإسلاميين المفرج عنهم من سجن النظام عبر مراسيم العفو، يتلقى الدعم المالي الكامل من دول خليجية، وبالتالي الجبهة الإسلامية تعمل بأجندة خارجية بالكامل. أما خطابهم الإسلامي والسياسي الذي يقولون به، عن الإصلاح والاعتدال وعدم الغلو في الدين، فليس سوى غطاء أيديولوجي لمشروعهم السياسي في السيطرة على المجتمع، والذي بدأ بالفعل في مناطق تواجدهم، في الغوطة الشرقية خصوصاً، حيث سياسة القمع وتكميم الأفواه، وإلغاء كل نشاط مدني، عبر ما سموها الهيئة الشرعية، والتي قراراتها ملزمة للجميع.

تختلف الجهاديات في سوريا في أسباب تشكيلها، فخلافاتها سياسية بالدرجة الأولى، وكذلك بعض الخلافات الفقهية خصوصاً بين داعش والنصرة، الجهاديتان السلفيتان، من جهة، والجبهة الإسلامية، الجهادية الأصولية، بقيادة زهران علوش من جهة أخرى. فكل تلك الجهاديات تحمل نفس العقلية الفئوية، ومشروعها السيطرة على المجتمع ومقدراته، بنفس العقلية الأمنية لأنظمة الاستبداد، والتي تنتهي غالباً بتمجيد القائد، أو الخليفة أو الأمير، كحالة زهران علوش في الغوطة، الذي يقول البعض أنه “حافظ الأسد” باسم آخر.

هذه التنظيمات تجد في أيديولوجيا الإسلام السياسي غايتها، للتغطية على مشاريعها السياسية، مستفيدة من تصاعد المد الديني والطائفي، والذي صعده النظام بممارساته القمعية واستفزازاته الطائفية.


كاتبة سورية

8