الجهاديون الأوروبيون يكشفون ازدواجية السياسة الغربية تجاه العرب

الاثنين 2014/12/01
الشباب المسلم المهاجر إلى أوروبا يجد نفسه على جبهة الموت في سوريا والعراق

صوفيا- تفصح الكتابات الفكرية المعمقة في أحيان كثيرة عن بواطن الفكر الجهادي المتطرف الذي يطفو على السطح كلما ألمت بالدول الرأسمالية الكبرى في العالم أزمة اقتصادية ما تهدد عروش تلك القوى وتمس من هيمنتها على العالم، فجل خبراء تلك التنظيمات يؤكدون أن “الجهاديين” ليسوا بمعزل عن اللعبة الدولية بين القوى المتصارعة على الثروة. لكن تقارير أجهزة الاستخبارات المحلية ووسائل الإعلام تكشف عن حجم هائل من الجهاديين القادمين من دول أوروبية من المفروض أنها تمكنت من آليات القضاء على التطرف الديني واستنباط مناهج اجتماعية لإذابة حدة التوتر (الديني ـ السياسي)، وقد تمظهر هذا الحجم الهائل في شكل أرقام وجبت قراءتها.

اتهم سبعة بلغار مسلمين بنشر أفكار تنظيم الدولة الإسلامية، كما أعلنت النيابة العامة ووكالة الأمن البلغارية. وقال فلاديمير بياسانتشيف مدير وكالة الأمن الوطنية البلغارية إن “المتهمين كانوا يحملون أعلاما لتنظيم الدولة الإسلامية ويوجهون دعوات إلى الحرب وكانوا على اتصال بجهاديين متوجهين إلى سوريا والعراق”.

لم يكن هذا الحدث معزولا عن أحداث أخرى استجدت في الآونة الأخيرة في أنحاء متفرقة من أوروبا، فقد قامت الشرطة النمساوية بمداهمة منازل وأماكن صلاة ومساجد في مختلف أنحاء البلاد، في حملة واسعة النطاق ضد أشخاص يشتبه في أنهم يجندون جهاديين.

وتشير التقارير الصادرة عن مراكز بحثية عالمية إلى أن عدد الدول التي جاء منها جهاديون إلى سوريا والعراق يصل إلى حدود الـ74 دولة، وأن عدد الإرهابيين القادمين يتراوح بين 11 و13 ألف جهادي إلى حدود اليوم، حسب تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.

بقطع النظر عن فشل في الإدماج الاجتماعي والثقافي الأوروبي فإن الأزمة المالية العالمية ساهمت في ارتفاع منسوب التطرف

وأوضح التقرير أن أوروبا تحظى بنصيب الأسد بين كل تلك الدول التي يأتي منها الإرهابيون الإسلاميون للقتال واحتلال بعض المناطق كما يحصل اليوم في سوريا وشمال العراق.

فقد توافد جهاديون من كل من فرنسا بنسبة تتراوح بين 500 و700 ٪ جهادي، وبلجيكا ما بين 76 و336 ٪، وبريطانيا بين 43 و366 ٪، وألمانيا بين 34 و240 ٪، وهولندا بين 100 و200 ٪، والشيشان بين 36 و186 ٪، وكوسوفو بين 100 و150 ٪، وألبانيا بين 100 و140 ٪، وأسبانيا بين 34 و95 ٪، والدنمارك بين 25 و90 ٪، والسويد بين 39 و87 ٪، وإيطاليا بين 45 و60 ٪، وأوكرانيا بين 50 جهادياً، والنرويج بين 33 و40 ٪، والبوسنة بين 18 و60 ٪، وأيرلندا بين 11 و26 ٪، وفنلندا بين 4 و30 ٪، ومقدونيا بين 3 و36 ٪، و3 جهاديين من صربيا.

وتكشف هذه الأرقام حسب خبراء عن إشكالات عميقة داخل المنظومات الاجتماعية لمعظم تلك الدول التي لم تتمكن من “إيجاد آليات سليمة وناجحة لإدماج المهاجرين المسلمين (خاصة العرب) ووضعهم في السياقات الحياتية الطبيعية لتلك الدول.

فبقطع النظر عن “فشل” في الإدماج الاجتماعي والثقافي والسياسي، فإن الأزمة المالية العالمية التي أثرت بشكل كبير داخل أوروبا وأدت إلى انتشار البطالة والجريمة والأزمات النفسية الاجتماعية قد حولت المجتمعات الأوروبية إلى بؤرة من الصراعات على الهوية والانتماء في ظل تزايد ظاهرة التمييز والعنصرية والاضطهاد، وهذا ما صعد من حدة التوتر التي استغلتها الخلايا الإرهابية والدوائر التنظيمية الدينية المتطرفة في استقطاب الشباب وتعبئتهم وتنظيمهم في إطار خلايا إرهابية تتحرك سريعا داخل أوروبا وخارجها.

ويستحوذ موضوع الجهاديين الأوروبيين على اهتمام أجهزة الأمن الداخلي والاستخبارات في بريطانيا وفرنسا وأسبانيا والنرويج وهولندا وبلدان أوروبية أخرى منذ أكثر من ثلاث سنوات، بالتزامن مع التحاق العشرات من مسلمي هذه الدول بتنظيمات جهادية انخرطت في قتال نظام بشار الأسد.

مئات الشباب القادمين إلى أوروبا يتم استقبالهم من قبل الجمعيات الإسلامية الناشطة في تلك الدول وتقديم إغراءات مالية وخدمية إليهم

لكن هذا الاهتمام انتقل منذ نحو عام إلى الحلبة القانونية، عندما بادرت بريطانيا إلى سن قانون يتيح نزع الجنسية عن المتورطين في الإرهاب، وتبعتها هولندا في ذلك، في حين تسعى فرنسا إلى إجراءات مشابهة بعد التحدي الذي شكلته واقعة “مهدي نموش” الجزائري الأصل الذي قتل ثلاثة أشخاص بينهم إسرائيليان في المتحف اليهودي ببروكسيل في أيار الماضي.

كما لا يمكن نسيان حادثة تولوز في الجنوب الفرنسي التي كان محورها الشاب الفرنسي ذو الأصول الجزائرية الذي قتل عددا من أفراد الشرطة الفرنسية وحوصر في بيته لساعات طويلة قبل قتله من قبل الفرقة الفرنسية المختصة في مكافحة المسلحين والإرهاب.

ويقول مراقبون في العديد من التقارير الإعلامية إن أوروبا اليوم بصدد تحمل مسؤولية مواقفها “المتحمسة لسقوط الأنظمة التي تقلقها”، وذلك عندما أغفلت دوائر الاستخبارات انتباهها إلى تشكل تنظيمات وميليشيات إرهابية متطرفة في سياق الحروب التي تعصف بالمنطقة الآن خاصة في سوريا والعراق.

وهاهي بريطانيا وألمانيا وهولندا وإيطاليا وأميركا ودول أخرى غربية، تتخذ إجراءات الوقاية من هجمات محتملة تستهدفها في أراضيها، وهو ما أجبر دوائر القرار الأوروبية على إعادة النظر في سياساتها الخارجية في الآونة الأخيرة والتي أصبحت تبحث عن أوسع التحالفات الدولية لضرب تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، ولكن العديد من الخبراء يؤكدون أن نشأة تلك التنظيمات منذ البداية كان بإيعاز من الدوائر السرية الغربية.

فدور التنظيمات الإسلامية المسلحة في الشرق الأوسط قد بدأ في التكشف شيئا فشيئا، وهو “القيام باستجلاب تدخل عسكري ما في تلك المنطقة وإحلال نظام حليف للغرب على حساب المصالح العربية”. ويرجح محللون، أن التقارب بين إيران وأميركا ربما سوف يؤدي إلى استبدال نظام الحكم في سوريا بآخر يكون مزدوجا بين إيران والغرب تماما كما حدث في العراق وتنصيب نوري المالكي على رأس السلطة فيه.

تتخذ أوروبا إجراءات داخلية صارمة للوقاية من هجمات إرهابية أخرى محتملة وهذا يظهر في سياستها الخارجية أيضا

وكل ذلك يكون بزرع ميليشيات إرهابية تجد غطاءها السياسي في جماعات الإسلام السياسي وخاصة الإخوان المسلمين.

ووضع مئات الجهاديين العائدين إلى بلدانهم الأوروبية تحت رقابة أمنية في هولندا والنرويج وفرنسا وألمانيا، وسط جدل حول السبل القانونية للتعامل مع مستقبل من راكم خبرات قتالية وضغط معنوي على الجاليات المسلمة في هذه البلدان، خاصة وأن هذه الجماعات الإرهابية (سلفية جهادية، إخوان مسلمين ومجموعات أخرى) تملك ثروات مالية وعقارية ضخمة تمول بها نشاطات الجماعات الإرهابية في السفر والتدريب والتسليح والقتال وحتى تعويض أسر القتلى منهم.

وقد ذكرت بحوث اجتماعية حول المهاجرين المسلمين والعرب في أوروبا أن مئات الشباب القادمين إلى أوروبا يتم استقبالهم من قبل الجمعيات الإسلامية الناشطة في تلك الدول وتقديم إغراءات مالية وخدمية إليهم، ومن خلال ذلك الاستقطاب يتم تحويل وجهتهم إلى الخلايا التنظيمية الجهادية عالية الدمغجة والتعبئة الأيديولوجية المتطرفة ثم يتم تسفيرهم إلى سوريا والعراق ومصر ودول أخرى للقيام بهجمات إرهابية خطيرة.

13