الجهاديون الخطر القادم من سوريا

الخميس 2014/06/05
الغرب متوجس من تداعيات عودة الجهاديين الأوروبيين إلى بلدانهم

لندن - أصبحت أوروبا واحدة من بين المناطق التي تمددت إليها ظاهرة الجهاد رغم بعدها الجغرافي نسبيا عن منطقة الشرق الأوسط، حيث باتت عودة الجهاديين الأوروبيين من مناطق الصراع، وعلى رأسها سوريا، تدق ناقوس الخطر.

لم تعد الأخبار القادمة من سوريا تخلو يوما من الحديث عن التنظيمات المتشددة فيها، والتي أصبحت لا تتحدث عن انتصاراتها على النظام السوري أو استهدافها وحدات جيش الأسد، بل على العكس، بدأت تقوم بالحديث عن معاركها مع باقي الكتائب المسلحة، وهو مؤشر ،عدته دراسة صادرة عن مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، دالا على بوادر صراع يندرج ضمن تنافس تلك التنظيمات على الخلافة العالمية.

هذه الخلافة المزعومة، لن تحقق طبيعتها العالمية إلا من خلال استقطاب مقاتلين من دول العالم الغربي، الأوروبي خاصة، حيث توجد نسبة كبيرة من المسلمين. هذا الاستقطاب بات يمثّل خطرا على الأمن القومي للدول المصدّرة للجهاديين.

الجهاديون العائدون من سوريا أصبحوا يمثلون “الموجة الثالثة” بعد “الموجة الأولى” التي جاءت من أفغانستان بعد 2001 و”الموجة الثانية” التي جاءت من العراق بعد 2003. وهذه الموجة باتت اليوم تشكّل قلقا متصاعدا للدول الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وغيرهما، فمئات المقاتلين الأوروبيين الموجودين في سوريا لا يحاربون في صفوف الجهات المعتدلة التي تدعمها الدول الأوروبية، (الجيش السوري الحر) بل في صفوف التنظيمات المتطرفة التي لها علاقة بتنظيم القاعدة.

في هذا الصدد يشير الكاتب محمود الشناوي إلى أن الأرقام التي تنشرها الصحف الأوروبية حول عدد المنخرطين في صفوف التنظيمات المتشددة التي تقاتل على الأراضي السورية، ليست مؤكدة أو متطابقة، إلا أن الأمر المؤكد هو الخطر الداهم الذى يمثله “الفكر الجهادي” على فئات واسعة من الأوروبيين بعد امتداد تأثيره إلى فئات عمرية متفاوتة.

مئات المقاتلين الأوروبيين في سوريا لا يحاربون في صفوف الجهات المعتدلة التي تدعمها أوروبا بل في صفوف التنظيمات المتطرفة


أوروبا تحارب الجهادين


تؤكد دراسة صدرت بعنوان “الجماعات السلفية في سوريا بين الوطنية والعالمية” ما ذهب إليه الشناوي في تحليله، فقد أصبح مصدر القلق والشعور بالخطر، حسب وجهة نظر دوائر صنع القرار الأوروبية، أنه كلما طال وجود الشباب الأوروبيين في سوريا زادت أفكارهم تطرفا وعداء للدول التي جاؤوا منها.

ازدادت التخوفات الأوروبية بعد إعلان رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فالس، مؤخرا أن عدد الفرنسيين أو المواطنين المقيمين في فرنسا المتورطين في القتال في سوريا بلغ 800، مؤكدا أن فرنسا “لم تواجه يوما مثل هذا التحدي”.

جاء التصريح متزامنا مع التفجير الذي استهدف المتحف اليهودي في بلجيكا الذي أوقع ثلاثة قتلى ونفذه مهدي نموش، وهو متشدد فرنسي كان يقاتل في سوريا. واعتقل المتهم في فرنسا في إطار حملة تقوم بها السلطات الفرنسية لملاحقة العناصر المتورطة في القتال في سوريا مع التنظيمات المتشددة.

في سياق الإجراءات المتشدّدة لمقاومة المد الجهادي القادم من سوريا بدأت السلطات الفرنسية تدرس خطة لمنع القصّر من مغادرة فرنسا، وتشديد الرقابة على المواقع الإلكترونية التي تجند المقاتلين.

وقد أعادت قضية نموش إلى الأذهان قضية محمد مراح الذي اعتنق فكرا إسلاميا متطرفا وتدرّب في أفغانستان وباكستان قبل أن يقتل ثلاثة مظليين ثم ثلاثة أطفال ومدرسا في مدينة تولوز الفرنسية في مارس 2012.

وكان وزير الداخلية الفرنسي برنار كازينوف أكد أن العمليات ضد المجموعات المؤيدة للفكر الجهادي – التي لها علاقة بسوريا – لن تقتصر على فرنسا بل ستمتدّ إلى كامل أوروبا، مشيرا إلى أن بلاده ستحارب مثل هذه المنظمات الإرهابية حتى النهاية.

برنار كازينوف: "العمليات ضد الجهاديين لن تقتصر على فرنسا بل ستستمر في أوروبا"


مخاوف غربية


مخاوف الغرب لم تشمل أوروبا فقط فقد نقلت صحيفة “ديلي بيست” عن مصادر في الاستخبارات الأميركية أن عدد الجهاديين الأميركيين الذين تدفقوا إلى سوريا يتجاوز المئة مسلح وأن عودتهم إلى بلادهم تزيد المخاطر الإرهابية.

وقالت الصحيفة “للمرة الأولى يجتمع الغرب ودول عربية على الإشكالية الأمنية نفسها، وهي الخوف من تداعيات الهجرة العكسية للمقاتلين الأجانب في سوريا”.

وأضافت الصحيفة أن تدفق المقاتلين كان بالآلاف حيث انضمت غالبيتهم إلى الجماعات الأكثر تطرفا في سوريا، وتلقوا التدريبات واكتسبوا المهارات القتالية ليعودوا بها إلى بلادهم، ما عزز المخاوف الغربية من عودة المقاتلين إلى الدول الأوروبية مع تداول العديد من التقارير الأمينة التي حذرت من تداعيات تلك العودة على أمن أوروبا.


الخلافة العالمية


تشير دراسة مركز عمران إلى الدور الذي تلعبه التنظيمات المتشددة في سوريا لتصدير ظاهرة الجهاد العالمي، بدرجة أولى إلى أوروبا، إذ أن هدفها ورؤيتها عابرة للجغرافيا السورية ويدخل في هذا التصنيف تنظيما جبهة النصرة والدولة الإسلامية في الشام والعراق “داعش”.

في هذا الصدد رصدت الدراسة جملة من الاستنتاجات والتحليلات التي شكّلت محددات هامة في تقييم الجماعات المتشددة الموجهة إلى الخلافة العالمية:

منشأ هذه الجماعات هو منشأ غريب عن البيئة الشعبية السورية في الفكر والبنية والإمكانات

لم تظهر هذه الجماعات في سوريا إلا بعد اندلاع الثورة السورية بأشهر عدة ولم تنشط إلا في المناطق المحررة التي انتزعت من النظام بجهد غيرهم واستغلوها لفرض أيدولوجياتهم المتشددة.

هذه الجماعات لم تظهر قط باعتبارها نتاجا للمجادلات أو للحراكات الفكرية والسياسية في إطار الجماعات الإسلامية في سوريا، أي أن تطورها غير طبيعي وألصقت نفسها في السياق الثوري.

كان موقف الثورة الحيادي منها في البداية يستند إلى أمرين: الأول لم تطرح هذه الجماعات دفاعها عن الشعب السوري كنقطة مؤسسة لتطبيق نظريتها في الحكم، بل كانت تقاتل صفا بصف مع الكتائب العسكرية الثورية، والأمر الثاني كان موقف الثورة منها بمثابة ردة فعل على طائفية النظام الذي جلب إلى البلاد ميليشيات شيعية لتشارك جيشه في قمع الحراك الثوري.

منذ أن ظهر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام أصبحت الثورة الشعبية تعاني الأمرين، فقد سحقت باسم الحرب على الإرهاب، حيث عملت داعش على تحقيق مآرب النظام في ردكلة الثورة وتحويل صورتها إلى مجموعات إرهابية وإمارات سلفية، لمخطط تنفيذ الخلافة العالمية.

7