الجهاديون العائدون من سوريا قنبلة موقوتة تهدد تونس

يتسم تعاطي الحكومات المتعاقبة في تونس ما بعد الثورة بالارتباك خاصة إزاء مواجهة الإرهاب، وهو ما بدا واضحا من خلال الإجراءات المتبعة لتطويق هذه الظاهرة والقضاء عليها حيث سجلت فشلا ذريعا، رغم بعض الإنجازات التي يقع الإعلان عنها من حين إلى آخر.
الأحد 2015/12/27
كر وفر بين عناصر الأمن والجهاديين

تونس - تشكل عودة مئات الجهاديين من سوريا هاجسا كبيرا في الشارع التونسي، حيث يخشى من قيام هؤلاء الذين تمرسوا على فنون القتال بتشكيل خلايا نائمة وارتكاب عمليات إرهابية.

وتعاني تونس منذ سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي في 2011 من هجمات إرهابية، تزايد نسقها في العامين الأخيرين، وآخرها قيام انتحاري في نوفمبر الماضي بتفجير نفسه في حافلة للأمن الرئاسي وسط العاصمة التونسية.

وكان للجهاديين العائدين من بؤر النزاع النصيب الأكبر في ارتكاب مثل هذه العمليات أو الإعداد لها، وفق ما كشفت عنه وزارة الداخلية التونسية.

وأعلن مؤخرا متحدث باسم الوزارة بأن أكثر من 600 عنصر تونسي يقاتلون في سوريا عادوا إلى تونس.

وصرح المتحدث وليد الوقيني للصحفيين، في مؤتمر لبحث تداعيات انتشار الجماعات الإرهابية، أن هناك نحو ثلاثة آلاف مقاتل تونسي في سوريا عاد منهم أكثر من 600 إلى تونس بينما قتل منهم 800 عنصر. وقال الوقيني إن عددا من العائدين من بؤر التوتر ملاحقون قضائيا، بينما يخضع عدد آخر للإقامة الجبرية.

وأشار تقرير كان نشره خبراء من الأمم المتحدة في يوليو الماضي إلى تواجد نحو 5500 مقاتل تونسي ينشطون في بؤر التوتر، أغلبهم في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية بسوريا، ويوجدون بدرجة أقل كعناصر في جبهة النصرة فرع تنظيم القاعدة في بلاد الشام كما يوجد منهم بضع مئات في ليبيا.

وينتظر عودة المزيد من الجهاديين إلى تونس في الفترة المقبلة خاصة من سوريا التي تشهد حراكا دوليا مكثفا لإنهاء النزاع بين النظام والمعارضة تمهيدا لإعلان الحرب على الجماعات الجهادية هناك، الأمر الذي يجعل السلطات التونسية في وضع صعب، ويزيد من حجم الضغوط المسلطة عليها، في ظل الإجراءات التي يصفها محللون بغير المجدية والتي اعتمدتها لمكافحة الجهاديين، كفرضها “الإقامة الجبرية” بحق عدد منهم والتي ثبت بالدليل الملموس فشلها.

وكان عدد من المتطرفين قد تم فرض الإقامة الجبرية بحقهم، ورغم ذلك تمكنوا من الإفلات من دائرة الرقابة الأمنية وارتكاب عمليات إرهابية.

إجراء آخر تروّج له خاصة حركة النهضة الإسلامية لمواجهة العائدين من مناطق الصراع، وهو السماح للراغبين منهم بالعودة عبر القنوات الرسمية وإعادة دمجهم في الحياة الاجتماعية، وذلك اقتداء بالنموذج الجزائري.

وقد دعا رئيس الحركة راشد الغنوشي في 26 أغسطس الماضي إلى “فتح باب التوبة (..) والحوار مع الجهاديين التونسيين سواء الموجودين في الخارج أو المتحصنين في جبال في تونس”.

وقال الغنوشي في مقابلة مع إذاعة محلية خاصة “الجزائر المجاورة لنا اكتوت بنار الإرهاب وفي الأخير لمّا جاء الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة فتح باب الوئام الوطني والمصالحة الوطنية ونزل 5 آلاف (جزائري) من الجبال كانوا يقتلون الجيش الجزائري والشعب، والآن اندمجوا في المجتمع”.

تصريحات رئيس حركة النهضة لاقت آنذاك ضجة كبيرة، ولكن يبدو أن الحكومة التي تشارك بها الحركة تضعها في الاعتبار، متجاهلة أن مثل هذا الإجراء قد يحوّل الساحة التونسية إلى مرتع للمتطرفين التونسيين، الذين ما انفكوا يعربون في فيديوهات من مناطق النزاع عن رغبتهم في تحويل تونس إلى أرض “جهاد”.

600 شخص عادوا إلى تونس من مناطق النزاع وخاصة من سوريا

وكان إجراء اتخذ سابقا كشف مدى فداحة التعويل على إعادة دمج هؤلاء في الحياة العامة وهو قانون العفو التشريعي الذي تمّ بموجبه إطلاق سراح عشرات المحكومين في قضايا إرهابية وإدخالهم في الوظيفة العمومية. وقد اكتشف فيما بعد أن عددا منهم كانوا ضالعين في الهجمات الأخيرة.

وقال منذر بالضيافي الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية يوجد “ارتباك في تونس في التعامل مع ملف العائدين من بؤر التوتر”.

وأوضح الباحث في تصريحات صحفية “نلاحظ وجود ارتباك في التعاطي مع هذا الملف الحساس حيث يتراوح الحديث بين إعلان قانون عام للتوبة على غرار ما حصل في الجزائر، وبين وضعهم في الإقامة الجبرية مثلما أعلنت الحكومة مؤخرا”. وأضاف أنّ هؤلاء لهم “فهم إجرامي للإسلام” الذي “حوّلوه إلى دين شنق وقتل وإرهاب وسبي”.

ولفت منذر بالضيافي إلى أن “تجربة التعاطي مع المقاتلين من الجهاديين في تونس بينت أنهم حالات ميؤوس منها”، مستشهدا بـ“مجموعة سليمان” التي تضم 30 تونسيا وصدرت بحقهم أحكام بالسجن في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي وتمتعوا بعد الثورة بـ“عفو تشريعي عام” تمّ بموجبه الإفراج عن 300 تونسي قاتلوا سابقا في العراق وأفغانستان والصومال واليمن.

وكانت السلطات التونسية قد اعتقلت في يناير 2007، بمدينة سليمان (جنوب العاصمة) 30 مسلّحا شكّلوا مع آخرين مجموعة “أسد بن الفرات” التي دخلت في مواجهات مسلحة مع الشرطة انتهت بمقتل 12 من عناصر المجموعة و3 من قوات الأمن (نقيب بالجيش وشرطييْن).

وقال بالضيافي إن مجموعة سليمان “عادت، بعد الثورة، إلى تصدّر العمليات الإرهابية في تونس رغم أنها استفادت من العفو التشريعي العام، وهذا يشير بوضوح إلى أن هؤلاء اختاروا نهج الحرب على المجتمع والدولة”.

وأضاف أن “المقاتلين التونسيين في سوريا والعراق وليبيا “يمثلون خطرا كبيرا لأنهم تمرّسوا من جهة على القتال والتفجير والتفخيخ، وتشرّبوا من جهة أخرى تفكير المجتمع والدولة (الإسلامية)، لذلك فإن وضعهم في المعتقلات أمر ضروري”. ويتفق العديد من المحللين مع الضيافي في أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومات المتواترة في تونس اتسمت بالارتباك، رغم النجاحات التي يتم الإعلان عنها من حين إلى آخر.

ويربط المحللون هذا الارتباك بتداخل العامل السياسي مع قلة الخبرة في مواجهة هذه المجموعات التي تكاثرت ليس في تونس فقط بل في المحيط الإقليمي ككل، بسبب الفوضى التي خلفها ما سمّي بالربيع العربي.

وبات هناك في تونس الكثير ممن ينادي بضرورة الاستنجاد بالأمنيين الذين تم عزلهم إبان “الثورة” بالنظر لخبرتهم الكبيرة، ولكن يبقى هناك من يشكك في مدى قدرة هؤلاء على تقديم الإضافة خاصة وأن الظرفية التي تولّوا فيها المسؤولية تختلف عن الظرفية الحالية.

2