"الجهاديون" وحزب أردوغان يورطان تركيا في المستنقع السوري

الاثنين 2013/11/11
وانقلب السحر على الساحر.. تهديدات باستهداف المناطق التركية

المناطق الحدودية التركية- السورية شكلت ممرا لولوج التنظيمات الجهادية إلى الأراضي السورية التي تقاتل نظام بشار الأسد، وألقى الدعم التركي المستمر لهذه التنظيمات، بتبعاته السلبية على وضع البلاد الأمني الذي أصبح بدوره مهددا.

لا يخفى على المتتبعين الدور الذي يلعبه حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في تركيا، تحت قيادة رجب أردوغان رئيس الوزراء ، في ما يخص الشأن السوري، الذي وإن اتفق فيه مع رؤية دول الجوار والمنطقة العربية في ما يتعلق برحيل الأسد، إلا أن سماحه باستخدام الأراضي التركية من قبل المجموعات المتشددة التي تعبر إلى الداخل السوري، جعل منها قاعدة حاضنة للمجموعات المتطرفة التي تغلغلت أيضا إلى العمق التركي، بسبب إستراتيجية «الباب المفتوح» مع التنظيمات المتطرفة.

وقد تصاعدت مؤخرًا نذر المواجهة بين تنظيم «دولة الإسلام في العراق والشام» المعروف بـ»داعش» من جانب، وتركيا من جانب آخر، على نحو أفضى إلى حدوث مواجهات عسكرية وتهديدات بشن عمليات إرهابية داخل المدن التركية.

القاعدة في تركيا

على الرغم من أن أغلب العمليات الإرهابية الكبرى ارتبطت بحزب العمال الكردستاني، فإن أنقرة كانت قد شهدت تفجيرات إرهابية عام 2003، أعلن مسؤوليته عنها تنظيم «القاعدة في بلاد العراق»، الذي تطور لاحقًا ليصبح تنظيم «دولة الإسلام في العراق والشام» والتي أفضت إلى مقتل نحو 63 شخصًا وإصابة المئات، وشهدت مدينة الريحانية تفجيرات أخرى في مايو 2013، أسفرت عن مقتل نحو 51 شخصًا وإصابة العشرات.

وقد مثل اندلاع الثورة السورية تحولا في مسار العلاقة بين تركيا والتنظيمات الجهادية المرتبطة بالقاعدة، حيث أضحت سلطات الأمن التركية تغض النظر عن تحول حدودها الجنوبية إلى بوابات عبور رسمية لتنظيمات متطرفة إلى الأراضي السورية، بما كثف من تواجد عناصر تابعة لهذه التنظيمات ببعض المحافظات التركية، وهي تنظيمات تَستَغِل بعض الجمعيات الخيرية الموجودة في الجانبين للتغطية على نشاطها.

نتيجة لذلك، وُضعت تركيا على «القائمة الرمادية» جنبًا إلى جنب مع كل من سوريا وإثيوبيا وكينيا وكوبا، وذلك من قبل الهيئة الدولية لمكافحة غسيل الأموال، وتمويل الإرهاب، وتشمل هذه القائمة الدول التي لم تتخذ التدابير اللازمة لمكافحة عمليات تمويل الإرهاب. وتوجه إلى تركيا اتهامات أخرى بعدم الامتثال لقرارات مجلس الأمن الخاصة بتجميد الأصول التي يمتلكها الأفراد المنتسبون إلى منظمات إرهابية. وأفضى ذلك على جانب آخر إلى توترات شبه مكتومة مع عدد من الدول الغربية، على رأسها الولايات المتحدة الأميركية، التي لفتت الانباه إلى الدعم التركي للمتطرفين على الحدود مع سوريا.

في المقابل كان الموقف التركي رافضا لكل الانتقادات والتلميحات بخصوص هذا الشأن، وكان أحمد داود أوغلو وزير الخارجية التركي قد عبر عن رفضه للمخاوف الدولية من تنامي قوة المنظمات الإرهابية في سوريا، قائلا إن ما قد يبدو من تعبيرات إسلامية متطرفة في سوريا قد يعد طبيعيا من وجهة نظر «علم نفس البشرية»، نظرًا إلى تأثير الدين على الأفراد في أجواء الحرب.

دعم الجهاديين

كان لتنامي قوة «داعش» في المناطق المحاذية للحدود التركية، عامل مركزي في إعادة توجيه تكتيكات الإستراتيجية التركية الخاصة بـ»استغلال» التنظيمات الجهادية في سوريا، وقد انعكس ذلك فيما أشار إليه بعد ذلك رئيس الجمهورية عبد الله جول، من أن «الجماعات المتطرفة في سوريا قد تشكل مصدرًا للقلق عندما يتعلق الأمر بأمن تركيا».

ويقول المراقبون إن الرغبة التركية في دعم التنظيمات الجهادية ارتبطت بمحركين أساسيين، أولهما إسقاط نظام الأسد، الذي دلل عليه بالمجهودات التركية الخاصة بدعم المعارضة المسلحة، وقد كان للتنظيمات الجهادية نصيب الأسد، باعتبارها الأكثر تمرسًا على «حرب العصابات» في ساحات إقليمية سابقة.

كما أنها تستهدف إجهاض محاولات أكراد سوريا في تشكيل إقليم مستقل، استغلالا للفراغ الأمني الذي باتت تعاني منه مناطق شمال وشرق سوريا الغنية بالنفط، بسبب سماح النظام البعثي للتيارات والأحزاب الكردية بملء هذا الفراغ عبر الهياكل الأمنية والسياسية الكردية. وقد دعمت تركيا التنظيمات الجهادية في سوريا للسيطرة على مناطق تمركز الأكراد، وذلك في مواجهة حزب الاتحاد والديمقراطية ، وما يعرف باسم «وحدات حماية الشعب الكردي»، ولعل هذا ما قد يفسر إعلان رئيس الوزراء التركي أردوغان، ارتياحه لكون حزب «الاتحاد» لم يعد قادرًا على التحرك بحرية في شمال سوريا.

تهديدات إرهابية لتركيا

اعتبر الكاتب محمد عبد القادر خليل أن الدعم التركي للقاعدة والقوى المعارضة المسلحة، جاء اعتقادا بأنه سيسهم في إسقاط نظام الأسد سريعًا، غير أن ذلك أفضى إلى نتيجة عكسية، حيث تضاعفت قوة التنظيمات الجهادية، لتتعرض البلدات التركية الحدودية إلى بعض قذائف الهاون الطائشة من المناطق التي تسيطر عليها «داعش»، ما دفع القوات العسكرية التركية إلى الرد عبر قصف مواقعها، وهو ما جعل إستراتيجية «الباب المفتوح» تفضي إلى تحقيق توازن مختلف في القوى على الحدود، على نحو بات يثير هواجس أمنية لتركيا أكثر مما يحقق مصالحها.

تحولت بعض البلدات التركية المحاذية للحدود مع سوريا إلى معقل لمتشددين إسلاميين، وقد دفع ذلك زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو، إلى القول إن «تركيا تحولت إلى دولة تستورد الإرهاب»، واعتبر أن تهديد القاعدة لتركيا بين فترة وأخرى لفتح الحدود أمام مقاتليها باتجاه سوريا، يمثل «نتيجة طبيعية لاستقدام القاعدة وتدريبها وإمدادها بالسلاح والأموال».

هذا فيما أكد أوزترك ترك دوغان، رئيس جمعية حقوق الإنسان التركية، أن إرسال الشباب الأتراك من مدن منطقة جنوب شرق تركيا «للجهاد» في سوريا يتم بعلم الاستخبارات التركية، قائلا «لدينا معلومات حول عمل المنظمات الإرهابية المتطرفة، ونستغرب تجاهل جهاز المخابرات ومديرية الأمن لعمل التنظيمات الإرهابية المتطرفة على تجنيد الشباب التركي بشكل علني».

ووفقًا لتقارير تركية فإن هناك أكثر من 1200 من المواطنين الأتراك يقاتلون داخل سوريا والكثير منهم مرتبط بتنظيم القاعدة، والإشكالية الأكبر في ذلك أن ثمة من يذهب لدعم الجانب الذي يتفق معه أيديولوجيًّا وطائفيًّا وعرقيًّا. وكان الكاتب سيدات أرغين قد كتب مقالا بصحيفة «حرييت» انتقد فيه النشاط الواضح لتنظيم القاعدة بتركيا، وإغفال السلطات التركية لهذه التحركات، التي وصفها بالخطيرة. واعتبر أرغين، أن كل هؤلاء المقاتلين سيعودون إلى تركيا ليتحول كل واحد منهم إلى «قنبلة موقوتة» من الممكن أن تنفجر داخل تركيا في أية لحظة.

كما أفادت التقارير بأن «داعش» قد أرسلت مئات من المقاتلين شمالا نحو تركيا، وهو ما بات يثير هواجس تركيا، خصوصًا بعد البيان الذي أعلنته وطالبت فيه أنقرة بفتح معبري باب الهوى وباب السلامة اللذين أغلقتهما بعد سيطرتها على بلدة أعزاز التي تبعد 6.2 أميال من الحدود التركية-السورية، محذرة من أن العمليات الانتحارية ستصل إلى أنقرة وإسطنبول.

الباب المفتوح

على الرغم من أن تركيا حافظت على إستراتيجية «الباب المفتوح» التي اتبعتها حيال التنظيمات الجهادية في سوريا، وذلك من خلال توفير شريان الحياة للمناطق التي يسيطر عليها الجهاديون من خلال المساعدات الإنسانية، باعتبارها تشكل «الممر الآمن» للعبور والحصول على الأموال والأسلحة وتلقي العلاج، إلا أنه مع تعاظم قوة هذه التنظيمات والرغبة في إعلان دويلة إسلامية في المناطق التي تسيطر عليها، بالقرب من الحدود التركية، فإن التهديدات الموجهة إلى سوريا أضحت موجهة بصورة مماثلة نسبيًّا إلى الداخل التركي ذاته.

وهذا ما دفع أنقرة إلى اتباع استراتيجية دفاعية بعد إدراكها الخطر الذي يحدق ببلادها أمنيا و سياسيا حيث أقدمت الحكومة التركية في ظل تنامي المخاوف من حدوث موجة من العمليات الإرهابية في داخل المحافظات التركية، على بناء جدار عازل بارتفاع مترين بالقرب من مناطق التوتر والاضطراب على الحدود مع سوريا، للحيلولة دون أية تداعيات أمنية سلبية قد تطال الأراضي التركية.

كما قامت القوات العسكرية التركية الموجودة على الحدود مع سوريا بعمليات عسكرية ضد تنظيم «دولة الإسلام في العراق والشام»، بهدف الردع المسبق لأية محاولة تستهدف أمن تركيا، لا سيما بعد التهديدات الأخيرة التي وجهتها «داعش» إلى السلطات التركية.

ويمكن القول إن الحكومة التركية التي لم تكن تعترف حتى وقت قريب بوجود تنظيمات إرهابية على الأراضي السورية، وكانت تكتفي بوصفها بالراديكالية، قد باتت تواجه تحديات مزدوجة تتعلق باستمرار «توظيف» هذه التنظيمات لكونها تخوض معركة بـ»الوكالة» ضد نظام الأسد من ناحية، والأحزاب الكردية من ناحية أخرى، هذا في وقت تسعى فيه هذه التنظيمات إلى السيطرة على مساحة كافية من الأرض لإعلان تأسيس «الدولة الإسلامية»، وهو ما يزيد من مشكلات تركيا الأمنية، ليس بسبب نظام الأسد وأكراد سوريا فحسب، وإنما أيضًا بسبب تزايد نفوذ هذه التنظيمات، ليزداد تورط تركيا في «المستنقع السوري».

6