الجهاد.. القتل بلا قوانين

الاثنين 2013/11/11

رغم وجود الأديان والأخلاقيات التي أقرت أن حياة الإنسان هي القيمة الأسمى في بناء المجتمع، لم يتوقف التاريخ البشري يوما عن ذكره الدائم لأخبار القتل والإبادة. فقيم التفوق والقوة، لم تخلق إلا حالات واسعة من الإبادة والاستباحة والتسخير والتهجير.

لقد ترافقت الفتوحات والمعارك والاكتشافات بقتل العديد من البشر وإبادة الشعوب الأصلية في القارات المكتشفة، والتطور التقني والتكنولوجي بكل إنجازاته المؤثرة على البشرية ثبّت تطوره بحربين عالميتين أسقطتا ستين مليون قتيل وشوهتا ما يقاربهما بالعدد. ومع تطور الإنسان تطورت أساليبه ودوافعه للقتل وأصبح صراعه من أجل سلطة أو تحقيق مصلحة لا يحل إلا بقهر الآخر أو إبادته، مع شرعنة القتل والإبادة والإرهاب تحت اسم محاربة الإرهاب برعاية القانون وصمت الهيئات الدولية وباسم حقوق الشعوب.

أما الصورة الأبشع فهي الحركات الفئوية التي تجند أنصارها في أجواء اليأس والشعور بالظلم وفقدان الثقة بالقيم الاجتماعية السائدة وبالنظم السياسية، ليبدأ البحث عن الحماية من خلال العودة الى أصول الدين، وتخفيف وطأة الحياة الدنيا عبر إشغال الناس بالحياة الآخرة وإبعادهم عن قضاياهم الحياتية. وقد ساهمت النظم الحاكمة بشكل كبير في تغذية الأصولية عبر حصارها لكافة الحقوق الإنسانية كالحرية والديمقراطية وعدم تركيزها على قيم الاعتدال والانفتاح الديني في إطار بناء دول المواطنة.

إن انتشار الأصوليات والسلفيات الدينية يشير إلى أزمة عميقة في معرفة الغاية من وجود الدين، ويمثل ردة فعل على الإنسانية تحول دون الوصول إلى مجتمع إنساني، وتعد مشكلة في الهوية والانتماء وتجاوزا للقوانين الاجتماعية والطبيعية. إذ يقدم الأصوليون على انتزاع النصوص الدينية من سياقها التاريخي وتحويلها إلى معانٍ مطلقة تطبق على كل المجتمعات والأجيال وفي كافة الأزمنة، متجاهلين عناصر الثقافة والجغرافيا والتاريخ في تكوين الإنسان. من هنا ظهر التيار السلفي الإسلامي الذي تزايد حضوره خلال السنوات الأخيرة من خلال رؤيته للعالم التي تقوم على ثنائية الخير والشر «المؤمنون في مواجهة الكافرين»، وعبر تقديم تفسيرات جامدة ومحافظة للنصوص الدينية ورفض عمليات التجديد الديني «ضمن صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان» التي يعتقد أتباعها بضرورة تطبيقها على المجتمع، واعتبار الديمقراطية «بدعة» تتناقض مع الشريعة الإسلامية، هذا فضلاً عن موقفهم السلبي من الأقليات غير المسلمة في المجتمعات الإسلامية، وعدم اعترافهم بشرعية الآخر وحقه في الاعتقاد.

جرى استثمار الدين كوسيلة تسوغ القتل والإبادة، وسُخّر النص الديني لهذه الغاية ضمن فكرة الجهاد الإسلامي. لقد شاع مصطلح الجهاد في التاريخ المبكر للإسلام كوسيلة لنشر كلمة الله، وكانت الدعوة للجهاد وقتل الكافرين لها ضوابطها المحددة في عدد من الصيغ في الفكر الإسلامي والتي كوّنت بشكل ما قانونا للحرب يلتزم به المسلمون في قتالهم للأمم الأخرى، والتي تجلّت بحسن معاملة الأسرى، وألاّ يقاتل غير المقاتل، وألا يتم الاعتداء على من ليس في حدود الحرب.

فالعنف والقتل بحد ذاته لم يكن يوما غاية وهدف كما نراه الآن، بل إن الدين الإسلامي أتى لتهذيب العنف القبلي العربي وإخضاعه للقوانين الإلهية. من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل «فمن قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيـا الناس جميعـا» سورة المائدة. فهل ما كتب عن بني إسرائيل لا ينطبق على الجهاديين؟

إن ما يحدث الآن من قتل عبثي هو حالة إبادة لا يمكن ترشيدها أو محاولة ضبطها تحت أي قانون، فلا ينطبق عليها القانون الدولي الإنساني الذي نظم الحروب التعسفية بين الدول، ولا يمكن اعتبارها بأي شكل حق أو واجب ديني أو جهاد لبناء دولة الإسلام عبر ازهاق الأرواح وإعادة الشعوب لسالف العصر والزمان. الحرب هنا لا مسوّغ لها وليست ضرورة لا يمكن تجنبها ولا تنطبق عليها أنظمة الحروب الإسلامية الأولى، فالأديان جميعها تقر أن الإنسان هو محور رسالة السماء، والإيمان هو فعل الخير ومنع الشر، وإن الله رحمن رحيم، لذا لا يمكن تبريرها تحت أي مسمى فهي ليست مجرد فصول ساخنة في مسارح متعددة تستوجب الدهشة أو الإدانة.

إنه قتل يطال الجميع لا قوانين فيه، والأبرياء يسحقون بين مطرقة محاربة «الشر والكفر» وسندان مكافحة الإرهاب، لتستمر دورة الإبادة مع أسماء وتعاريف مختلفة، والقتل يتابع همجيته حتى لو أصبح القتلى يعادلون الأحياء عددا.

هذه المجزرة المشرّعة من قبل فاعليها السعي للوصول إلى لغة توقف العنف والقتل بكل أشكاله، عبر ايقاف الغطاء الإعلامي وتجفيف منابع الدعم المالي الذي يساهم في انتشار الحركات الجهادية وازدياد القتل، وتحتاج وجود ميثاق عالمي فعّال يلزم الدول «القوية قبل الضعيفة» والأفراد على اختلاف مشاربهم باحترام حق وقدسية الحياة وكرامة الإنسان في أي مكان بهذا العالم، ويعالج كل المواقف المعلقة المتعددة والمختلفة والتي عجز العنف والقتل عن حلها، فالقتل لم يولّد إلا القتل للرد عليه، وتسخير الإنسان بطريقة غير إنسانية لا يولّد إلا الحقد والقتل.

كاتبة سورية

9