الجهل بحقوق المرأة هو العار

الأمية الحقيقية في بعض مجتمعاتنا العربية ليست أمية التعليم، بل الأمية تطول الفكر والعقل وأسلوب التعامل مع المرأة، منذ أن تولد وحتى عبورها كافة مراحلها العمرية.
الأحد 2019/09/08
تبرير قتل الأنثى باسم الشرف هو العار الذي لا يغتفر

هناك الكثير من القضايا الساخنة في الساحة العربية، وكلها جديرة بالتناول والتعليق والتحليل، إلا أن ما لفت الانتباه الأسبوع الماضي حادثة قد تبدو عائلية تخص إحدى الأسر الفلسطينية، لكن التوصيف الذي تم تداوله على هذا النحو الضيق مخادع وغير كاف، لأن الحادثة تتجاوز الطابع الأسري المغلق، وتكشف عن ظاهرة مخيفة ومستهجنة تتكرر بين فترة وأخرى، بينما لا ينشر عنها عبر الإعلام سوى القليل من التفاصيل، وبما لا يتعدى حوادث فردية قليلة، والقليل يخفي وراءه دائما الكثير من الظلم والجهل بحقوق المرأة، وهذا هو العار الحقيقي. إذ ليس العار أن فتاة خرجت مع خطيبها إلى مكان عام، بل العار الحقيقي الذي يطارد صاحبه مثل لعنة أبدية يكمن في بقاء عادات العصور المظلمة، حيث الأنثى مقموعة والرجل وحده هو المسيطر الذي يمنح نفسه الحق في سلب حرية المرأة وحياتها.

القصة تدور حول الفتاة الفلسطينية الضحية إسراء غريب، التي أصبحت وفاتها إثر الضرب المبرح قضية رأي عام عربي وإنساني، وانتشرت تفاصيل وفاتها بسبب همجية بعض أفراد أسرتها حتى طغت على وسائل التواصل الاجتماعي.

بداية لا يعرف من يتأمل هذه الحادثة الشنيعة، هل يكفي التعبير عن الغضب والحزن لامتصاص الأثر الذي تركته الواقعة، أم أن الوقت قد حان لأن نجعل من قصة إسراء مدخلا لفتح الملف الأسود لتعامل قطاع واسع من المجتمع العربي مع المرأة بوحشة وانتقاص، إلى درجة سلب روحها ومصادرة حقها الطبيعي في الحياة!

الغريب أن البعض يتشدقون باستمرار بالحديث عن تخلف وبداوة غيرهم، كما هي الموضة المنتشرة منذ فترة، والتي تحركها العنصرية والجهل، بينما نجد أن من يتهمون الآخرين بما ليس فيهم يمارسون أشكالا بدائية من التعامل الوحشي مع بناتهم وقريباتهم. أما المبرر المستخدم لوأد المرأة في هذا الزمن، كما حدث مع إسراء غريب، فهو منح رجال الأسرة حق مراقبة سلوك المرأة ومعاقبتها والتشكيك في كل خطواتها. ومن الغريب أن المؤشرات تحكي عن التعليم الجيد في أوساط المجتمع الفلسطيني وعن انحسار الأمية.

لكن مثل هذه الحوادث تشكك في تلك المؤشرات وربما تضعها في خانة الأرقام الزائفة. كما أن الواقعة التي حصلت تدل على أن الأمية الحقيقية في بعض مجتمعاتنا العربية ليست أمية التعليم، بل الأمية تطول الفكر والعقل وأسلوب التعامل مع المرأة، منذ أن تولد وحتى عبورها كافة مراحلها العمرية.

وبفعل ما يتم تناقله بين فترة وأخرى من أعمال انتهاكات ضد المرأة، لا نستطيع كعرب التباهي أمام المجتمعات المتقدمة بالماضي ولا بالحاضر، بل إن هذا الامتداد المتوحش لظلم المرأة ينفي أي تقدم في الوعي والتعليم والحداثة. وكلما صعقتنا الأخبار بجريمة اعتداء ضد أنثى، اكتشفنا أن المسافة بين البعض وبين التنوير وحقوق الإنسان لا تزال شاسعة، بل إن سنوات ضوئية لا تزال تفصل الكثيرين عن الرقي والتطور الإنساني أسوة بالشعوب الأخرى. لأن العالم الحر قام بالفعل بحسم الكثير من الإشكاليات منذ عشرات العقود إن لم نقل منذ قرون، بينما لا تزال أبسط حقوق المرأة في عالمنا العربي مصادرة، إلا في بعض الأقطار التي تجمع بين الاحترام الفطري للمرأة وحقوقها وبين التشريعات القانونية الملزمة للدولة والمجتمع بالتعامل بشكل إيجابي مع المرأة ومنحها حقوقها كاملة وغير منقوصة، بما في ذلك منع تعنيفها أو قمعها أو مصادرة حريتها وخياراتها في التعليم والزواج والحياة.

وبشأن قضية إسراء غريب، بعد وفاتها إثر التعذيب الذي تعرضت له من قبل بعض أفراد أسرتها، لاحظنا أن التعاطي الإعلامي، بما في ذلك  مواقع التواصل الاجتماعي، مع قضيتها رغم قسوة وبشاعة ما تعرضت له، ركز على القضية باعتبارها تخص فتاة واحدة هي إسراء، بينما الواقع يخفي الكثير من الحقائق والقصص المؤلمة، مما يعني أن القضاء على العنف ضدة المرأة يتطلب ما يتجاوز فتح ملف قضية إسراء بمفردها، وصولا إلى تناول الظاهرة بأكملها، وإيجاد معالجات تشريعية ومواثيق اجتماعية جديدة، من المفترض أن تنص على تجريم من يتجرأ على تعنيف أو إهانة الأنثى في كافة مراحلها العمرية، بحيث لا يحق لأحد باسم أي مستوى من مستويات القرابة العائلية أن يمارس التسلط والمشاعر العدوانية السادية على المرأة.

ما سبق يتطلب كذلك دق ناقوس الخطر وعدم تحويل قضايا العنف بكافة درجاته ضد المرأة إلى موضوعات إعلامية للتسلية فقط، وبخاصة أن تناول قضية إسراء غريب حمل في بعض التغطيات والتغريدات والمقاطع نكهة درامية تعزل الحدث عن سياقه الاجتماعي الواسع. فكان البعض منشغلا بتبرئة عائلة الضحية، إضافة إلى انتشار حالة من الإنكار ورفض التعامل مع الواقعة باعتبارها مجرد عينة تفضح ظاهرة تتكرر تفاصيلها مع اختلافات في النتائج، لكنها لا تلغي الحقيقة الصادمة، وهي أن المرأة في أجزاء من المنطقة العربية لا تزال تتعرض للظلم والقهر والاعتداءات القاسية.

اللافت أيضا أن أحد أشقاء الضحية إسراء غريب يقيم في كندا، مما دفع ناشطين إلى إرسال مخاطبات إلى الحكومة الكندية لاتخاذ إجراءات قانونية ضده نظرا لمشاركته في الاعتداء بالضرب الذي أفضى إلى وفاة شقيقته. وهناك بالفعل مهاجرون عرب في أوروبا تقبض عليهم السلطات عندما ينقلون همجيتهم المعتادة معهم إلى المهجر ويعتدون على أطفالهم أو بناتهم وشقيقاتهم، ثم تصدمهم المفاجأة، بأن هذا السلوك ممنوع ويعاقب عليه القانون.

وأخيرا فإن ما حدث للفتاة الفلسطينية المسكينة، ثم محاولة إخراج قصة قتلها بأسلوب الشعوذة، والقول إن أهلها كانوا يخرجون الجن من داخلها بالضرب، كان الهدف منه التشويش على المجتمع وصرف الأنظار عن هذه النوعية البشعة من جرائم القتل باسم الشرف والعار، بينما تبرير قتل الأنثى هو العار الذي لا يغتفر.

20