الجوائز الأدبية نافذة المبدعين الشباب للوصول إلى الجمهور

الكثير من الشباب يجدون في الجوائز الأدبية، فرصة للانتشار والوصول إلى الجمهور، كما يعتبرونها بمثابة اعتراف من المؤسسات المعنية بالثقافة بموهبتهم.
الأحد 2018/04/15
مثال عربي في الانطلاق من الجوائز العربية نحو العالمية

القاهرة – يشعر الشباب المُبدع في العالم العربي بالإحباط بسبب تجاهل المؤسسات الثقافية الرسمية والنقاد لهم، ورغم التطور الواضح في أنماط الكتابة لدى الأدباء الشُبان عن الأجيال السابقة وتميز عدد كبير منهم، إلا أنّهم يعانون من الإقصاء والتهميش مع وجود استثناءات قليلة أو نادرة.

منحت مؤسسات عربية معنية بالثقافة والإبداع نافذة أمل للأدباء الشباب للاعتراف بإبداعاتهم عبر مسابقات اكتشاف المواهب في الكتابة وتقدير التجارب الفائزة والتفاعل معها، وتصاعد الاهتمام بالمسابقات بين المُبدعين الصغار، وتولدت حالة من المُنافسة الجادة، أملا في حجز مكان لهم على الساحة الثقافية في العالم العربي.

أسماء بارزة

عِرف جمهور الأدب العربي في السنوات العشر الأخيرة الكثير من الأسماء اللامعة في عالم الكتابة الروائية والقصصية من خلال الجوائز. وسلطت ترشيحات القوائم الطويلة والقصيرة لـ جائزة الرواية العربية “البوكر” في الإمارات الضوء على جيل من المُبدعين العرب تقل أعمار مُعظمهم عن الأربعين.

وبرز اسم الكاتب العراقي أحمد سعداوي الفائز بجائزة البوكر العربية سنة 2014 عن رواية “فرانكشتاين في بغداد “، من خلال الجوائز الكُبرى، وصدرت له رواية “البلد الجميل” وعُمره 31 عاما وفازت بجائزة دبي للرواية سنة 2004. وكانت عاملا في ترجمة رواياته إلى الإنكليزية والفرنسية والألمانية ووصلت نُسخته المترجمة من “فرانكشتاين” بالإنكليزية إلى القائمة الطويلة في مسابقة “مان بوكر” البريطانية.

أحمد قرملاوي: الانطباع السائد لدى الكثير من النُقاد هو أن الشباب يحاولون محاكاة مبدعين كبار من أمثال نجيب محفوظ أو جوزيه ساراماغو أو غابريال غارسيا ماركيز
أحمد قرملاوي: الانطباع السائد لدى الكثير من النُقاد هو أن الشباب يحاولون محاكاة مبدعين كبار من أمثال نجيب محفوظ أو جوزيه ساراماغو أو غابريال غارسيا ماركيز

ويعد الكاتب الكويتي سعود السنعوسي (37 عاما)، مثال آخر، حيث لمع اسمه بعد فوزه عام 2010 بجائزة ليلى عثمان لإبداع الشباب عن روايته “سجين المرايا”، قبل أن يتوج مسيرته عام 2013 بحصوله على جائزة “البوكر”عن رواية “ساق البامبو”.

بدوره الكاتب السعودي محمد حسن علوان من مواليد 1979 فاز بجائزة البوكر العربية في الرواية عام 2017 عن روايته “موت صغير”. وكانت الأوساط الثقافية التفتت إليه عام 2013 عندما رشحت روايته ” القندس” ضمن القائمة القصيرة في مسابقة البوكر العربية.

كما كانت البوكر أيضا سببا لاهتمام النُقاد بالروائي المصري محمد ربيع البالغ من العُمر 40 عاماً عندما اختيرت روايته “عطارد” ضمن القائمة القصيرة سنة 2016.

وفتحت جوائز أخرى شهية الشباب العربي للمزيد من الإبداع، لأنها خُصصت تحديدا لهم. وتختلف شروطها نسبيا من دولة إلى أخرى وإن كان يجمعها أمران، الأول: تسميتها بأسماء مثقفين ومبدعين عرب ورجال أعمال مُهتمين بالإبداع، والثاني تركيزها على اكتشاف مواهب حقيقية من خلال معايير نزيهة وشفافة في الترشيحات. ويرى الأدباء الشباب في تلك الجوائز مُحفّزا حقيقيا لهم للحرص على الإجادة وتطوير أدواتهم وقدراتهم. كما يعتبرونها بمثابة اعتراف من المؤسسات المعنية بالثقافة بموهبتهم، فضلا عن أنها تفتح عيون النُقاد على إبداعاتهم التي لا يعرفها أحد.

تحفيز الإبداع

تتعدد الجوائز المُخصصة للشباب في العالم العربي، غير أن أبرزها في مجال الأدب هي جائزة الشيخ زايد للآداب “فرع المؤلف الشاب” وتشترط ألا يزيد عُمر المرشح للجائزة عن أربعين عاما.

وتُعد أيضا جائزة الشارقة للإبداع أحد الجوائز الهامة المُوجهة للشباب، وتشمل ستة فروع، هي: الرواية والشعر والقصة القصيرة والمسرح وأدب الطفل والنقد. وتكرر الجائزة شرط الأربعين عاما للمتسابق.

وفي كل دولة عربية جوائز تشجيعية للإبداع الأدبي من بين عدة فروع معرفية تمنحها الحكومات ممثلة في وزارة الثقافة، وإن كانت تلك الجوائز محل تشكيك متكرر من المثقفين المُستقلين عن الدولة، الذين دائما ما يرون فيها محلا للمُجاملات والمواءمات السياسية.

ويقول أحمد القرملاوي الأديب المصري الفائز مؤخرا بجائزة الشيخ زايد فئة المؤلف الشاب عن روايته “أمطار صيفية ” الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، إن “الجوائز الأدبية بشكل عام مُحفّز جيد لحركة الثقافة والإبداع الشبابية”.

سمر نور: الشباب العربي يطرح رؤاه بصور غير نمطية تناسب عصر التكنولوجيا الرقمية، ويرفض الكثير من مسلّمات الماضي في قواعد الكتابة وتابوهاتها
سمر نور: الشباب العربي يطرح رؤاه بصور غير نمطية تناسب عصر التكنولوجيا الرقمية، ويرفض الكثير من مسلّمات الماضي في قواعد الكتابة وتابوهاتها

ويرى القرملاوي، المولود في مصر عام 1978 وتخرج من كلية الهندسية سنة 2003، مُفتتحا مشروعه الأدبي بمجموعة قصصية بعنوان “أول عباس” قبل أن يصدر روايته “دوستينو”، أن تخصيص فروع للشباب ضمن الجوائز الثقافية الكُبرى ضروري لأنه يدفع النُقاد إلى الاهتمام بمبدعين صغار لم يحوزوا الاهتمام من قبل.

ويضيف في تصريحات لـ”العرب”، أن “المشروع الأدبي لأي كاتب يتطور مع الزمن، وهناك خبرات معرفية للأكبر سنا تمنحه قدرا من التميز عن أصحاب الأعمال الأولى”. من هنا فإنه يرى أنّ مشاركة الأدباء الكبار إلى جانب الصغار في مسابقة واحدة يقلل بدون شك من فرص الشباب في التحقق.

وأوضح، أنه يمارس مهنة الكتابة منذ سنوات عديدة، ولا يلقى، مثل كثير من أبناء جيله، اهتماما من النقاد بسبب ازدحام الساحة الثقافية بالنصوص وصعوبة اكتشاف مواهب جديدة بين آلاف الكُتاب.

ويقر أنّ” كبار النقاد لا يهتمون بالقراءة إلا لأسماء بعينها يعرفون تميزها”. ويضيف “إنني في الكثير من الأحيان ألتمس لهم العذر، لأن هناك أعمالا عديدة ضعيفة فنيا، وقراءة كافة الأعمال تستغرق وقتا طويلا”.

عندما أصدر القرملاوي عمله الأدبي الأول لم يجد اهتماما من الأوساط الأدبية ولم توزع مجموعته القصصية سوى 200 نسخة، وهو أمر محبط بالنسبة له، غير أن معظم الأدباء الجدد يتشاركون في ذلك.

وبخلاف مقال صغير كتبه الناقد الراحل علاء الديب قبل سنوات عن ذلك العمل، فإن أحدا من النقاد لم يلتفت للكاتب على حد قوله.

ويلاحظ البعض أنّ كتابات بعض الحاصلين على الجوائز تتغير بعد نيلهم التكريم إيمانا بأنهم تحت دائرة الضوء، ما يخالف فكر القرملاوي الذي يؤكد أنّ المبدع الحقيقي يجب أن يكون لديه الحافز الدائم للتجويد والتطور. وأشار إلى أن “القصدية في الكتابة تتعارض مع الإبداع، لذا لا أتمني أن تغير الجائزة من طريقة كتابتي”.

ويشير إلى أنّ هناك البعض من الأنماط المختلفة التي يقدمها جيله رغم أنّ الانطباع الأول السائد لدى الكثير من النقاد هو أن معظم جيل الشباب يحاولون محاكاة مبدعين كُبار من أمثال نجيب محفوظ أو جوزيه ساراماغو أو غابريال غارسيا ماركيز.

ويقول “إن هؤلاء بالطبع علامات مضيئة لنا على الطريق، لكنّ ذلك لا يعني المحاكاة والتقليد. لن يتطور الأدب ونحن ندور في فلك واحد”، مؤكدا أنّ هناك من يحرص على تقديم لغة فنية جديدة وأسلوب مغاير.

بعض أولئك الذين يعنيهم قدّموا بالفعل كتابات مغايرة في الأسلوب وطريقة السرد مثل الروائي حسن كمال صاحب روايات “المرحوم” و”الأسياد” و”نسيت كلمة السر”، والذي فاز سنة 2010 بجائزة ساويرس للشباب فرع القصة القصيرة عن مجموعته “كُشري مصر”.

مصطفى بيومي: الارتفاع بسن الشباب إلى أربعين عاما قد لا يكون دقيقا، وهناك حاجة ماسة لاكتشاف المواهب الأدبية في وقت مبكر عن ذلك
مصطفى بيومي: الارتفاع بسن الشباب إلى أربعين عاما قد لا يكون دقيقا، وهناك حاجة ماسة لاكتشاف المواهب الأدبية في وقت مبكر عن ذلك

ويحاول الأديب مصطفى الشيمي كذلك تقديم نمط متمايز في روايته “سورة الأفعى” ومجموعاته القصصية “بنت حلوة وعود” و”مصيدة الفراشات”. أما دعاء إبراهيم فتحاول اختيار موضوعات تبدو جديدة في معالجة قضايا فلسفية عن طريق الأدب، ووصلت مجموعتها القصصية “جنازة ثانية لرجل وحيد” إلى القائمة القصيرة لجائزة ساويرس في العام الماضي. كما أن الكاتب أحمد عبدالمجيد نجح سريعا في صناعة جمهور له من القراء من خلال رواياته “عشق”، “ترنيمة سلام” و”التابع”.

ولفت القرملاوي إلى أن ساحة الإبداع العربي تشهد كل يوم بزوغ نجوم مبهرة قادرة على استحداث أساليب فنية جديدة، وتقديم متعة قصصية حقيقية. المهم في رأيه أن يكون المناخ صالحا لاستيعاب هؤلاء.

تطوير ضروري

تقول الروائية المصرية سمر نور لـ”العرب”، إن الجوائز الخاصة بالشباب ضرورية لدفعهم للمزيد من التألق، لكنها ترى في الوقت ذاته أن تخصيص جوائز للأعمال الأولى قد يكون أنسب، لأنّ هناك أعمالا أولى لبعض الأدباء تعد أكثر تميزا من أعمالهم التالية، مضيفة “العمل الأول دائما ما يمثل مغامرة للأديب، ومن خلاله تظهر دلائل الموهبة الحقيقية”.

فازت سمر نور في العام الماضي بجائزة ساويرس في القصة القصيرة عن مجموعتها “في بيت مصاص الدماء”، وصدر لها مطلع العام الحالي رواية بعنوان “الست”.

وتشير نور إلى أنّ تقديم الشباب لأعمالهم الأدبية إلى الجوائز الكبرى على مستوى العالم العربي مهم، لأنهم لا يعرفون تقييما حقيقيا لإبداعهم إلا من خلال تلك المسابقات، بغض النظر عن حجم مبيعات كتبهم أو استحسان البعض لها.

وتتابع “إنّهم يقدمون أعمالهم الأدبية إلى مسابقات لا يعرفون معايير التقييم المُستخدمة فيها كنوع من الرغبة في الحصول على تقييم حقيقي لإبداعهم، وهذا يؤكد جديتهم في تعريف الوسط الثقافي بهم”.

وترى أن المشكلة تكمن أن يكتب البعض مُسبقا مستهدفين جوائز بعينها، لأن ذلك لا يؤدي إلى صناعة أدباء حقيقيين، ويحرف قضية الإبداع وتشجيعه عن مسارها الأساسي.

وتوضح “من يلجاؤن إلى ذلك يخسرون كثيرا، لكن لا يمكن إنكار أهمية الجوائز في مسيرة المبدعين، وأنّ الشباب العربي يكتب بشكل مختلف، ويطرح رؤاه بصور غير نمطية تناسب عصر التكنولوجيا الرقمية، وترفض كثير من مُسلّمات الماضي في ما يخص قواعد الكتابة وتابوهاتها”.

مغريات مادية

الكثير من الشباب المبدع مهموم بمرحلة التأسيس الحياتي
الكثير من الشباب المبدع مهموم بمرحلة التأسيس الحياتي

الناقد والروائي مصطفى بيومي كان له رأي مختلف في سر اهتمام الشباب بالجوائز الأدبية، إذ يرجع السبب الأساسي إلى العائد المادي للجوائز.

وقال بيومي لـ”العرب”، “إنّ الكثير من الشباب المبدع مهموم بمرحلة التأسيس الحياتي ماديا بما قد يشغله عن الإبداع طلبا لوظائف إضافية، وحصول هؤلاء على عائد مادي من الجوائز يدفعهم إلى التركيز في الأدب مرة أخرى”.

وأضاف “المستوى الاجتماعي والمادي للمبدع يؤثر عليه بشكل مباشر، وحسبنا أن الكثير من المُبدعين لم يلتفت إليهم أحد إلا بعد وفاتهم نتيجة مصادفات غريبة”.

ويعد الأديب أحمد خالد توفيق، مثالا حيا، فقد غادر الحياة مؤخرا، وبدأ الناس يلتفتون إلى إبداعاته عقب وفاته، وعبرت العناوين والمضامين التي كتبت في رثائه عن عمق التقدير له ككاتب ومبدع موهوب، بينما عاش طيلة حياته لا تعرفه الغالبية العظمى من الجمهور.

وفاز مصطفى بيومي سنة 1992 بجائزة سعاد الصباح للرواية عن روايته “لمحات من حياة المواطن م. ب”، وصدر له أكثر من خمسين كتابا أدبيا ونقديا. وأضاف “هناك تجدد دائم في الحركة الأدبية، والكثير من النقاد لا يهتمون بنماذج متميزة قد تكون موهوبة، إلا من خلال الجوائز”.

وأكد أن الروايات العربية تعرف طريقها إلى العالمية بعد فوزها بجوائز معروفة، حيث تلتفت دور النشر الأجنبية إلى تلك النصوص وتسعى إلى ترجمتها، لافتا إلى أن أكبر حركة لترجمة روايات نجيب محفوظ جرت بعد فوزه بجائزة نوبل في الأدب سنة 1988.

وتبدو المشكلة الرئيسية في تخصيص جوائز أدبية للشباب، في تصور مصطفى بيومي، هي نسبية تعريف الشباب، لأن الارتفاع بسن الشباب إلى أربعين عاما قد لا يكون دقيقا، وهناك حاجة ماسة لاكتشاف المواهب الأدبية في وقت مُبكر عن ذلك.

ويرى أنّ تكريم شباب في العشرينيات من عمرهم ضرورة، لأن تراكم الخبرات لدى البعض يُرجح كفة من تقترب أعمارهم من الأربعين. ويضرب مثالا على ذلك بالقول “لا يُمكن إقامة مباراة كرة قدم بين فريق تحت 18 سنة مع فريق أكبر منه سنا”.

19