الجوائز الأدبية.. هل أبرزت الأقل موهبة وعتمت على الموهوبين

كتاب عرب: الجوائز تفيد الكاتب والقارئ معا لكنها قد تفتح بابا للخداع.
الأربعاء 2018/06/20
المبدع يحتاج إلى الجوائز (لوحة: نوارا زنتاح)

هل تعتبر الجوائز بمثابة شهادات جودة تحصل عليها الروايات الفائزة؟ هل تسهم فعلا في تطوير الكتابة الروائية العربية أم أنها تسهم في تسليعها وتجذب غير الموهوبين إلى الرواية طمعا في جوائزها؟ فهناك البعض ممن يكتبون فقط من أجل المشاركة في المسابقات ويكتبون وفق مثال مسبق أو وصفة تضمن لهم الجائزة، وقد يصيبون أحيانا، فهل ثمة مواصفات خاصة يمكن أن يتبعها الكاتب لضمان فوزه بإحدى الجوائز السخية الكثيرة في الساحة العربية. وقد توجهنا بهذه الأسئلة إلى عدد من الكتاب من أجيال مختلفة.

ترصد الكاتبة سلوى بكر مفارقة بالنسبة إلى الجوائز الأدبية العربية، فرغم أنها تمثل جانبا إيجابيا إلا أنها تأتي في ظل تراجع ثقافي عام، و في إطار غياب مشروع ثقافي على المستويين العربي والإقليمي. وتنعكس تلك المفارقة على المعايير التي تحكم منح الجوائز، فهي غائبة أو على الأقل ملتبسة تماما وغير واضحة، واللجان التي تشكل من أجلها الجوائز ليست لها دائما تلك المصداقية التي تجعلها في موضع الحكم.

الأحلام والكسب

 تقول سلوى بكر “إن الجوائز الروائية عندنا وإن كانت تقليدا مهمّا وجيّدا لأفكار ثقافية منقولة عن مجتمعات أخرى تقرأ، وتعتبر القارئ فيها طرفا حقيقيا في التقييم وفي المشاركة المتعلقة بقيمة العمل الروائي، إلا أنها تأتي في ظل غياب أسئلة تتعلق بدور الثقافة في مجتمعات عربية على الأغلب تجمّل القبح السياسي للأنظمة الاستبدادية العربية”.

ومن جانبه يقول الروائي سعيد سالم “ككاتب وكقارئ مهتمّ بالأدب لا أستطيع وضع معايير أو مواصفات محددة للرواية التي تستحق الجائزة، لكني أميل إلى أن تكون رواية غير تقليدية سواء في الشكل أو في المضمون، وأن تكون لها رؤية مبتكرة وأن تكون على احتكاك حقيقي بواقع المجتمع، فأنا لست من أنصار الفن للفن، وفي مجتمع مثل مجتمعنا لا بدّ أن يكون للفن دور”.

الجوائز جيدة لكنها تظل منقوصة في ظل غياب أسئلة تتعلق بدور الثقافة في مجتمعات عربية تعاني من الاستبداد

ويعتقد سالم أن أغلب اللجان المانحة للجوائز تضع أمامها مثل هذه المعايير عندما تقرر منح الجائزة لعمل ما، وعموما فالجوائز المحترمة حسنة السمعة، في رأيه، تفيد الكاتب والقارئ معا، فهي ترفع من معنويات الكاتب وتشعره بأن المكافأة ينالها نظير جهده، والقارئ يحصل على أعمال متميزة استحقت الجائزة وتستحق القراءة.

بينما يرى الروائي إبراهيم عبدالمجيد أن القيمة المادية للجائزة تساعد الكاتب الحاصل عليها في استكمال الحياة، خاصة وأن الأدب في بلادنا لا يدرّ دخلا على الكاتب، لكن ثمة قيمة أخرى مهمة للجوائز وهي القيمة المعنوية. فأنت ككاتب تشعر حينما تحصل على جائزة ما أن هناك من يقدر عملك فعلا. ومن جهة أخرى تساعد على ترويج الكتاب وتقديمه إلى القارئ. لكن الخطر أن يكتب الكاتب فقط طمعا في جائزة أو أن تمنح الجائزة لأسباب غير أدبية.

أما القاص منير عتيبة فلا يعول كثيرا على مسألة الجوائز، بحسب رأيه، ويراها مجرد صدفة جميلة تحدث للفائز بها، ويضيف “موضوع الجوائز بالنسبة إليّ بسيط للغاية، فقد تقدمت بأعمالي في مسابقات عدة، فزت في عدد منها، ولم أفز في عدد آخر، وقمت بتنظيم مسابقات، وكنت محكما في مسابقات، وانتهيت من هذه التجربة إلى حقيقة مفادها أن المسألة ببساطة، تتمثل في لجنة تحكيم بمكان معين وظرف زمني محدد، تقرر أن تمنح الجائزة لعمل ضمن أعمال متقدمة، فماذا لو تغيّر بعض أعضاء اللجنة؟ ماذا لو تغيّر المكان أو الزمان؟ ماذا لو كانت هناك أعمال أخرى تقدمت أو بعض الأعمال المقدمة لم تقدم؟ المتغيرات كثيرة”.

الكاتبة منى الشيمي الفائزة بجوائز مصرية وخليجية عديدة لا ترى في الجوائز مؤشرا وحيدا على قدرة الكاتب على الإبداع فثمة كتّاب مجيدون لا يشاركون في المسابقات، وهي ترى أن الفوز في المسابقات لا يضيف شيئا إلى إبداع الكاتب، وإنما يؤكد على موهبته، فالمبدع يحتاج أحيانا إلى أن يكافأ ماديا عن إبداعه، ليشعر بأن جهده لم يكن هباء، وأنه لا يحرث في البحر.

وتضيف “ماذا لو اشتركت ولم أفز في المسابقة؟ سؤال سألته لنفسي عندما شاركت في مسابقة مهمة، تذكرت طه حسين عندما قال لزوجته عند شرائه شهادة استثمار سيجرى عليها السحب ‘لو لم نربح الجائزة ربحنا الأحلام‘. ولا يجب أن نغفل آراء المحكمين في الجائزة كما أنها أيضا تعيد طرح الاسم الفائز وتسويقه من الناحية الإعلامية، وتجعل للفائز حضورا على الساحة الأدبية”.

تأثير مزدوج

أما الروائي والشاعر المصري ماهر محمد نصر وكان من أوائل الفائزين بجوائز سعاد الصباح في الشعر وفي الرواية فيقول “للجائزة أثر مزدوج على المبدع فهي تمنح المبدع، ولا سيما إذا كانت خارج إطار أخطاء المحكمين، يقينا ما وثقة في الأداء والأساليب حيث يقع الكاتب تحت تأثير خبرته الناجحة في الإبداع مما يجعله يتشبث بإطار وحيد هو إطار الرواية الفائزة بالجائزة ولا يستطيع لفترة طويلة من الزمن الفكاك من سجن التجربة ما يفتح أمامه بابا لخداع وعيه وخداع القارئ بتكرار تجربة الرواية الفائزة ذاتها، والكاتب يخرج من سجن هذه التجربة بحسب قدرته على التمرد”.

الجوائز الأدبية منها ما هو مادي وعيني ومنها ما هو معنوي، ولكن في عالمنا الثالث تأثرت الجوائز بشكل سلبي

ويضيف ماهر نصر “باعتباري حصلت على عدة جوائز في الرواية والشعر دعوني أعترف أن الجوائز فتحت لي بابا لليقين والثقة لكنه أفضى إلى باب لخداع الوعي حتى استطعت التمرد، لكني ما زلت أعتز بتذكري لمعاناتي أثناء كتابة رواية ‘قال محمد الفحام‘، وإذا تساءلنا من يمنح الجائزة؟

 ينقسم مانحو الجوائز إلى مؤسسات أو أفراد، فالمؤسسات تدّعي تشجيع الإبداع في الرواية أو أي جنس أدبي وفق شروط اجتماعية محددة سلفا (تدجين الإبداع) لكنها تهدف سرا إلى الحفاظ على ذاتها كأداة اجتماعية تحاول ضبط العملية الإبداعية وفق منظومة قيم محافظة تناقض العملية الإبداعية وتحافظ في الوقت ذاته على قيم ضد طبيعة التطور والإبداع. أما إذا كان مانح الجائزة من الأفراد فإنه يهدف أساسا إلى غسيل السلطة الاجتماعية التي يمارسها ليتم تبييض الوجه والظهور بقناع اجتماعي مقبول وهذا ما يفسر احتكار الجانب الإعلامي في تلك العملية. ونادرا ما تخرج الجوائز عن هذا السياق”.

أما الشاعرة العراقية ناهد الشمري، فتعرف الجائزة في معناها اللغوي بأنها العطية أو الهبة سواء كانت مشروطة بأداء عمل أو لا، ولكن مع تعقد الحياة واتساع مجالات البحث العلمي صار لها معنى جديد فقد صارت تعني المكافأة على إنجاز إبداعي، وهدفها خلق روح المنافسة لدى المبدعين على أن تحدث فرقا من خلال تركيزها على العمل وإبراز مواطن الجمال فيه للوصول به إلى أكبر عدد من المتلقين بمعنى تسليط الأضواء بالتكريم على المبدع للدلالة عليه، وقد تعددت الجوائز فمنها ما هو مادي وعيني ومنها ما هو معنوي.

 ولكن في عالمنا الثالث تأثر نظام الجوائز والمكافآت كما كل الأنظمة مبتعدا بها عما وضعت من أجله فنجد أن لجان التحكيم والقائمين على تقييم الأعمال خاضعين للانتماءات الحزبية والفكرية والانضواء تحت لافتة المصالح المتبادلة دون النظر إلى الخبرة والموضوعية في أغلب الأحوال ما أدّى إلى إبراز الكثير ممن لا ترقى أعمالهم إلى مستوى النشر أو الانتشار وإهمال المبدعين الحقيقيين والإنتاجات التي تحمل رسائل قابلة للتأثير الإيجابي.

15