الجوائز ليست معيارا للجودة

الناقد لا يكون عادة معجبا بالفيلم بعد مشاهدته، لكنه يسعى لاكتشاف نقاط قوته التي لا وجود لها.
الأربعاء 2018/10/17
الجوائز لا تجعل من فيلم ضعيف فيلما عظيما

يعلق الكثيرون أهمية استثنائية على جوائز المهرجانات السينمائية ويبالغون كثيرا في إبراز قيمتها وتأثيرها، والحقيقة أن تأثيرها الوحيد في حالة الأفلام الأميركية والأوروبية هو فتح أسواق التوزيع أمامها.

أما بالنسبة للأفلام العربية فليس أمامها من سوق إلاّ عن طريق الإنتاج المشترك، فإذا كان الطرف الأساسي المشارك في إنتاج الفيلم هو الطرف الفرنسي مثلا (كما يحدث في حالات كثيرة) يضمن الفيلم توزيعا جيدا نسبيا وعروضا متعددة في مهرجانات السينما الأوروبية وغير الأوروبية.

غير أن الجائزة لا تكون عادة تقديرا لتميز المستوى الفني للفيلم، ففي مثل هذا القول الكثير من المغالطة، فكم من الأفلام الرديئة والضعيفة المفككة حازت على جوائز كبيرة في مهرجانات السينما الدولية الشهيرة مثل كان وفينيسيا وبرلين. ولعل أفضل مثال على ذلك حصول الفيلم الروماني “لا تلمسني” للمخرجة أدينا بنتيلي على جائزة “الدب الذهبي” في مهرجان برلين الماضي من لجنة التحكيم التي ترأسها المخرج الألماني توم تيكوير.

والفيلم يصوّر بأسلوب شبه تسجيلي، مع بعض الممثلين الهواة، موضوعا مشتتا مفككا يتعلق بالعلاقة بين الرغبة الجنسية والتلامس الجسدي، ويركز على امرأة إنكليزية تخشى الملامسة، وينتقل إلى شخص معاق وإلى نوادي الجنس والجنس المتحوّل وكل هذا في سياق مضطرب مشوش يمكن أن يمتد لساعات كاملة مع غياب تام لما يعرف في السينما بـ”البناء”.

وقد انسحب عدد كبير من النقاد والصحافيين أثناء العرض الصحافي للفيلم في المهرجان واعتبرت غالبيتهم هذا الفيلم أضعف أفلام المسابقة التي ضمت 18 فيلما، لكنه مضى ليحصد “الدب الذهبي” من واحد من أعرق مهرجانات السينما في العالم.

بطبيعة الحال وجد هذا الفيلم بعد فوزه بالجائزة، من أخذوا يبحثون عن مبررات لفوزه ولكن دون إقناع، وهو ما يمكن أن نطلق عليه “النقد بأثر رجعي”، أي أن الناقد لا يكون عادة معجبا بالفيلم بعد مشاهدته، لكنه يسعى لاكتشاف نقاط قوته التي لا وجود لها، فقط بعد فوزه بجائزة ما، لكي يثبت أنه لا يقل معرفة وإدراكا عن أعضاء لجنة التحكيم التي منحت الفيلم الجائزة، فيكتب ليطري الفيلم في عبارات إنشائية فيها الكثير من التلاعب بالكلمات ولوي عنق الأشياء. بل هناك أيضا من يتهم غيره من النقاد الذين لم يعجبهم الفيلم الفائز، بأنهم أقل ثقافة ومعرفة، فهو من الذين يؤمنون بنقاد الغرب مهما شطحوا، لأنه يشعر بنوع من الدونية أمامهم، فكيف لناقد عربي أن يشكك في ما اعتبره نقاد فرنسا الذين يقدسهم، فيلما عبقريا.

ويصل الأمر إلى ذروة العبث عندما يزعم البعض أن مدة التصفيق التي يحصل عليها فيلم ما في مهرجان ما، هي أبلغ دليل على تميزه الفني ومبررهم في ذلك ما تنشره الصحف الفرنسية يوميا عن مدة التصفيق التي تنالها الأفلام المتنافسة في مهرجان كان، في حين أن وراء هذا الاهتمام الصحافي تكمن الرغبة في الترويج لأفلام معينة.

وإذا كان تصفيق الجمهور في المهرجانات يعكس الاحتفاء بنجوم الفيلم الذين يحضرون العروض، فقد أصبح عند البعض دليلا على جودة الفيلم، بينما ظلت الجوائز المعيار الأساسي للجودة، خاصة عند حصول فيلم عربي على جائزة من مهرجان أوروبي، فالشعور بالدونية يجعل الصحف المحلية تحتفي احتفاء مبالغا فيه بالفيلم الفائز، وتحاول تصوير فوزه بالجائزة باعتباره انتصارا وطنيا.

وأحيانا يصبح خروج الفيلم دون جوائز جزءا من مؤامرة “صهيونية” مزعومة على السينما العربية، وحتى عندما يحصل فيلم عربي على جائزة فرعية صغيرة، تميل الصحافة العربية إلى اعتبارها جائزة رئيسية.

والتضليل كثير ومستمر، لكن الجوائز لا تجعل فيلما ضعيفا يصبح فيلما عظيما، والمقال الذي يطري عملا ضعيفا لن يتكفل بجعل الفيلم الرديء فيلما عظيما، بل يسيء للنقد وللسينما، والأعمال الجيدة هي التي تبقى في ذاكرة السينما بعيدا عن كل جوائز الذهب والفضة.

16