الجودة تنهار مع تراكم أطنان الملابس المستعملة في الأسواق

أصبحت تجارة الملابس المستعملة تغري كبار الشركات العالمية، حيث كانت تلك المنتوجات التي غالبا ما تجود بها الجمعيات الخيرية على بلدان العالم الثالث ملاذ الفقراء وذوي الدخل المحدود، لكن فكرة إعادة تدويرها مع خفض جودة المنتوجات عادت بقوة اليوم في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية.
الأربعاء 2017/02/08
اغراءات خارجية ونوايا تجارية خفية

إيسن (ألمانيا) – أصبحت الملابس من السلع التي تستخدم مرات قليلة ثم يلقى بها في حاويات الملابس المستعملة، حيث تشير تقديرات إلى أنه يتم فرز أكثر من مليون طن من الملابس والإلقاء بها غالبا في إحدى حاويات الملابس المستعملة.

ويضاف إلى ذلك رقم غير معروف من قطع الملابس التي يتم التخلص منها ببساطة مع القمامة في حاويات غير مخصصة لذلك، حسبما أوضح توماس آلمان، المتحدث باسم رابطة “فيرفارتونغ”، التي تضم عدة جمعيات تعمل في جمع الملابس المستعملة لأغراض خيرية.

ويرى آلمان أن “جبال الملابس المستخدمة تصبح أكبر جراء ذلك..” وأن “الناس يشترون كميات أكبر من هذه الملابس وهناك تراجع في الاهتمام بمدى جودتها”.

كما رأت كيرستن بروده، المتحدثة باسم منظمة السلام الأخضر “غرينبيس” العاملة في حماية البيئة، أن هناك تزايدا مستمرا في حجم هذه الملابس المستعملة، وقالت إن كبار تجار الملابس أدركوا هذه الحقيقة وأصبحوا يوفرون إمكانية استعادة الملابس المستعملة مرة أخرى من مشتريها، وأن أشهر مثال على ذلك في الوقت الحالي ما فعلته سلسلة محلات ملابس “إتش أند أم” السويدية التي توفر لزبائنها كوبون خصم لشراء ملابس جديدة مقابل إعادة ملابسهم المستعملة.

كما أصبح باستطاعة زبائن سلاسل ملابس أخرى مثل شركة “غلوبتروتر” للملابس والتجهيزات الخارجية إعادة ملابسهم المستعملة إلى المحال مرة أخرى.

وأصبحت الكثير من الشركات التجارية تتعامل مثل شركة “إتش أند أم” مع شركة “إكو” المتخصصة في التدوير.

وجاء في بيان لشركة “إتش أند أم” أن الشركة جمعت منذ إطلاقها هذه المبادرة عام 2013 أكثر من 40 ألف طن من الملابس المستعملة، وقالت الشركة إنها تستهدف زيادة ما تجمعه من هذه الملابس إلى 25 ألف طن سنويا.

إنتاج متزايد للملابس مع خفض الأسعار حيلة ناجحة لإلقاء المنتوجات سريعا في حاويات الملابس المستعملة في ظل الأزمة الاقتصادية

وأكدت الشركة أن الخطوة المقبلة لها هي الانتقال للمزيد من تدوير هذه الملابس، ورفضت التطرق إلى المزيد من التفاصيل بهذا الشأن.

ووصف مارتن فاسناخت من كلية الاقتصاد الخاصة “دابليو إتش يو” الألمانية أن الشركات التي ستقوم بهذه المبادرات ستلجأ لتحفيز الزبائن على المشاركة فيها من خلال التأكيد على ضرورة المساهمة في حماية البيئة، رغم أن الاتجاه الحالي يهدف بشكل أساسي إلى زيادة مبيعات الملابس الجديدة “فلقد امتلأت خزانات ملابسنا وستضطر الشركات لإيجاد دوافع لحث الزبائن على الشراء”.

غير أن منتقدي هذه الحملات يرون أن مساحة البيئة من هذه الحملات وإعادة تدوير هذه الملابس لا تزال ضئيلة، وقدرتها بروده بأقل من 1 بالمئة، وقالت إن المنافسة على الملابس الجديدة رخيصة السعر كبيرة نسبيا وأن الشركات الكبيرة للملابس ترغب من وراء هذه الحملات في ربط الزبائن بها من أجل شراء ملابس جديدة.

كما ينظر خبراء آخرون إلى هذا التطور بعين الريبة “حيث أن البضائع الجديدة رخيصة جدا إلا أنها تغري الناس بشراء المزيد من الملابس الجديدة في فترات متقاربة بشكل متزايد”، حسبما جاء في دراسة عام 2015 لرابطة “تكستيل ريسايكلينغ” لتدوير الملابس.

ورأى معدو الدراسة أن قلة جودة هذه الملابس تؤدي بالإضافة إلى ذلك إلى شراء الجديد منها بسرعة.

وأنفق الناس في ألمانيا نحو 64.5 مليار يورو عام 2015 على الملابس. ويتوقع الخبراء أن يستمر هذا الإنفاق في الازدياد.

وحسب متحدث باسم اتحاد شركات التجزئة الألمانية للملابس، فإن شركات الملابس الرخيصة هي الأكثر استفادة من ذلك، في حين أن الشركات العريقة للملابس ستواجه تراجعا في مبيعاتها.

كلما زادت نسبة شراء الملابس نقصت جودتها

وحسب بيانات رابطة “تكستيل ريسايكلينغ”، فإن نحو 4 بالمئة فقط من الملابس التي يتم فرزها واختيارها من بين الملابس المستعملة هي التي تصل إلى محلات الملابس المستعملة في ألمانيا، وأن النسبة الأغلب من الملابس المستعملة تباع خارج ألمانيا وخاصة في دول الاتحاد الأوروبي ولكن أيضا في أفريقيا وآسيا. ويراهن خبراء منظمة “أوكسفام” للتنمية على الزبائن الأساسيين في بيع الملابس المستعملة “حيث أصبح هناك الكثير من الأشخاص الذين يتعمدون شراء مستلزماتهم من الكساء من محلات الملابس المستعملة”، حسبما أوضحت فيرونيكا كوكا، المتحدثة باسم المنظمة، مضيفة ان “هذا أسلوب حياة”.

وحسب تقرير لصحيفة “الغارديان”، فإن المنظمات غير الربحية مثل “أكسفام” و”سالفايشن ارمي”، لا تمنح الملابس المستخدمة مجانا، فعندما يتخلص المتبرعون مما لا يحتاجون إليه، تقوم هذه المنظمات بإرسالها إلى الدول النامية وتبيعها للتجار، بعدها يقوم التجار بدورهم ببيع هذه البضاعة في الأسواق المحلية.

وحسب مجموعة “سواكس” الألمانية، وهي من أبرز الشركات العالمية في مجال إعادة تدوير وتسويق الملابس المستعملة على مستوى العالم، فإن 60 بالمئة من الملابس التي يتم جمعها، تكون قابلة لإعادة الاستخدام، ويتم بيعها حول العالم ومن بينها 35 بالمئة تتم إعادة تدويرها كمكونات لمنتجات أخرى.

وتعتزم الشركة افتتاح مصنع لها في إمارة الشارقة بالإمارات، منتصف العام الحالي، قالت إنه سيوفر فرص عمل لما بين 300 إلى 400 موظف.

وتطمح “سواكس” إلى تصدير 50 بالمئة من الملابس التي يتم تدويرها بالمصنع الجديد بالشارقة إلى الأسواق الأفريقية و25 بالمئة إلى أسواق شرق أوروبا، و25 بالمئة إلى أسواق الشرق الأوسط.وقد أصبحت الشارقة مركزا لإعادة تدوير وإدارة النفايات، وتقود شركة الشارقة للبيئة “بيئة”، المتخصصة في مجال تقديم الحلول المتكاملة للحفاظ على البيئة وإدارة النفايات، الجهود لتحقيق هدف الاستفادة من 100 بالمئة من النُفايات بالشارقة. وتصل نسبة النفايات التي تتم إعادة تدويرها أو إعادة استخدامها أو معالجتها إلى نحو 70 بالمئة من إجمالي نفايات الشارقة.

ومن بين رجال الأعمال العرب الأوائل الذين اتجهوا إلى تلك التجارة سميح إدعيس، الذي يعمل على إعادة تدوير الملابس المستعملة من خلال مجموعة مصانع تمتد من دبي إلى كوريا الجنوبية.

ويقول إدعيس “نقوم بإحضار الملابس المستعملة من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية ودول أخرى ويتم تبخير وتعقيم هذه الملابس قبل دخولها موانئ الإمارات، ونحصل على شهادة تبخير أو تعقيم من المورد تؤكد قيامه بذلك ومن ثم نقوم باستقبالها في الميناء”.

ويضيف أن “وزن الحاوية الواحدة يصل إلى ما يقارب 20 طنا ونوزع جزءا محدودا للغاية على بعض المحال التجارية في الشارقة وهم يفضلون الملابس غير المستعملة والتي تم شراؤها من المحال الكبرى في فترات ما بين الفصلين، حيث يتم بيعها بأسعار رمزية وتكون جديدة تماما. وباقي الشحنة يتم إعدادها هنا في المصنع تمهيدا لإعادة تصديرها إلى دول أفريقية مثل كينيا والكونغو ونيجيريا وتنزانيا والكاميرون وموزمبيق وتوغو وبعض الدول العربية التي توجد بها مناطق حرة يمكن أن تستفيد من تلك الملابس المستعملة مستغلة عدم وجود ضرائب عليها مثل منطقة بورسعيد في مصر ولبنان والأردن والعراق”.

ولا يقتصر شراء الملابس المستعملة على فئة معينة من المواطنين الفقراء، بل يقبل أفراد العائلات الميسورة أيضا على هذا النوع من الملابس، ومن بين هؤلاء الذين لا يخفون حرصهم على اقتنائها الملياردير انغفار كامبراد مؤسس شكرة “إيكيا” العملاقة في بيع الأثاث والذي تتجاوز ثروته 65 مليار يورو.

وصرح كامبراد في أكثر من مناسبة أن ملابسه عادة تكون من أسواق الملابس المستعملة. وقال إن “الاقتصاد في الإنفاق هو من شيم أبناء منطقة سمولاند”، التي ينتمي إليها، والمعروفة بكثرة فقرائها.

ملابس "البالة" الموجهة لمحدودي الدخل أصبحت اليوم تجارة تغري الشركات الكبرى

ودون حرج، خاطب الملياردير العجوز المشاهدين العام الماضي قائلا “انظروا إلي، كل ما أرتديه هو من سوق الملابس المستخدمة. وأنا أريد أن أكون قدوة وليس مجرد الحديث عن الاقتصاد في الإنفاق”. ورغم تدفق الملابس الصينية زهيدة الثمن إلى الأسواق العالمية وأيضا البلدان العربية، إلا أن تجارة الملابس المستعملة لا تزال متداولة داخل الأسواق.

وتنتشر أسواق خاصة لبيع الملابس المستعملة في أغلب البلدان العربية مثل مصر والسودان والمغرب والجزائر وتونس والعراق وسوريا والسعودية وغيرها، ويعود مصدرها إلى دول الاتحاد الأوروبي خاصة وكذلك الولايات المتحدة الأميركية.

وأبدت الولايات المتحدة الأميركية غضبها العام الماضي من اقتراح دول مجموعة شرق أفريقيا منع استيراد الملابس المستوردة، بهدف تعزيز الصناعة المحلية، وخلق فرص عمل جديدة للمواطنين.

وطرحت المجموعة المكونة من كينيا، أوغندا، تنزانيا، بوروندي، وروندا، هذا الاقتراح في شهر مارس 2016 لتجابه بمعارضة دولية ومحلية.

وأعربت ديبورا مالاك، سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى أوغندا، عن قلقها من قرار الحظر.

وعالميا تُقدر التجارة بالملابس المستخدمة بالجملة بحوالي 3.7 مليار دولار، بحسب صحيفة “الغارديان” البريطانية.

واستوردت مجموعة من بلدان شرق أفريقيا ملابس مستخدمة بأكثر من 300 مليون دولار، من الولايات المتحدة وبعض الدول المتقدمة فقط في عام 2014، وخلقت هذه البضاعة سوقا قويا يعتمد على هذه التجارة، وبالتالي وفرت عددا كبيرا من الوظائف.

لكن بعض الخبراء يرون أن هذا الكم الضخم من الملابس القادمة من الخارج دمر صناعة الملابس المحلية نظرا إلى أسعارها غير التنافسية، كما قادت البلدان التي تستورد تلك البضاعة إلى الاعتماد بشكل كبير على الغرب.

وتجد محلات بيع تلك الملابس التي عادة ما تعرف بسوق “البالة” في العديد من البلدان العربية إقبالا كبيرا، حيث يبحث الناس عن ملابس ذات “ماركات” عالمية لشرائها بثمن زهيد، ولا تزال ذات جودة عالية في ظل الأزمة الاقتصادية التي أنهكت القدرة الشرائية للأفراد خصوصا بعد ما يسمى بـ”ثورات الربيع العربي”.

وأصابت حمى الملابس المستعملة حتى أوروبا التي كانت تصدر أو تتخلص من فوائض تلك الملابس بشحنها إلى بلدان العالم الثالث، حيث دفعت الضغوط المالية العديد من المستهلكين في غرب أوروبا إلى الإقبال على متاجر تجزئة تقدم خصومات مثل “بريمارك”، لكن أقرانهم في الشرق، حيث الأجور أقل بكثير، اتجهوا إلى الملابس المستعملة.

ونمت متاجر التجزئة للملابس المستعملة في بلدان أوروبية مثل المجر وبولندا وبلغاريا وكرواتيا بسرعة، وفي ظل تباطؤ وتيرة تقارب دخول الأفراد في غرب أوروبا وشرقها استثمرت هذه المتاجر الملايين من اليورو في توسيع أعمالها.

ودفع انتعاش هذه التجارة في بلغاريا على سبيل المثال شركة “مانيا” إلى فتح متاجر جديدة في رومانيا واليونان، كما فتح متجر “هادا” الكبير في هذا المجال بالمجر ساحة تخزين بقيمة 1.6 مليون يورو لاستيعاب الطلب المتزايد. ويعد الاستثمار في الملابس المستعملة فكرة إنسانية وبيئية أيضا، حيث تساهم عملية إعادة تدويرها في الصناعات الثقيلة وتوليد الطاقة.

20