الجوع تحدّ يهدد مقومات السيادة والأمن القومي وإحلال السلام

التقلبات المناخية والصراعات والوباء صعوبات متزايدة تشل قدرة العالم على توفير الغذاء.
الاثنين 2021/01/25
الجوع والسلام خطان متوازيان لا يلتقيان

تختلف أدوات حكومات العالم في مواجهة موجة تكاثر الجياع بالنظر لعدة معايير تتعلق بطبيعة الظروف الأمنية والصراعات العسكرية وحتى التقلبات المناخية، إلا أن ثمة رأيا يتبناه ثلة من الباحثين حول محدودية الاستراتيجيات الراهنة لمعالجة هذه المشكلة، وذلك لأن مسألة توفير الغذاء لا تحظى بأولوية لدى الكثير من الدول، لأنها لم تصل إلى وعي بأن توفير الغذاء هو مسألة أمن قومي وأن ما تقدمه الدول الغنية من مساعدات للدول المنكوبة ليس إلا حلا وقتيا، وأنه يلزم إيجاد حلول مستدامة بتضافر جهود الجميع لتحقيق الهدف وهو تحقيق السلام.

واشنطن - اهتمت الدول بشكل أساسي، منذ زمن بعيد بتوفير المواد الغذائية بشكل كاف لشعوبها، وفي الكتاب المقدس، ارتقى سيدنا يوسف إلى السلطة بعد أن استطاع حل مشكلة نقص الغذاء في مصر. وقبل ذلك، ربما في عهد أسرة تشو، فقد العديد من الأباطرة الصينيين “ولاية الجنة”، أو الحق في الحكم، عندما فشلوا في معالجة المجاعات.

وخلال الحرب الباردة، أصدرت الولايات المتحدة قرارا استراتيجيا بإطلاق برامج “الغذاء مقابل السلام”، والتي أتاحت كميات أوفر من الغذاء، ومعظمها لحلفائها.

وهذه المواقف التاريخية أظهرت مدى ارتباط الغذاء بالأمن القومي، وقد ظهر هذا مؤخرا وتحديدا في التاسع من أكتوبر الماضي، عندما منحت لجنة نوبل النرويجية جائزة نوبل 2020 لرنامج الغذاء العالمي لمجهوداته في مكافحة المجاعات.

وسلطت اللجنة الضوء على العلاقة القوية بين المجاعة والحرب والسلام، كما حثّت على الإشادة ببرنامج الغذاء العالمي الذي يساعد على “تحسين الظروف لضمان تحقيق السلام في المناطق المتضررة من الحروب، وأيضا بسبب عمله كقوة دافعة في المجهودات لمنع استغلال المجاعة كسلاح لشن الحروب والصراعات”.

آفة الجوع

يرى مجموعة من الباحثين والمختصين في تقرير نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأميركية أنه حتى وقت قريب، لم يعد الغذاء مشكلة تتعلق بالأمن القومي، على الأقل بالنسبة لواضعي السياسات في الدول المتقدمة، ففي القرن الثامن عشر أدى التقدم في المجال الزراعي إلى تحويل سياسة الغذاء إلى مسألة توزيع وليس توافرا، ومنذ ذلك الوقت أصبحت مشكلة الجوع نادرة.

ويقول إيهود عيران، محاضر كبير في جامعة حيفا وباحث زائر في العلوم السياسية في جامعة ستانفورد، إنه على الرغم من أن الحروب أدت إلى تقنين الطعام وفي حالات نادرة، إلى انتشار المجاعات، كما حدث في هولندا في عامي 1944 و1945، إلا أن المجاعات بمفهومها الأوسع لم تصب الغرب بشكل عام.

الفاو تؤكد أن 690 مليون شخص يعانون من الجوع، بزيادة قدرها 10 ملايين في عام واحد، وما يقرب من 60 مليونا في خمس سنوات

وفي الوقت نفسه، عززت الشركات الدولية الكبرى، مثل نستله ويونيليفر وكارغيل وأولام إنترناشونال، التطوير المستمر منذ قرون لسلاسل الإمداد الغذائي العالمية. وبالنسبة للكثير من الغربيين، ظل الجوع مصدر قلق، ولكنه يحدث الآن في دول أخرى أو بين أكثر المجتمعات حرمانا، وبعبارة أخرى، أصبح الجوع مشكلة إنسانية في بعض الدول المنكوبة.

وربما ما يدل على تراجع أهمية القضية، عندما تم استبدال كلمة “الجوع” بعبارة “الأمن الغذائي”، وتعتقد ميكايلا إلياس خريجة ماجستير حديثة في برنامج أنظمة الأرض بجامعة ستانفورد، أنه عندما ظهر المصطلح في تقرير الأمم المتحدة لعام 1974 الصادر عن مؤتمر الغذاء العالمي، أشار في الأصل إلى توافر الغذاء من خلال الإنتاج الزراعي والتجارة.

ولكن في مؤتمر القمة العالمي للأغذية لعام 1996، اعتمدت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) تعريفا للأمن الغذائي لا يذكر الجوع بشكل صريح، لكنه كان يشير بدلا من ذلك إلى أنه يعني أن الناس لديهم “إمكانية الوصول المادي والاجتماعي والاقتصادي إلى غذاء كاف وآمن يلبي احتياجاتهم الغذائية وتفضيلاتهم الغذائية من أجل عيش حياة نشطة وصحية”. ووفقا لهذا التعريف، فإن غياب هذه الظروف يعني انعدام الأمن الغذائي.

وبشكل جزئي، حدث هذا التغيير بسبب الرغبة في الابتعاد عن مصطلح “الجوع”، باعتباره مصطلحا مشحونا عاطفيا يدعو إلى اتخاذ ردة فعل وتحميل الدولة المسؤولية الأخلاقية، ولكن، لا تزال المصطلحات الجديدة تحمل حساسية سياسية، لكن الضغط السياسي لاستبعاد كلمة “الجوع” من خطاب السياسة الغذائية استمر.

الغذاء مسألة أمن قومي

الجوع مشكلة إنسانية
الجوع مشكلة إنسانية

رغم التقليل من أهمية الأمن الغذائي كمسألة فنية أو إنسانية في المقام الأول، فإن جائزة نوبل للسلام لعام 2020، وصعود الصين، والتحديات التي تواجه الإمدادات الغذائية وسط جائحة كورونا، تظهر جميعها أن الغرب بحاجة إلى إعادة دمج الغذاء في مفهومه للأمن القومي. وقد تكون أفضل طريقة لفهم “الأمن الغذائي” هي التفكير فيه من حيث كون الغذاء مسألة تتعلق بالأمن القومي.

ويقول عيران إن العلاقات الدولية ومجتمعات الأمن القومي تحتاج إلى أن تفهم كيف يؤثر الغذاء – وعدم وجوده – على الأمن القومي. ويمكن التفكير في هذا من منظور التسلسل الهرمي للتهديدات، حيث قد يمثل التهديد الواقع في الدرجة الأولى تحديا مباشرا لإمدادات الغذاء.

وبحسب هارون تروين أستاذ مشارك في علوم وسياسة التغذية في كلية روبرت إتش سميث للزراعة والغذاء والبيئة في الجامعة العبرية في القدس، تشمل أمثلة التهديدات الحديثة سياسة “الخضوع أو التجويع” التي اتبعها نظام بشار الأسد في ذروة الحرب الأهلية السورية.

وقد يكون التهديد من الدرجة الثانية هو احتمال ظهور عدم الاستقرار الاجتماعي عندما يتم تحدي وصول الجمهور إلى الغذاء، مثل إثارة أعمال الشغب بسبب الخبز عام 1977 في مصر بعد إنهاء دعم المواد الغذائية. وقد يكون التهديد من الدرجة الثالثة هو التحديات التي تنشأ من استمرار الظروف المحدودة للوصول إلى الغذاء، مثل ضعف الحكم أو تشرد السكان.

وبغض النظر عن التفاصيل الدقيقة، ستحتاج الدول إلى إقامة معايير دولية تعزز الأمن الغذائي والتعاون، وسيتطلب ذلك عقد المزيد من الحوار بين العلماء ومسؤولي الأمن وصناع السياسات، الذين يتعاملون مع مختلف جوانب الغذاء مثل التغذية والزراعة وسلاسل التوريد.

ونظرا لأهمية وكبر حجم هذه المهمة، فستتطلب تعاون نظام الغذاء الدولي، الذي يشمل الحكومات الوطنية، ومنظمات التجارة والأغذية والزراعة الدولية، والتكتلات التجارية متعددة الجنسيات. ويعد أبرز مثال على عودة ظهور مصطلح “الأمن الغذائي” في الأمن القومي هو صعود الصين.

إيهود عيران: على الدول أن تفهم كيف يؤثر الغذاء على الأمن القومي

وقد فسرت إدارة دونالد ترامب والكونغرس أنماط السياسة الخارجية الصينية على أنها تهديد اقتصادي وعسكري وأيديولوجي. لكن يبدو أن أوراق السياسة الأميركية الرسمية تقلل من أهمية الأمن الغذائي للحكومة الصينية.

ومن منظور أن الغذاء مرتبط بالأمن القومي، قد تكون رغبة بكين في تأمين التغذية لشعبها بهذا الحجم الهائل دافعا رئيسيا لاتخاذها بعض الإجراءات التي يعتبرها البعض الآخر عدوانية، مثل شراء الأراضي في أفريقيا والاستثمار في الزراعة ومصايد الأسماك حول العالم. وفي كلتا الحالتين، كما قال العلماء، قد يغيّر صعود الصين بهذا الشكل في نظام الغذاء العالمي.

وهناك مثال آخر يشهد على أن الغذاء ضروري للأمن القومي، وهو اعتماد مجلس الأمن بالإجماع في عام 2018 للقرار 2417، والذي أدان، ولأول مرة في تاريخ المجلس، المجاعة باعتبارها شكلا من أشكال الحرب. ومن بين أمور أخرى، ذكر القرار أن النزاع المسلح له آثار مباشرة وغير مباشرة على الوصول إلى الغذاء. كما أكد على حماية المدنيين بموجب القانون الإنساني الدولي وأهمية تأمين الوصول إلى الغذاء أثناء النزاعات والحروب.

أما التهديد الثالث فهو ارتفاع عدد الجياع في العالم، حيث أظهر تقرير حديث للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، أنه من عام 1961 إلى عام 2013، زاد نصيب الفرد من الإمدادات الغذائية بأكثر من 30 في المئة. ومع ذلك، وفي السنوات القليلة الماضية، ارتفعت أعداد الناس الذين يعانون من الجوع.

وأظهر تقرير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) السنوي الصادر في يوليو الماضي، أن حوالي 690 مليون شخص يعانون من الجوع، بزيادة قدرها عشرة ملايين في عام واحد وما يقرب من 60 مليونا في خمس سنوات.

وبالإضافة إلى ذلك، ووفقا لتقرير الفاو في عام 2019، لم يكن لدى حوالي ملياري شخص إمكانية الوصول المنتظم إلى غذاء آمن ومغذ وكاف، وواجه حوالي 750 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي الشديد.

أزمة في ظل الجائحة

المساعدات الغذائية لا تكفي
المساعدات الغذائية لا تكفي

أظهرت جائحة كورونا، في البداية على الأقل، أن سلاسل الإمداد الغذائي كانت أكثر عرضة للخطر مما توقعه الكثيرون. حيث أدى الوباء إلى حدوث تقلبات في الأسعار لم تشهدها الولايات المتحدة، على سبيل المثال، منذ السبعينات.

أظهر مكتب إحصاءات العمل أن أسعار البيض المقاسة بمؤشر أسعار المنتجين ارتفعت بأكثر من 50 في المئة بين فبراير وأبريل الماضيين، ثم انخفضت بنسبة 40 في المئة في مايو.

كما ارتفعت أسعار المنتجات الحيوانية المستوردة، بما في ذلك اللحوم والدواجن، بنسبة 20 في المئة بين مارس ويونيو 2020.

وفي ديسمبر الماضي، حذرت محلات السوبر ماركت البريطانية من نقص محتمل في كميات الفاكهة والخضروات، حيث أوقفت فرنسا حركة المرور عبر القناة الإنجليزية ردا على تقارير حول انتشار طفرة جديدة لفايروس كورونا في بريطانيا.

وفي الوقت نفسه، شهدت الدول الأقل نموا ارتفاعات أكثر حدة في أسعار المواد الغذائية. وفي جنوب السودان، على سبيل المثال، ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية مثل القمح والكسافا منذ فبراير 2020 بنسبة 62 في المئة و41 في المئة على التوالي، وفي كينيا ارتفع سعر الذرة بنسبة 60 في المئة منذ عام 2019. وقد أدت هذه الزيادات في أسعار المواد الأساسية إلى تزايد عدم الاستقرار الاجتماعي.

ويشعر خبراء السياسة الغذائية والوكالات الدولية مثل منظمة الأغذية والزراعة بالقلق تجاه تأثير الوباء على تغذية الإنسان وسلامته. ومع ذلك، فإن تزايد انعدام الأمن الغذائي يمكن أن يؤدي إلى تفاقم عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، مثلما حصل في عامي 2007 و2008 عندما ارتفعت أسعار الغذاء العالمية بشكل حاد، وأدت إلى اندلاع المظاهرات في الشوارع وإثارة أعمال الشغب بسبب الغذاء في أكثر من 40 دولة.

جائحة كورونا أظهرت أن سلاسل الإمداد الغذائي كانت أكثر عرضة للخطر مما توقعه الكثيرون

ووصول مؤشر أسعار الغذاء لمنظمة الأغذية والزراعة (فاو) إلى ذروة تاريخية في عام 2011، وهو ما يكون قد ساهم في اندلاع ثورات “الربيع العربي”، حيث استخدمت سياسة التجويع من قبل الأطراف المتحاربة (نظام الأسد في الغالب) لاحتلال الأراضي وفرض السيطرة الاجتماعية.

وبشكل عام، يمكن أن يؤدي انعدام الأمن الغذائي إلى انهيار الثقة الاجتماعية، وتدمير الاقتصادات المحلية، والنزوح، وتدهور أوضاع اللاجئين.

وبالفعل، أدى نقص الغذاء المرتبط بجائحة كورونا والضائقة الاقتصادية إلى حدوث اضطرابات اجتماعية، ففي كينيا تدافعت الجموع في نيروبي أثناء تقديم الطعام في أبريل 2020، مما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة العديد. أما في بنغلاديش، قام الآلاف من عمال الملابس الذين لم يتقاضوا رواتبهم بإغلاق الطرق في دكا وطالبوا بأجورهم في أبريل 2020، قائلين إنهم يفضلون المخاطرة بالعدوى على البقاء دون طعام كاف.

كما أن تزايد الجوع وسط الوباء يمهد الطريق لتسييس المساعدات الإنسانية الحيوية. حيث أفادت المنظمات غير الحكومية في زيمبابوي، على سبيل المثال، أن الحزب الحاكم يستغل عمليات توزيع الغذاء الحكومي وسط عمليات الإغلاق بسبب فايروس كورونا لتعزيز الدعم من خلال الإمداد فقط لمن هم تابعون له، مع استبعاد المعارضة أيضا من برامج التوزيع.

ويرى كل من عيران وإلياس وتروين، أن الوباء أوضح أن الأفكار التقليدية حول الأمن القومي غير مكتملة، حيث يفهم معظم الخبراء أن الأمن القومي مشتق فقط من القوة المادية والقوة العسكرية.

لكن إدخال الطعام في طرق تصورهم للأمن القومي سيقرب العلماء وصناع السياسات من فهم الأمن البشري الفعلي، الذي لا يأخذ في الاعتبار التنافس بين الدول فحسب، بل أيضا رفاهية المواطنين وسلامتهم.

كيفية معالجة المشكلة

الغذاء مسألة أمنية
الغذاء مسألة أمنية

تحيلنا كل تلك الوضعيات إلى تساؤل جوهري مهم وهو كيف سيتم تناول معالجة مشكلة الغذاء على أنها قضية أمنية على أرض الواقع، وما هي تداعياتها على السياسة الخارجية؟

ويعتقد عيران أنه سيتم إجبار الدول والمناطق على الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من خلال إنتاج طعامها بنفسها. ومن المعروف أنه حتى الانتقال الجزئي إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي يمكن أن يضعف نظام التجارة العالمي، لكن الأمر لا يجب أن يصل إلى هذه الدرجة.

وتتمثل إحدى طرق الحفاظ على التعاون عبر الحدود في توسيع أنظمة الغذاء الإقليمية، وربما من خلال التحالفات الأمنية القائمة، مثل الناتو.

وبينما يجب أن تصبح النظم الغذائية الوطنية أكثر قوة وقدرة على الصمود، يمكن للحكومات أن تضمن بقاء طرق التجارة الدولية مفتوحة، وأن تظل العلاقات بين الدول المستوردة والمصدرة مستقرة، حيث إن قلة من الدول – إن وجدت – يمكنها إنتاج جميع المواد الغذائية التي يحتاجها شعبها بشكل مستدام.

ويعد أحدث مثال على ذلك هو التفاهم الذي توصلت إليه بريطانيا والاتحاد الأوروبي، كجزء من مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو عدم إيقاف الصادرات الغذائية.

يتطلب تحقيق المزيد من الاكتفاء الذاتي أيضا توسيع نشاط الدولة، وفق إلياس، وذلك دون الاستثمار في المعالجة البيئية، التي قد تتسبب في انهيار العديد من النظم الغذائية. يهدد تغير المناخ توافر النظم الغذائية القائمة وإمكانية الوصول إليها واستقرارها، وخاصة المحاصيل.

وتدهورت بالفعل حوالي ثلث تربة العالم، ووفقا لمنظمة الأغذية والزراعة، وإذا لم يتم اعتماد أساليب جديدة لإدارة التربة، فإن المساحة العالمية للأراضي الصالحة للزراعة للفرد في عام 2050 ستكون ربع ما كانت عليه في عام 1960.

ومن أجل معالجة الآثار الضارة للزراعة الصناعية، يتعين على الدول الاستثمار في ممارسات إدارة الأراضي، وخاصة تلك التي تحافظ على التربة.

كما أن التعامل مع الغذاء باعتباره قضية أمنية من شأنه أن يزيد مطالب جديدة على المعايير الدولية والمنظمات المسؤولة عنها. ولحسن الحظ، وبعد قرار مجلس الأمن لعام 2018، تم وضع ضمانات للوصول إلى الغذاء بالنسبة للأفراد المتضررين من النزاعات. يمكن توسيع هذه القواعد لمنع تسليح الغذاء وحتى إنشاء بند “الحق في الغذاء” في القانون الدولي.

وفي نهاية الأمر، بحسب تروين، ستعتمد هذه التغييرات على صانعي السياسات والمفكرين الذين يعيدون تصور مكانة الغذاء في السياسة الدولية لم يعد الغذاء مجرد قضية إنسانية مهمشة، ولكنه أصبح ساحة للمنافسة العالمية، كما أوضحت السياسة الخارجية للصين.

نقص الغذاء المرتبط بجائحة كورونا والضائقة الاقتصادية أدى إلى حدوث اضطرابات اجتماعية، ففي كينيا تدافعت الجموع في نيروبي أثناء تقديم الطعام، مما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة العديد

وبطبيعة الحال، فإن النظر إلى الغذاء باعتباره مسألة أمنية، بغض النظر عن التفاصيل، من شأنه أن يعقد القضية المتمثلة في تسييس المعونة الغذائية الدولية.

لكن التخلي عن الموقف الحيادي سيساعد على رؤية الحقيقة الفعلية، وهي أنه في حين أن المعونة الغذائية، من الناحية النظرية، تسترشد بمبادئ الإنسانية والحياد، إلا أنه على أرض الواقع، فإن المساعدة الإنسانية هي في جوهرها سياسية.

وعلى سبيل المثال، يشترط القانون الحصول على معظم المساعدات الغذائية الأميركية من المزارعين والمعالجين الأميركيين، وتتطلب قوانين تفضيل البضائع الزراعية شحن نصف المساعدات الغذائية على الأقل من ميناء أميركي على متن سفينة أميركية.

ومع أن الاستعانة بمصادر إقليمية عبر التحويلات النقدية من شأنها أن تقلل بشكل كبير من تكلفة المساعدات الغذائية وتجعلها أكثر فعالية، فإن التخلي عن هذه المتطلبات الأميركية قد يقلل من الحوافز السياسية للمشرعين لدعم المساعدات الأميركية وبالإضافة إلى ذلك، فإن بعض المواد الغذائية التي يتم توصيلها للدول المنكوبة ينتهي بها الأمر إلى تعزيز الأنظمة القمعية.

فمثلا، وعلى الرغم من التطلعات المحايدة للمنظمات الإنسانية، استفاد نظام الأسد باستمرار من المساعدات الغذائية التي تمولها وكالات الأمم المتحدة، مما سمح له بفرض سيطرته على الغذاء لدعم مؤيديه ومعاقبة معارضيه.

ووضع عدد من المنظمات أطرا لمكافحة انعدام الأمن الغذائي، مثل لجنة “إيت لانسيت”، والأمم المتحدة، ومنظمة الأغذية والزراعة، وائتلاف الغذاء واستخدام الأراضي. وتؤكد جميع تقاريرهم على الحاجة الملحة لتعزيز التعاون الدولي في الإنتاج الزراعي، والاستخدام المستدام للأراضي والمياه، والابتكار العلمي والتكنولوجي، والتجارة الدولية، وإنتاج الغذاء. لكن الباحثين يرون أن هذه التوصيات لن تكون كافية، حيث يتطلب إصلاح النظام الغذائي العالمي مشاركة مجتمع الأمن الدولي.

وسيحتاج قادة الدول وخبراء الأمن إلى التفاوض بشأن الاتفاقات والإصلاحات الدولية لموازنة التوترات التي تنشأ عن الحاجة إلى توفير الغذاء بأسعار معقولة للجميع، مع السماح أيضا بممارسة التجارة الحرة والمنافسة، وإدارة الملكية الأجنبية للموارد، وتأمين سبل عيش المزارعين ومصنعي الأغذية والمصدرين، وضمان إمدادات غذائية موثوقة لمستوردي ومصدري الأغذية على حد سواء.

وبعبارة أخرى، حان الوقت لتوسيع آفاق خبراء الغذاء والموكلين بحماية الأمن القومي، وهم مجتمعون نادرا ما يتفاعلون، لكنهم بحاجة إلى العمل جنبا إلى جنب حتى يتمكنوا من تمهيد الطريق لإصلاح المعايير والمؤسسات الدولية والعمل حقا نحو تحقيق الأمن الغذائي في جميع أنحاء العالم.

6