الجولاني على خطى التلّي

تُركت حلب لقدرها كما صفيت منطقة وادي بردى دون أن تتحرك الأطراف التي تقودها  تركيا لمنع ذلك، بل جاء ذلك في إطار صفقة منحت تركيا حرية الحركة لمواجهة قوات “البي يا دي” وطردها من شمالي حلب وصولا إلى منبج.
السبت 2018/08/25
العديد من الفصائل اندمجت في جيش “وطني” واحد برعاية تركية

بالأمس قام أبومحمد الجولاني أمير ما بات يعرف بهيئة تحرير الشام، جبهة النصرة سابقا، وهي في الواقع تنظيم القاعدة في بلاد الشام، بما يقوم به عادة القادة العسكريون تحضيرا للمعارك الكبرى حين يجولون على المواقع الأمامية ويشدون من عضد المقاتلين لرفع معنوياتهم القتالية، محذرا “الفصائل المقاتلة في محافظة إدلب من التفاوض مع النظام السوري والدخول في اتفاقات تسوية كما حصل في مناطق أخرى”.

ولكن الجولاني وغيره يعرف تماما أن الفصائل الأخرى قد اندمجت في جيش “وطني” واحد برعاية تركية.

 هذا الاندماج الذي يفترض أن يكون جزءا من التوافق التركي الروسي الضمني، لن يواجه النظام، على الأرجح، ولكنه سيكون ورقة بيد الأتراك حين يحين وقت الصفقات الكبرى المنتظرة.

كما يمكن أن يواجه الجولاني وتنظيمه، الذي رفض أن يحل نفسه وأن يندمج مع من اندمجوا، ضمن الصفقة نفسها التي يرجح أن تكون محافظة إدلب وأجزاء من محافظات حلب وحماة واللاذقية موضوعها الأبرز.

لقد أثبتت تجارب الثورة السورية على امتداد سبع سنوات مع نظام أردوغان في تركيا، أن مصالح هذا النظام والقوى التي تحركه وعلى رأسها الرئيس التركي، لا تتوافق مع أهداف الثورة السورية، وهي في الغالب الأعم تتعارض قطعا معها.

وكان أبرز ما سجل في هذا المجال معركة حلب وتدمير وتهجير وادي بردى، حيث ظهر جليا ومن دون أي مواربة أن الفصائل المقاتلة التي تدعمها تركيا لا تعمل إلا ما يخدم مصالح أنقرة وتستنكف، بل يمنع عليها أن تتجاوز تلك المصالح لما فيه خدمة الشعب والثورة السورية.

فقد تُركت حلب لقدرها كما صفيت منطقة وادي بردى دون أن تتحرك الأطراف التي تقودها  تركيا لمنع ذلك، بل جاء ذلك في إطار صفقة منحت تركيا حرية الحركة لمواجهة قوات “البي يا دي” وطردها من شمالي حلب وصولا إلى منبج. ثم، أتيح لها من ضمن الصفقة إياها أن تطرد قوات “البا يا دي” من عفرين ومحيطها في ما سمي معركة غصن الزيتون.

هنا يتأكد المؤكد، أن الفصائل المقاتلة السورية المدعومة من السلطات التركية التي يقودها حزب العدالة والتنمية التركي، ليست سوى أوراق بيد هذا الأخير ليحقق مكاسب معينة في إطار الاتفاق مع روسيا. ربما تكون نهايتها مصالحة فصائل الشمال مع النظام برعاية روسية وإعطاء حق إعادة إعمار حلب لتركيا، إضافة إلى ضمان عدم إعطاء الأكراد أي مكاسب جغرافية في الشمال السوري.

 وهنا يكون على جبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام أن تواجه منفردة قوات النظام السوري والطيران الروسي من جهة والفصائل المدعومة من تركيا من جهة أخرى.

ألا يدرك “الفاتح” أن مثل هذا السيناريو هو الأقرب إلى الواقع بحسب تطور الأحداث والتوافقات الدولية والإقليمية، التي أوصلت سابقا إلى بسط سيطرة النظام  على كافة المناطق الأخرى التي خرجت عن سيطرته تحت المظلة الروسية؟

وعليه، ما هو المغزى الحقيقي وراء الظهور الإعلامي لأبي محمد الجولاني في قمم جبال اللاذقية؟

إذا عرفنا أن خطابه موجه للقوى الممسكة بأوراق الصفقات، أفلا يكون الهدف الحقيقي هو رفع الثمن المطلوب لإخلائه إدلب وانتقاله إلى حيث سبقه أبومالك التلّي بعد خروجه من جبال القلمون محملا بثلاثة وعشرين مليون دولار بضمانة قطرية وبحماية من حزب الله وإلى جهة مجهولة؟ وهل تكون مهمة القاعدة في بلاد الشام قد انتهت بانتهاء الوجود المسلح للمعارضة السورية على الأرض وبإعادة بسط سيطرة النظام على كامل المناطق التي سبق للجيش الحر أن حررها لتأتي الفصائل الإسلامية التي أطلق نظام بشار كبار قادتها من معتقلاته وانضم إليها عبر البوابة التركية وبدعم قطري آلاف “الجهاديين” فتخرج علينا داعش والنصرة وما شاكلهما بمنظماتها الاستبدادية القروسطية وبمحاكمها “الشرعية” لتشكل مع قوات النظام وحلفائه فكي الكماشة التي سحقت الثورة السورية ودمرت سوريا وشردت شعبها؟

يحضرني هنا أن المئات من الناشطين في حقلي الإغاثة والإعلام على الاراضي السورية لا يزالون مختطفين لدى تنظيم الجولاني منذ سنوات. كما أنه التنظيم نفسه أودى بحياة الكثيرين منهم منذ عام 2011. فهل يوجد  من يطالب بإطلاق سراح هؤلاء الثوار الحقيقيين قبل فوات الأوان؟

 

9