الجولة الملكية في شرق أفريقيا تكملة لمشروع التوجه جنوب-جنوب

تندرج الجولة التي قام بها، مؤخرا، العاهل المغربي في رواندا وتانزانيا وإثيوبيا في إطار عقيدة الملك محمد السادس، التي تعطي الأولوية لتعاون جنوب-جنوب والنهوض بالقارة الأفريقية من خلال التعاون المتبادل بين أبنائها ودعمهم لبعضهم البعض في المحافل الدولية وفي قضاياهم العادلة؛ والطريق لتحقيق هذا التكامل يبدأ من الاقتصاد المثمر والاستثمار الجاد، وفق حديث “العرب” مع يونس بلفلاح، الباحث المغربي المختص في الاقتصاد السياسي، على خلفية الزيارة الملكية لدول شرق أفريقيا.
الجمعة 2016/10/28
البداية بأهل البيت الأفريقي

الرباط – ربط الكثير من المتابعين بين زيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس لمجموعة من دول شرق أفريقيا وقرار الرباط العودة إلى الاتحاد الأفريقي، واختصروا الزيارة في اعتبار أنها تدعم هذا التوجه؛ لكن المتابع لحيثيات السياسة المغربية الأفريقية في السنوات الأخيرة، يجد أن هذه الزيارة هي المكمل الطبيعي للزيارة التي أجراها الملك محمد السادس سنة 2013 وأخذته للسنغال والغابون وساحل العاج في جولة دامت 15 يوما .

ثم تلت تلك الجولة زيارات أخرى عديدة، لدول أفريقية، وقد أكد خلالها الملك محمد السادس أن النهوض بالقارة الأفريقية وتنميتها ومعالجة مكامن الضعف فيها لا يمكن أن يكون إلا بسواعد أبنائها، وليس من خلال انتظار الدعم الخارجي، وبيانات المنظمات الدولية ذات الأجندات.

وصاحب مختلف هذه الزيارات الملكية زخم حقيقي على مستوى تعزيز العلاقات، جسدته الاتفاقيات المبرمة في مجالات التنمية الاقتصادية والتقنية والاجتماعية والثقافية والبشرية. وكان لها عميق الأثر على نمو الاستثمارات وزيادة حجم المبادلات التجارية، وتنوعها، وهو ما يؤكد نجاح رهان العاهل المغربي على التعاون جنوب-جنوب.

التعاون جنوب-جنوب

من عاصمة رواندا كيغالي انطلقت جولة العاهل المغربي في شرق أفريقيا، والتي أخذته أيضا، إلى تنزانيا وإثيوبيا، وتُوجت بمجموعة من الاتفاقيات، التي يرى يونس بلفلاح، الباحث المغربي المختص في الاقتصاد السياسي، أنها تعود بالنفع على الجانبين، مشيرا في حوار مع “العرب” إلى أن الرؤية الاقتصادية للملك محمد السادس اهتمت كثيرا بالتوجه نحو العمق الأفريقي والتعاون جنوب-جنوب إجمالا، وخير دليل على ذلك، هو الطفرة النوعية التي يحققها المغرب في غرب أفريقيا وحضوره الوازن في العديد من القطاعات الاقتصادية.

الرؤية الاقتصادية للملك محمد السادس اهتمت كثيرا بالتوجه نحو العمق الأفريقي والتعاون جنوب – جنوب

ويشير بلفلاح إلى أن شرق أفريقيا يعتبر منطقة جاذبة للاستثمار، وحققت بعض دوله صعودا اقتصاديا هاما خلال السنوات الأخيرة؛ فتنزانيا، مثلا، تصنف حسب صندوق النقد الدولي من بين أكثر عشر دول استقطابا للاستثمارات في القارة. وتتميز إثيوبيا بحركة جوية وملاحية جيدة، فوجود ميناء مومباسا وميناء دار السلام يساعد على جلب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز المبادلات التجارية.

وتجعل هذه المميزات المنطقة محط تنافس كبير بين الدول الأفريقية على غرار مصر ونيجيريا وجنوب أفريقيا، ينضاف إليها الحضور القوي للصين وتركيا، بالإضافة إلى التواجد التقليدي لبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة؛ أما حضور المغرب، فيعتبره بلفلاح، محتشما وضعيفا مقارنة بما أنجزه خلال السنوات الماضية في الجانب الآخر من القارة.

وقال إنه إذا تم استثناء وجود بعض المؤسسات البنكية المغربية وشركات التأمين في كينيا وتنزانيا وأوغندا، إضافة إلى بعض مقاولات البناء والمناجم في مصر والسودان كان تواجد المغرب محدودا، علما أن هذه المنطقة غنية بالفرص الاقتصادية التي يمكن أن تدر دخلا كبيرا على الاقتصاد المغربي.

وينبه المغرب لهذه الفرص، فجاءت الزيارة الملكية لدول رئيسية في شرق أفريقيا لدعم الحضور الاقتصادي المغربي ليصبح موازيا للحضور القوي للمغرب في غرب أفريقيا. وسيتركّز تواجد الاستثمار المغربي بالأساس في مجال البنية التحتية، ونقل خبراته إلى دول المنطقة.

ويضيف بلفلاح أن المغرب يتوفر على خبرة اقتصادية يمكن أن تساعده على النجاح في هذه المنطقة، فالقطاع الفلاحي يشكل فرصة استثمارية، حيث تمثل الزراعة أكثر من 30 في المئة من العائد الاقتصادي لدول المنطقة، وبما أن المغرب حقق نجاحات في هذا القطاع خاصة مع ما تم إنجازه عبر مخطط المغرب الأخضر، ستكون فرصة مفيدة للطرفين، خاصة مع ما تقدمه بعض دول شرق أفريقيا من محفزات استثمارية في هذا المجال.

وحقق القطاع الخاص المغربي خلال السنوات قفزة استثمارية مهمة في أسواق غرب أفريقيا. ولا شك أن الدينامية التي تعيشها السياسة الخارجية المغربية ستدفع في اتجاه تعزيز موقع المستثمر المغربي في دول كرواندا وإثيوبيا وتنزانيا من خلال الاستثمار في قطاعات البنوك والبناء والأشغال العمومية وقطاع الإسمنت والفلاحة.

يونس بلفلاح: الحضور المغربي هام للعب أدوار جيوسياسية في القارة السمراء كلها وليس فقط في جزء جغرافي منها

تجاوز الإكراهات

في شرق أفريقيا، يرى بلفلاح أنه يمكن للمغرب أن يستثمر في قطاع الاتصالات حيث تتواجد أسواق واعدة بالجزء الجنوبي لشرق أفريقيا مع نمو ديموغرافي كبير، وأيضا قطاعات التعليم والبناء والعقارات، فالطلب على السكن يتزايد في هذه الدول وخاصة أن للمغرب سمعة طيبة في هذا القطاع مع ما حققه في الكوت ديفوار والغابون من منجزات سكنية، ناهيك عن وجود فرصة استثمارية هامة في ما يخص الطاقات المتجددة، فهذه المنطقة غنية بالطاقة الشمسية والهيدروليكية، والمغرب من الدول الرائدة في الاستثمار بهذه المجال.

ويعتبر الاستثمار في بعض دول المنطقة الأفريقية، مغامرة، في ظل تواجد صراعات مسلحة وأزمات سياسية مزمنة، بالإضافة إلى خطر الإرهاب، والتباينات في القوانين والتوجهات وحتى الأجندات السياسية؛ ولتجاوز هذه الإكراهات، يرى يونس بلفلاح، أن الشركات المغربية تحتاج إلى استراتيجيات قوية ورؤية رصينة للاستثمار في هذه الدول خاصة مع تواجد منافسة شرسة مع شركات أفريقية ودولية وتأثير بعض التوجهات السياسية.

ويضيف أن الأمر يستوجب تنظيم العلاقات التجارية والاستثمارية بين المغرب وبقية الدول الأفريقية، وتشجيع التحالفات والعمل على تمويل المشاريع الأفريقية من خلال إنشاء صندوق سيادي للاستثمار يساعد المقاولات المغربية المستثمرة بأفريقيا على تمويل حاجياتها وإنجاز مشاريعها. وسيكون لهذا التقدم الاقتصادي أثره على الأبعاد السياسية وتدعيم توجهات المغرب في سياق عودته إلى الاتحاد الأفريقي ضمن خطوة متقدمة لرؤية المغرب الجديدة لتسويق مواقفه حول حل قضية الصحراء، وتبني سياسة خاريجية متطورة تقوم على خلق توازانات وتحالفات في كل الاتجاهات.

12