الجيزة.. صداع إرهابي يؤرق أجهزة الأمن في مصر

الاثنين 2016/02/15
العيش داخل ثوابت فكرية تفضل المواجهة المسلحة.. فقط!

القاهرة- الحرب التي يخوضها الجيش المصري بهدف القضاء على الجماعات الإرهابية في أماكن مختلفة، ليست قاصرة على سيناء فقط التي تنشط فيها عناصر “ولاية سيناء” التابعة لتنظيم داعش، إنما هناك حرب شوارع خفية تخوضها الشرطة ضد الإرهابيين في مناطق محافظة الجيزة، التي تعد جزءا من ما يسمى بالقاهرة الكبرى.

منذ نجاح ثورة 30 يونيو 2013 في الإطاحة بحكم الإخوان، تحوّلت المحافظة (تقريبا) إلى صداع مزمن في رأس الأجهزة الأمنية، سواء بسبب المناطق الريفية المنتشرة على أطرافها، أو حتى الراقية التي بات اكتشاف شقق مفخخة ومخازن أسلحة فيها أمرا مألوفا. وسبب ذلك، وفق اللواء محمد نور الدين، الذي عمل ضابطا في قضايا جنائية عدة بالجيزة، يكمن في الطبيعة الديموغرافية للمحافظة التي تجمع بين الريف والحضر.

ويلاحظ أن الحوادث الإرهابية تقل تاريخيا بشدة في الأماكن الأكثر تحضّر، على غرار الدقي والعجوزة والمهندسين، بينما تزيد في المناطق العشوائية، مثل إمبابة وأوسيم والبدرشين والحوامدية وغيرها من المناطق التي يغلب على سكانها الطابع الريفي.

وقال المسؤول الأمني إن هذه المناطق بها أماكن كثيرة مهجورة. ودرج الإرهابيون على استخدامها في تخزين الأسلحة والمتفجرات، وأحيانا يجري استغلالها لتكون بمثابة ورش متطورة لصناعة أسلحة محظورة، بخلاف محافظة القاهرة التي لا تنتشر فيها أماكن مهجورة بكثافة الجيزة.

التكوين الأساسي للجماعات الإرهابية في الجيزة، يتشكل من الخلايا النائمة في القرى والمدن الجنوبية بهذه المحافظة

الجديد في تفكير أعضاء الجماعات المتواجدين بضاحية الجيزة، أنهم بدأوا يتخفون في المدن الراقية الحديثة التي يقطنها سكان من طبقات ثرية، مثل تجمعات معينة في مدينتي السادس من أكتوبر والشيخ زايد، فبإمكان أي عناصر إرهابية استئجار شقة في أي من المدينتين دون قلق من تعرضهم للرصد، لأن المعتاد عليه في هذه المناطق، أن الجار لا يعرف جاره.

وبحسب نور الدين يتشكل التكوين الأساسي للجماعات الإرهابية في الجيزة، من الخلايا النائمة في القرى والمدن الجنوبية بهذه المحافظة، خاصة في الحوامدية والبدرشين، المجاورة لمناطق الصف وأطفيح، وهي قريبة جدا من محافظة بني سويف التي ينتشر فيها بكثافة فكر جماعة الإخوان.

وشرح المسؤول الأمني لـ”العرب” كيف يمكن للإرهابي أن يصل إلى قلب الجيزة، قائلا “هناك جبل ضخم يمتد من منطقة المنيب بالجيزة إلى نهاية صعيد مصر، حيث محافظة أسوان، وهذا الجبل ليس بعيدا عن نهر النيل، ويستطيع الإرهابيون بسهولة الوصول إلى الجبل والاستقرار فيه، للتخطيط للعمليات الإرهابية، ثم النزول من الجبل إلى منطقة المنيب المجاورة لميدان الجيزة.

وأوضح أن أجهزة الأمن تراقب هذه المناطق بشكل دوري، لكن الحاصل أن الجماعات ترتكب عملياتها الإرهابية في ساعات متأخرة من الليل أو الساعات المبكرة من النهار، بعد انتهاء الأكمنة الأمنية الليلية من عملها.

الحوادث الإرهابية تقل تاريخيا بشدة في الأماكن الأكثر تحضّر، على غرار الدقي والعجوزة والمهندسين، بينما تزيد في المناطق العشوائية

بخلاف المنطقة الجبلية، هناك طريق المرازيق، الذي يربط مناطق الصف وأطفيح والعياط (القريبة من بني سويف)، بمناطق البدرشين وترسا ومركز الجيزة والمنيب. ويستطيع الإرهابيون من خلال هذا الطريق التجول في فترات المساء، وإذا فشلوا في الهرب من الأمن، يمكن لهم العبور من خلال طريق الكريمات، وهو طريق صحراوي تحيط به الجبال من كل ناحية، ويربط محافظات جنوب مصر بالجيزة.

الظاهرة ليست جديدة، كما قال ناجح إبراهيم، القيادي السابق بالجماعة الإسلامية لـ “العرب”، حيث اكتشفت الجماعات الإسلامية الأهمية الاستراتيجية للجيزة منذ أربعينات القرن الماضي، وهناك قرى سيطر عليها التيار المتشدد، لدرجة أن تنظيم الجهاد الذي ظهر في السبعينات كان يتمركز في بعض مناطق المحافظة، وتوسّع ظهور الجماعات الجهادية في الثمانينات، وبدأت عملياتها تكبر في العقدين الماضيين.

وأضاف ناجح أن جماعة الإخوان ورثت الجماعات الجهادية في السلطة المعنوية في هذه المناطق بداية من حقبة الثمانينات، وبدأت تنظيمات التكفيريين تتمدد فيها بشدة، واستمر فكرها، حتى بعد غياب الجهاديين الكبار، لكن بعض العناصر ورثت الأفكار.

وأشار إلى أن ما لا يعرفه كثيرون أن أغلب من شاركوا في اعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة، عقب عزل محمد مرسي، وجرى فضهما في 14 أغسطس 2013، كانوا من أبناء قرى مختلفة في الجيزة، ومنهم من تعرض للقتل، ما يبرر -من وجهة نظر أبناء هذه القرى- عملياتهم الحالية الهادفة للثأر من رجال الأمن، وتحديدا من كانوا في ميدان النهضة أمام جامعة القاهرة، وميدان الجيزة.

ما يزيد صعوبة العمليات الأمنية في بعض مناطق الجيزة، وتحديدا القرى المنتشرة في جنوبها الحافل بالمناطق الجبلية، أن العصبية تسيطر عليها، ما يعني أنه لا يمكن لأحد أن يبلغ عن إرهابي، سواء بالمعلومات أو حتى الإشارة، لأن لديهم ثقافة الحماية للآخر، وتمثل هذه المناطق مصدرا حيويا للتخطيط للعمليات الإرهابية.

6