"الجيش الأزرق" سلاح حركة النهضة لمحاربة قيس سعيد

حملة ممنهجة هدفها المس برمزية رئيس الدولة للامساك بزمام المبادرة السياسية.
الأربعاء 2020/04/08
ترصد كل تحركات الرئيس

تتباين الآراء في تونس بشأن كل ظهور إعلامي للرئيس قيس سعيد في ذروة تفشي وباء كوفيد-19 بالبلاد، بين من يعتقد بصدق النوايا وبين من يتهمه بـ”الشعبوية”. لكن وعلى الرغم من هذا الجدل، فإنه يوجد في المقابل إجماع لدى النخب والمتابعين للشأن السياسي التونسي حول ترصّد أنصار حركة النهضة، أو ما يعرفون في تونس بـ”الجيش الأزرق”، لكل تحركات الرئيس قيس سعيد في إطار مواصلة المعركة بينه وبين رئيس البرلمان ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي.

تونس - مثل ظهور الرئيس التونسي قيس سعيد الأحد الماضي في ثكنة الأمن الرئاسي بمنطقة قمرت في الضاحية الشمالية للعاصمة تونس، وهو يشرف بنفسه على تجميع المساعدات المخصصة للطبقات الفقيرة لمواجهة أزمة كورونا، فرصة جديدة لإثارة جدل جديد حول أدائه وأداء فريقه الاتصالي وخاصة بشأن الأطراف التي تترصد كل المناسبات لانتقاد الرئيس ومهاجمته.

وفي أعقاب ظهور وباء كورونا المستجد في تونس، توجهت الأنظار إلى الرئيس قيس سعيد -الذي شكل وصوله إلى قصر قرطاج مفاجأة- ما دفع شريحة واسعة من المراقبين، إلى طرح تساؤلات بالجملة عن قدرة الرئيس في إدارة الأزمة الصحية الطارئة.

وشكلت مواجهة كورونا أول اختبار حقيقي لرئيس لم يسبق له أن مارس الفعل السياسي، لكنه وعد الشباب الذين انتخبوه رئيسا تحت شعار “الشعب يريد” بالتغيير الحقيقي وتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية المرجوة.

وكانت توجهات وتحركات الرئيس سعيد في خضم أزمة كورونا تحت دائرة الضوء. ورغم ما اتخذه من قرارات لمواجهة الوباء بداية من إعلان حظر التجول والحجر الصحي العام ودعوته الجيش للنزول إلى الشوارع قصد مراقبة تطبيق الحظر، وصولا إلى تحفيزه التونسيين على التضامن وتقديم المساعدات الاجتماعية بصورة له أثناء إشرافه على تجميع عدد من التبرعات العينية في ثكنة الأمن الرئاسي الأحد، إلا أنه ظل في مرمى انتقادات واسعة.

عصام الشابي: الرئيس في مرمى نيران الجيش الأزرق لحركة النهضة
عصام الشابي: الرئيس في مرمى نيران الجيش الأزرق لحركة النهضة

ويعتبر مراقبون أنه وعلى الرغم من سقوط الرئيس في بعض الأخطاء الاتصالية التي تنجر عنه تأويلات كثيرة، فإن اللافت للانتباه أن أكثر الأطراف التي باتت تترصّد كل تحركات الرئيس سعيد لتوظيفها هي حركة النهضة التي يشن أنصارها حملة مضادة على رئيس الدولة في إطار تواصل معركة الصلاحيات بينه وبين رئيس البرلمان راشد الغنوشي.

وبينما يقول منتقدوه إن خرجاته الأخيرة قد طبعها شيء من الارتجال والعشوائية، حيث استند هؤلاء على ظهوره الأخير في لقطات مصورة بدون كمامة بينما مرافقوه اتخذوا الاحتياطات اللازمة لحماية أنفسهم، وهو ما يرونه قد مثل رسالة خاطئة من نموذج لا يجوز الاقتداء به، ولكن مؤيديه يشددون على أنه يسعى لطمأنة الشارع عبر التأكيد على أنه سيلبي تطلعات الشعب في حدود صلاحياته الدستورية الضيقة.

ورصدت “العرب” آراء بعض السياسيين والخبراء بشأن تقييمهم لأداء الرئيس. وقد رأى البعض أن هدف الرئيس سعيد هو بث الطمأنينة وإن أخطأ في الوسائل، مشيرين إلى ما يتعرض له من حملات ممنهجة، خصوصا من حركة النهضة المنزعجة من رصيده الشعبي.

أما البعض الآخر فيجمع على وجود نقاط ضعف عديدة في أداء الرئيس، ترجع بالأساس إلى ضعف فريقه الاتصالي ووقوعه في فخ الشعبوية بعد اكتفائه بتشخيص الواقع دون اقتراح مبادرات فعلية والمرور إلى مرحلة الحلول.

ولم يكن الرئيس قيس خلال السباق الرئاسي ضمن المربع الذهبي الذي يحظى بدعم مؤسسات الدولة أو كان مقربا من حركة النهضة المثيرة سياساتها وتوجهاتها الفكرية للجدل.

وقال الأمين عصام الشابي الأمين العالم للحزب الجمهوري إن هذه الأسباب وحدها كافية لتشويه صورة الرئيس ومحاولة إفشاله باعتبار أن وصوله إلى سدة الحكم تحدّ لما يعرف بـ”السيتستام”.

وأشار الشابي في تصريح لـ”العرب” إلى أن “الرئيس سعيد بات في مرمى نيران النخب التقليدية سواء من الدولة العميقة أو من قبل الجيش الأزرق لحركة النهضة”. ويعزو ذلك إلى أنه رئيس من خارج هذه النخب التي فشلت فشلا ذريعا في التواصل مع الشعب واستعادة ثقته فعاقبها عبر صناديق الاقتراع. واعتبر أن أطرافا سياسية بعينها تشن حملة سياسية هدفها النيل من رمزية الرئيس ومكانته.

Thumbnail

وكشفت أزمة كورونا عن نزاع على الصلاحيات بين السلطات الثلاث في البلاد. فحركة النهضة التي بدأ نفوذها يتراجع، حاولت من خلال زعيمها راشد الغنوشي الذي يرأس البرلمان، أن تنتزع زمام المبادرة منذ بدء أزمة كورونا. لكن الرئيس سعيد ندد مرارا بمحاولات النهضة الاستفراد بالمشهد السياسي، وقال إن صلاحياته خط أحمر لن يسمح لأيّ كان بتجاوزه.

وتقف حركة النهضة بحسب المراقبين وراء حملات تشويه رئيس الجمهورية على صفحاتها في فيسبوك توجسا من عزلها في المستقبل، في ظل تناغم جليّ بين الرئاسة ورئاسة الحكومة بقيادة إلياس الفخفاخ على وضع حدّ لتغوّل الحركة في الحكم.

كمال قرقوري: من الطبيعي أن تكون أبرز شخصية سياسية تحت دائرة الضوء
كمال قرقوري: من الطبيعي أن تكون أبرز شخصية سياسية تحت دائرة الضوء

ويقول الشابي “تصنف النهضة الرئيس سعيد كمنافس حقيقي لها وتعمل على محاصرة نفوذه” ويتابع “استهداف النهضة للرئيس سعيد عبر جيشها الأزرق على فيسبوك يكشف عن معركة النفوذ والرغبة في التموقع على السلطة. فالحركة تريد أن تبقى القوة الأولى وفي الموقع الأول لقيادة البلاد”.

أما كمال القرقوري الأمين العام لحزب التكتل يعتقد أن الانتقادات التي يتعرض لها الرئيس سعيد طبيعية وليست استهدافا في ظل المناخ الديمقراطي التي تتمتع به تونس من جهة، ولوصول رئيس من خارج الدائرة التقليدية إلى الحكم من جهة ثانية، ويضيف القرقوري “من الطبيعي أن تكون أبرز شخصية سياسية في البلد تحت دائرة الضوء”.

ويرى القرقوري أن رئيس الدولة حاول أن يتحمل المسؤولية منذ وصوله إلى لحكم، بما يتمتع به من دعم شعبي منذ أزمة تشكيل الحكومة إلى أزمة فايروس كورونا.

ويعتقد أن تقييم أدائه سيكون مختلفا لكونه رئيسا بعيدا عن المنظومة الكلاسيكية، وأن طريقة خطابه غير اعتيادية بالنسبة إلى المثقفين وللشارع.

وشكل توسل الرئيس سعيد للعربية الفصحى في خطاباته محل انتقاد أيضا، على عكس ما تتطلبه الأزمة حيث يريد الشعب أن يخاطبه رئيس الجمهورية بلغته العامية بشكل مباشر.

من جهته، يشير عبدالواحد المكني المحلل السياسي إلى أن “وجود حالة من الصدمة السلبية وخيبة الأمل لدى المثقفين بسبب تمادي الرئيس في الخطاب بالفصحى”. ويشرح “في الأول كان يظهر الرئيس سعيد بخطاب الفصحى في شكل جديد وطريف لكن في ظل أزمة كورونا أصبح نسبيا غير محبذ، وفي المضمون الرئيس لم يخرج عن العموميات رغم محاولاته واجتهاداته”.

عبدالواحد المكني: الرئيس سعيد يعرض نصائح دون تقديم حلول فعلية
عبدالواحد المكني: الرئيس سعيد يعرض نصائح دون تقديم حلول فعلية

ويعتقد أن “رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ قد افتك منه هذه المرة النجومية خاصة خلال مروره الإعلامي الأخير الذي كان موفقا ومس أغلب الشرائح الاجتماعية”.

ويؤكد المكني أنه مع ذلك لا يمكن التغافل عن نقاط إيجابية في خطاب الرئيس سعيد الذي كان جريئا في طرح مسائل مثل أموال رجال الأعمال والفساد والاحتكار، التي اعتبرها بمثابة “جريمة حرب”. غير أنها بحاجة إلى التطبيق حتى تبدو ذات فاعلية ومصداقية.

ويستنتج المكني “هناك نقاط إيجابية لكن لم يكن الرئيس سعيد واضحا في تبليغها وكأنه يعرض نصائح دون تقديم آليات لتفعيل القرارات وحلول فعلية”.

ولمنتقدي الرئيس رأي آخر، ففي نظرهم أن الرئيس قيس سعيد ينسى أحيانا أنه رئيس دولة فيتصرف كما لو كان أستاذا في الجامعة أو ناشطا في إحدى منظمات المجتمع المدني.

وانعكس هذا الارتباك في أداء الرئيس على اختياره فريقه الاتصالي مع اعتماده مستشارين عديدين يطعن المشككون في قدراتهم وهو ما تجلى في بيانات الرئاسة المتواترة أثناء تعليقها على المستجدات أو عرضها لأنشطة الرئيس اليومية أو من خلال موجة الإقالات والاستقالات داخلها.

وذهب البعض بالتكهن إلى أن هذا الفريق في حال واصل على هذا النسق سيكون سببا في خسارة رئيس الجمهورية لرصيده الشعبي الكبير كما أنه السبب في تعرض الرئاسة لسيل واسع من الانتقادات.

ويحذر المتابعون من دخول المشهد السياسي التونسي في معارك جديدة قد تكون لها تداعيات وخيمة على الأوضاع الاجتماعية وتفتح الباب للعودة إلى الاحتقان الاجتماعي وهو ما يكون قد أغفله الرئيس قيس سعيد الذي بدا منشغلا الآونة الأخيرة بهاجس الصلاحيات.

اقرأ أيضاً: قيس سعيد.. صدق النوايا وإخفاق الاتصال

6