الجيش التركي: هل ما زالت هناك دولة علمانية لحمايتها

المؤسسة العسكرية تفقد استقلاليتها وتصبح تابعة لمؤسسة الرئاسة وكافة ترقيات وقرارات الجيش بيد أردوغان.
الخميس 2018/07/12
دور للجيش التركي في السياسة الخارجية لأردوغان
 

قاد أردوغان بعد محاولة انقلاب 2016، عملية تطهير واسعة في الجيش، الذي كان حتى وقت قريب أحد أهم عوامل الحكم في تركيا، واستبدل أكثر من نصف جنرالات الجيش. وفي السنوات الأخيرة تمكن أردوغان من تحييد المؤسسة العسكرية ومن ثمّ ضمان موالاة كبار ضباط الجيش له. وتوج الرئيس التركي فصول خطته بسيطرته على الجيش مؤخرا، غداة فوزه في الانتخابات الرئاسية ودخول البلاد مرحلة النظام الرئاسي الذي يمنح أردوغان صلاحيات دستورية غير محدودة ستمكنه من تعزيز سيطرته بشكل كامل على القوات المسلحة، التي أعلن في أحدث قرار له أنه قد ينزع عنها استقلاليتها بحيث تصبح تحت سلطة وسيطرة وزارة الدفاع التي يعين الرئيس وزيرها

إسطنبول (تركيا) – أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه قد يدرج الجيش التركي تحت سلطة وزارة الدفاع، التي عين على رأسها الجنرال خلوصي آكار، أحد أقوى حلفاء أردوغان، الذي أعلن ولاءه للرئيس التركي خلال المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قادها الجيش في يوليو 2016، وقاد العمليات العسكرية التركية ضد الأكراد.

وذكرت قناة سي.أن.أن ترك التلفزيونية الخاصة أن أردوغان أدلى بهذا التصريح وهو على طائرته في الطريق إلى بروكسل لحضور قمة حلف شمال الأطلسي، الذي يعد الجيش التركي ثاني قوة فيه.

ويحمل تصريح أردوغان الكثير من الدلالات والرسائل بعضها يرتبط بتوقيت الإعلان، الذي جاء عشية لقاء أردوغان بحلفاء الناتو، ووسط قلق دول الحلف من تأثير الموقف الأميركي على مستقبل الناتو وقدراته الدفاعية.

ورسالة أردوغان في هذا الصدد موجهة أساسا إلى الدول الأوروبية حيث تمر العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي بفترة صعبة خصوصا منذ محاولة الانقلاب على أردوغان في يوليو 2016، مع قيام أنقرة مذاك بحملة تطهير واسعة، ما يثير قلق بروكسل.

وبين طيات عملية الانقلاب الفاشلة والحملة التي أعقبتها تكمن الرسائل الداخلية ودلالات تحويل الجيش التركي، الذي قاد الجمهورية التركية الحديثة، منذ أسسها مصطفى كمال أتاتورك بقبضة عسكرية متينة. وقاد الجيش على مدى أكثر من نصف قرن الكثير من الانقلابات، وضع إثرها حكومات وأسقط أخرى.

لكن، فتح انقلاب صيف 2016 الفاشل  الباب واسعا لتصفية الحسابات بين المؤسسة العسكرية والرئيس رجب طيب أردوغان وبطريقة شرعية وقانونية فرضتها حالة الطوارئ في البلاد.

كان أردوغان في حاجة ماسة إلى هذه العملية الانقلابية التي ختم فصول تداعياتها بفوزه في الانتخابات الرئاسية، ودخول البلاد رسميا للنظام رئاسي بسلطات مطلقة ليكمل أردوغان مهمة تصفية الجيش من غير الموالين، وقد فصل وحاكم منذ المحاولة الانقلابية الآلاف من الجنود والضباط.

هانا لوسيندا سميث: أردوغان يتخذ إجراءات سريعة لإحكام قبضته على الجيش
هانا لوسيندا سميث: أردوغان يتخذ إجراءات سريعة لإحكام قبضته على الجيش

ودخل حيّز التنفيذ الثلاثاء، مرسوم رئاسي يقضي بأن يقرر الرئيس الترقيات والتعيينات في قيادة الجيش.

وكانت الترقيات وفق النظام البرلماني السابق، تتم من قبل مجلس الشورى العسكري الأعلى، الذي يلتئم برئاسة رئيس الوزراء (منصب جرى إلغاؤه بموجب النظام الرئاسي)، ويصادق عليها رئيس الجمهورية.

ونشرت الجريدة الرسمية، المرسوم الرئاسي المتعلق بإجراءات التعيين في المؤسسات والهيئات العامة، وبتعيين المديرين العامين رفيعي المستوى، الذي تضمن تعديلات في ما يتعلق بالترقيات والتعيينات في القوات المسلحة.

ووفق التعديلات، ستتم ترقيات الضباط في عيد النصر الموافق 30 أغسطس من كل عام، مع إمكانية تحديد موعد مختلف من قبل الرئيس. وبذلك تدخل الترقيات من رتبة العقيد إلى عميد، ومن لواء إلى رتبة أعلى، ضمن صلاحيات رئيس البلاد. وبموجب ذلك يجري تعيين رئيس الأركان من بين قادة الجيش الذين يحملون رتبة فريق أول.

ينصب تركيز أردوغان بدرجة كبيرة على تغيير عقيدة الجيش وإلغاء الدور الذي لعبه في حماية العلمانية كقوة توازن مستقلة ومنافسة في آن واحد ليصبح تابعا لمؤسسة الرئاسة.

وتشير الكاتبة في صحيفة التايمز، هانا لوسيندا سميث، في مقال بعنوان “أردوغان يتخذ إجراءات سريعة لإحكام قبضته على الجيش”، إلى أن  الرئيس التركي استخدم أول مرسوم له لتعيين رئيس جديد للجيش، ضمن سلسلة من القرارات المتلاحقة في أول يوم من فترته الرئاسية الجديدة.

وتقول سميث إنه تمت ترقية الجنرال يسار غولار، رئيس القوات البرية، ليتولى منصب رئيس أركان الجيش، خلفا للجنرال خلوصي آكار، الذي تم تعيينه وزيرا للدفاع. وترى سميث أن الإجراءات الجديدة تأتي لإحكام سيطرة أردوغان على الجيش، الذي مثل أكبر تهديد لسلطته منذ أن تولى رئاسة الوزراء عام 2003.

وتقول إن الجيش كان ينظر إلى نفسه على أنه حامي العلمانية التي أرسى دعائمها كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة. وأطاح بأربع حكومات سابقة اعتبرها تنجرف بالبلاد صوب التوجه الإسلامي.

ويرى الخبراء أن الصيغة المقترحة للنظام في تركيا بعد تفكيك الجيش تقترب من الصيغة المعمول بها في روسيا تحت إدارة الرئيس بوتين حيث يتحول الجيش وأجهزة المخابرات إلى أداة أولى في السياسة الداخلية والخارجية للرئاسة، وإيقاف اعتبارها قوة موازية أو منافسة. ويقول الكاتب في موقع أحوال تركية عمر تاشبنار، إن أردوغان يحلم بجيل أكثر تدينا (وأقل اتباعا للحركة الكمالية) في الجيش. وقد تشكل نسخة إسلامية جديدة من الحركة الكمالية تستهدف الأكراد والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومنظمة فتح الله غولن الأرضية المشتركة المنشودة بين الطرفين.

وليس من المستغرب، وفق تاشبنار، أن يقبل ضباط الجيش الكماليون، بعد تحالف القوميين مع حزب العدالة والتنمية، الانخراط في هذه الخطة حيث أن استهداف هذه القائمة من الأعداء سيحظى بتأييدهم المطلق.

ويرى الباحث التركي أن أردوغان والجيش وجدا منصة مشتركة، وقد تقوم علاقة جديدة بينهما مبنية على المصلحة ومن المرجح أن تدوم لفترة من الوقت. وعلى المدى الطويل.

6