الجيش التونسي يتعهد بحماية الانتخابات من تهديد الإرهابيين

الجمعة 2014/10/24
كافة أفراد القوات المسلحة مجندون لتأمين الانتخابات

تونس - ضمن ملفها الخاص بالاستحقاق الانتخابي في تونس استطلعت صحيفة “العرب” آراء ثلة من الخبراء في المجالين العسكري والأمني للوقوف على أهم نقاط القوة والضعف في الخطة التي وضعتها وزارة الدفاع لتأمين الانتخابات التشريعية في البلاد وإفشال المخططات الإرهابية والتخريبية الهادفة إلى ضرب المسار الديمقراطي في تونس.

أعلنت وزارة الدفاع التونسية وضع الجيش في حالة تأهب تحسبا لأعمال “إرهابية” محتملة خلال الانتخابات التشريعية المقررة، الأحد المقبل.

في هذا السياق، قال الناطق الرسمي باسم الوزارة المقدم بلحسن الوسلاتي: “عززنا منذ أكثر من شهر من تمركز قواتنا داخل البلاد وعلى الحدود تحسبا لأي طارئ ووضعنا تقريبا جميع الاحتمالات”.

وأضاف أن “الخطر الإرهابي موجود والعناصر الإرهابية موجودة وأكيد أنها تخطط لعمليات ما”. وتابع أن “وحداتنا منتشرة في الجنوب التونسي لتؤمن التراب الوطني”.

وبخصوص تعداد قوات الجيش التي ستؤمن الانتخابات، قال الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع، إن “كافة أفراد القوات المسلحة مجندون لتأمين الانتخابات” من دون إعطاء أرقام. وأفاد بأنه تم استدعاء جيش الاحتياط “وإدماجه ضمن مختلف التشكيلات العسكرية المكلفة بتأمين الانتخابات”، و”وضع تشكيلات في مناطق مختلفة على أهبة التدخل برا وجوا وبحرا لتعزيز العناصر المكلفة بتأمين مراكز الاقتراع أو للتدخل لفائدتها”.

وأوضح الوسلاتي، أنه سيتم أيضا تأمين المقرات الرئيسية للهيئة العليا المستقلة للانتخابات بالعاصمة وهيئاتها الفرعية، إضافة إلى المخازن الرئيسية والمحلية ومراكز الاقتراع والتجميع والفرز بكل الدوائر الانتخابية في الداخل التونسي.

وتابع المتحدث العسكري: “وضعنا تشكيلات في مناطق مختلفة على أهبة التدخل برا وجوا وبحرا لتعزيز العناصر المكلفة بتأمين مراكز الاقتراع أو التدخل لفائدتها بمشاركة وحدات من جيش الاحتياط بعد إعادة تأهيلها”، ولم يعط رقما محددا لهذه التعزيزات.

ويتكون الجيش التونسي من “نحو ستين ألف رجل بما في ذلك جنود الاحتياط”، حسبما أعلن في مايو 2013 العميد مختار بن نصر وكان وقتها ناطقا رسميا باسم وزارة الدفاع.

رفيق الشلي: استدعاء جيش الاحتياط، نتيجة طبيعية لحجم الاستحقاق

وقال وزير الداخلية في وقت سابق في تصريح لوسائل إعلام محلية، إن أجهزة الأمن “أحبطت مخططات إرهابية تتمثل في تفجيرات بواسطة سيارات، اغتيالات، تفجيرات لمصانع، استهداف لسفراء وغيرهم، بفضل عمليات استباقية تقوم بها أجهزة الأمن والجيش”.

وأعلنت وزارة الداخلية أنها ستنشر 50 ألف عنصر أمن يوم الاقتراع لتأمين الانتخابات التشريعية.

وكانت تونس قد شهدت في سنة 2013 أزمة سياسية حادة إثر اغتيال اثنين من قادة المعارضة، شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وقتل عناصر من الجيش والأمن في هجمات نسبتها السلطات إلى جماعة “أنصار الشريعة بتونس”.

وتلاحق السلطات التونسية منذ 2012 على الحدود مع الجزائر مجموعات مسلحة تُتهم بالضلوع في عمليات إرهابية أسفرت عن مقتل أمنيين وعسكريين، إضافة إلى اغتيال سياسيين بارزين (شكري بلعيد ومحمد البراهمي) عام 2013.

وفي هذا الصدد قامت “العرب” باستطلاع آراء ثلة من الخبراء في المجالين العسكري والأمني للوقوف على أهم نقاط القوة والضعف في الخطة المذكورة، ومدى قدرتها على إفشال المخططات الهادفة إلى ضرب المسار الديمقراطي في تونس.


الأعمال الإرهابية خفتت


العميد المتقاعد بجيش البحرية التونسي حسين بزاينية قال لـ”العرب”، إن الخطط الأمنية التي أقيمت لتأمين الانتخابات تطرح أكثر من تساؤل حول إمكانية تأثيرها على باقي المهمات المنوطة بعهدة القوات المسلحة وخاصة المتعلقة منها بحفظ الأمن العام ومواجهة التهديدات الإرهابية ومراقبة الحدود وغيرها.

ولا يعتقد بزاينية أن عمليات إرهابية مماثلة قد تجدّ بتونس قبل إجراء الاستحقاق الانتخابي قائلا: “المجموعات الإرهابية في تونس على ارتباط وثيق بأحزاب الإسلام السياسي بصفة عامة وبالإخوان المسلمين بصفة خاصة وأن هؤلاء ليس من مصلحتهم في الوقت الراهن نسف العملية الديمقراطية وهم بصدد انتظار ما ستسفر عنه النتائج”.

وأضاف، “الحركات المتشددة تنقسم في تونس إلى أكثر من جناح، يجنح بعضها إلى ممارسة التشدد وإرهاب المواطنين، فيما يعمل طرف آخر على ترويج خطاب معتدل يتم ترويجه للاستهلاك الداخلي والخارجي للإيهام بقيامهم بمراجعات فكرية وتخليهم عن التشدد سبيلا للوصول إلى السلطة”.

وأشار بزاينية إلى أن “نتائج الانتخابات القادمة ستكون مصيرية لتونس وأن الإرهابيين سيتلقون أوامر بالتحرك وضرب المسار الديمقراطي في حالة لم تكن النتائج كما تنتظرها حركات الإسلام السياسي”.

تصميم التونسيين على نجاح الانتخابات ينسف مخططات المتشددين

وقال إن “وتيرة الأعمال الإرهابية قد خفتت في تونس منذ أن تشكلت إرادة سياسية قوية لقطع دابر هذه الظاهرة الخطيرة، إذ حدث نوع من التهاون إزاء الظاهرة في فترة حكم الترويكا (ائتلاف حكم تونس وقادته حركة النهضة الإسلامية)”.

وتابع بزاينية، في حواره مع “العرب”، قائلا إن “حركة النهضة تحاول ترويج خطاب معتدل في المنابر المحلية والخارجية للإيهام بتخليها عن مناهج العنف، لكن توجهاتهم في هذا المضمار بادية للعيان وهي موثقة بشدة في أدبياتهم”. وأضاف، “عمليات التنسيق الأمني والاستخباراتي مع الجانب الجزائري بدأت بإعطاء ثمارها وتناقصت وتيرة العمليات الإرهابية منذ رفع الإخوان يدهم عن السلطة”.


رسائل طمأنة


من جهتها قالت بدرة قعلول، رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية بتونس، لـ”العرب”، إن “الخطة الأمنية المشتركة بين القوات التونسية المسلحة تأتي كرسالة طمأنة واضحة للتونسيين قبيل موعد الانتخابات، وقد جاءت كرد طبيعي إزاء المخاوف التي أبدها جزء كبير من الشعب التونسي من إمكانية حدوث عمليات تفجير داخل مراكز الاقتراع”.

ولم تستبعد قعلول إمكانية حدوث عمليات إرهابية تزامنا مع الاستحقاق التشريعي، وألمحت إلى إمكانية حدوث عملية اغتيال سياسية جديدة تكون بمثابة نسف للمسار الديمقراطي.

وأبدت رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية تخوفها الكبير من إخلالات تصاحب الخطة الأمنية المشتركة التي تم إعدادها وأبرزها التركيز على تأمين النقاط الساخنة خاصة الحدودية مع ليبيا والجزائر وإهمال المدن، مشيرة إلى تعويل المتشددين بصفة كبيرة على نقاط الضعف في هذه الخطة، خاصة وأن العناصر المتطرفة التي تتمتع بروح مبادرة عالية، حسب تعبيرها، قد تستغل انشغال القوات المسلحة بتأمين الحدود وتتحيّن الفرصة للضرب بقوة داخل المدن.

وأشارت قعلول إلى أن الجماعات المتطرفة في تونس ترتبط بطرفين، أولهما تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي والجماعات المتشددة إقليميا، وثانيهما بعض الأحزاب السياسية النافذة في تونس (إسلامية)، موضحة أن نتائج الانتخابات التي قد لا تروق لبعض الأحزاب التي قد تحرك خيوط هذه الظاهرة الخطيرة مجددا.

وأوضحت قعلول أن ما ينسف المخططات المتشددة في تونس هو الاصطفاف الشعبي الكبير وراء قواته المسلحة، وهو ما تبيّنه نتائج سبر الآراء المتواترة في الفترة الأخيرة.

50 ألف عنصر أمن سيتواجدون يوم الاقتراع لتأمين الانتخابات التشريعية


استدعاء جيش الاحتياط


وفي سياق الحديث عن الخطة الأمنية التي أعلنتها الأجهزة الأمنية التونسية، يرى رفيق الشلي، المدير العام السابق للأمن التونسي والكاتب العام الحالي لمركز تونس لدراسات الأمن الشامل، أن الخطة ضرورية وجاءت بعد تواتر عدد من التحذيرات بدءا من شهر سبتمبر المنقضي. وأضاف الشلي، أن تلك الخطة ستسهم في مزيد إحباط مخططات المتطرفين التي ترمي إلى إبقاء سلطة الدولة ضعيفة ونفوذها محدودا لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب على الأرض.

وأشار المدير العام السابق للأمن التونسي إلى أن توحيد القيادة بين الحرس (الدرك) والجيش والشرطة من شأنه أن يعزز سيطرة الأجهزة الرسمية على مختلف المناطق، مضيفا أن استدعاء جزء من جيش الاحتياط نتيجة طبيعية نظرا لحجم الاستحقاق التي ستخوضه تونس.

وتعدّ هذه المرة الثانية، بعد ثورة 14 يناير، التي تقوم فيها وزارة الدفاع في تونس باستدعاء قسم من جيش الاحتياط؛ وعلّق الشلي على ذلك قائلا، إن “الحاجة إلى عدد أكبر من العناصر هي التي حدت بالوزارة إلى القيام بهذا الإجراء على غرار ما حدث في انتخابات 23 أكتوبر”.

وأشار إلى المنطقة المغلقة بمحافظة القصرين والمنطقة العازلة على الحدود مع ليبيا، وأن تأمين الانتخابات “قد عجل باتخاذ هذه الخطوات”.

وأشار الشلي إلى أن الوحدات التونسية المسلحة كانت قد كشفت في الفترة الأخيرة العديد من العمليات الإرهابية، منها تهريب أسلحة من ليبيا التي تعاني من اضطراب أمني غير مسبوق، إضافة إلى كشفها عن مخططات لضرب منشآت حيوية، وهو ما اعترفت به وزارة الداخلية التونسية منذ أيام. ونبّه في ختام حديثه مع “العرب” إلى ضرورة توخي الحذر خاصة فيما يتعلق بإمكانية حدوث عمليات إرهابية داخل المدن تزامنا مع تضييق الخناق بصفة كبيرة على العناصر المتوارية في المرتفعات على الحدود مع الجزائر، وذلك لتخفيف الحصار عنهم.

12