الجيش الجزائري في دائرة الأزمة السياسية

الثلاثاء 2014/02/18
الأزمة تهدد بخلق توتر بين القيادات العسكرية والسياسية

الصخب الذي أثاره الرجل المريض عبد العزيز بوتفليقة حول الترشح لولاية رابعة جعل المشهد الجزائري يفتح على أبواب أزمة سياسية خطيرة مست هذه المرة المؤسسة العسكرية قبل شهرين من الانتخابات الرئاسية. ويذهب محللون إلى أن هذه هي المرة الأولى التي تخرج فيها صراعات المؤسسة العسكرية للعلن مهددة بنشوب حالة من التوتر والتجاذب بين قيادات سياسية وعسكرية لها أجندات مختلفة وقراءات متباينة للواقع السياسي الذي تعيشه الجزائر في الآونة الأخيرة. وقد تجاوز العداء والصراع كما تشير بعض التقارير الإعلامية بين القيادة العليا للجيش وجهاز الاستخبارات وهما ركيزتان أساسيتان للمؤسسة الأمنية الجزائرية، إطار الانتخابات الرئاسية والترشيح المحتمل لبوتفليقة.

ويرى البعض أن حزب التحرير الوطني بعيش منذ سنتين تقريبا صراع أجنحة، وقد ساهم اقتراب موعد الانتخابات 17 أبريل في زيادة احتدامه. الصراع السياسي والاتهامات الموجهة للجيش جعلت العديدين يشيرون إلى الدور الذي يلعبه بوتفليقة وتوظيفه لحاشيته، حيث يقر الجنرال حسين بن حديد، بوجود صراع بين مؤسسة الرئاسة والمخابرات التي هي جزء من الجيش. ونعرض هنا موقفين من المسألة الأول لعمار سعداني الأمين العام لـجبهة التحرير الذي يرى أن رئيس جهاز الاستخبارات بالجيش يقوم بحملة تشويه ضد المقربين من بوتفليقة لمنعه من الترشح لولاية رابعة، والثاني للويزة حنون زعيمة حزب العمال الجزائري التي تذهب إلى أن هناك هجمة شرسة ضد مؤسسة الجيش ومحاولة زعزعة استقرار الجزائر.

سعداني: الجيش يقف وراء تشويه صورة المقربين من بوتفليقة


جهاز الاستخبارات وراء حملة الفضائح والأكاذيب


يرى عمار سعداني أن جهاز الاستخبارات في الجيش هو من يقف وراء حملة تشويه المقربين من بوتفليقة وبذلك إحداث بلبلة في مسألة ترشحه لولاية رابعة.

ويتهم الأمين العام لـجبهة التحرير رئيس جهاز الاستخبارات محمد مدين المعروف بـ“توفيق” بوقوفه وراء حملة فضائح وأكاذيب في الأوساط المقربة من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بهدف منع الأخير من الترشح لعهدة رئاسية رابعة.

ويذهب عمار سعداني إلى أن “توفيق” بحكم صلاحياته غير مؤهل للحديث عن ترشح الرئيس الجزائري، وعليه فإنه مطالب بالحد من التدخل في شؤون حزب جبهة التحرير. و حول “نفوذ” سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري في هرم السلطة، يرى سعداني أن ذلك مجرد كذب، معتبرا أن جهاز الاستخبارات دائما يطلق شائعات بشأن الأوساط المقربة من الرئيس، وأن كل من هم ضحية هذه الشائعات هم من المقربين من الرئيس، مستشهدا بوزير الطاقة السابق شكيب خليل المدان في قضية فساد.

ويرى سعداني أنه جرت العادة في الجزائر على فبركة فضائح كلما أردنا التخلص من رئيس ما. وفي رأيه بوتفليقة يمثل ضمانا للجزائر بالنظر إلى محاولات زعزعة أمنها لاسيما في الجنوب (صحراء الجزائر) وعلى الحدود، والتي وراءها أياد خارجية وجزائرية.

ويعتقد الأمين العام لـجبهة التحرير الوطني أن “توفيق” كان لابد أن يستقيل بعد إخفاقاته الكثيرة، قائلا إن الاستخبارات فشلت في حماية الرئيس محمد بوضياف المغتال في 29 يونيو 1992، وعبد الحق بن حمودة الأمين السابق لنقابة العمال، الذي قتل في يناير 1997، ورهبان تبحرين الذين خطفوا وأعلن عن اغتيالهم في مايو 1996، كما أنها فشلت في حماية المنشآت النفطية في الجنوب” (صحراء الجزائر) وموظفي الأمم المتحدة بالجزائر، ضحية اعتداء على مقرهم في يناير 2007.

كما يذهب إلى أن الاستخبارات فشلت أيضا في حماية الرئيس (بوتفليقة) في باتنة، في سبتمبر 2007 عندما تعرض لمحاولة اغتيال في هذه المدينة الواقعة شرق البلاد. موضحا أنه حينما يتحدث عن جهاز الاستخبارات الجزائرية إنما يخص بالذكر قسم الأمن الداخلي (علما أن الجهاز يضم أيضا قسمي الأمن العسكري والأمن الخارجي) والذي يقول إنه “يتدخل في شؤون العدل والأحزاب السياسية والإعلام”.

ويدعو سعداني من خلال جل تصريحاته الى إيثار المصلحة العليا للأمة على المصالح الشخصية والتخلص من الرؤى الضيقة والتفكير أساسا في مصلحة البلاد وأبنائها، ويؤكد أن ترشح عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رابعة ضمان لاستقرار البلاد و مؤسساتها، وأن هذا الترشح يضمن للجزائر مواصلة مسيرتها نحو الرقي و الازدهار. وأن مساندة جبهة التحرير الوطني لترشح عبد العزيز بوتفليقة نابعة من يقينها بأنه المرشح القادر على ضمان استقرار وأمن البلاد، مضيفا أن تشكيلته السياسية مقتنعة بهذا الخيار ومتيقنة من صواب قرارها. ويرى أن المعارضين لعهدة رابعة للرئيس بوتفليقة سيصابون بصدمة يوم الاقتراع أمام الدعم والمساندة الشعبية اللذين يحظى بهما الرئيس بوتفليقة.

حنون: سعداني يقود هجمة شرسة تستهدف المؤسسة العسكرية


محاولة زعزعة استقرار الجزائر


تذهب لويزة حنون إلى أن هناك هجمة شرسة ضد مؤسسة الجيش ومحاولة زعزعة استقرار الجزائر والسعي إلى وضعها تحت الوصاية الدولية، مشيرة بذلك إلى تصريحات عمار سعداني.

وترى لويزة أن سعداني هو المنفذ الوحيد للهجوم العنيف ضد مؤسسة الجيش، محيلة الأذهان على الاتهامات التي أطلقها الأمين العام لحزب جبهة التحرير للأفلان بشأن ما اعتبره تقصيرا في تجنيب الموقع الغازي تيقنتورين الهجوم الإرهابي. وتعتقد حنون إن تحميل الجيش هذه الاتهامات معناه تبييض الإرهاب المحلي وذلك يعرّض مسؤولي الجيش على رأسهم قائد الأركان للمحاكمات الدولية، أي تعريض كل المسؤولين الذين كافحوا الإرهاب للمحاكمة الدولية.

وبخصوص الأحداث السياسية ورسالة بوتفليقة، قالت لويزة في اجتماع الدورة غير العادية للمكتب السياسي لحزب العمال، إن رسالة عبد العزيز بوتفليقة جاءت في وقتها المناسب أي في ظرف يطبعه التحامل على مؤسسات الجزائر الدستورية بغرض إضعاف مكانتها في الخارج وتوفير مبررات التدخل الخارجي قصد الابتزاز.

وتذهب حنون إلى أنها هي من كانت وراء خروج بوتفليقة عن صمته في مؤتمرها الصحفي الأخير وكشفت عن لقاء جمعها بنائب وزير الدفاع الفريق قايد صالح، وأوضحت أنها هي من طلبت اللقاء مباشرة بعد تعيينه في منصب سياسي كنائب وزير الدفاع.

وتشير المترشحة لرئاسيات 2014 للمرة الثالثة على التوالي عن تقرير أميركي قالت إنه يتوقع نشوب اضطرابات أثناء الانتخابات الرئاسية و تأسفت أن يتزامن التقرير مع التصريحات التي تطلقها أصوات ضد الجيش الوطني لكنها وجهت بالمقابل تحية خاصة لما وصفته النضج السياسي وروح المسؤولية التي تحلى بها غالبية الجزائريين على رأسهم الشباب. وتقارن حنون ما وصفته بـالهبّة التي وقفت في وجه تصريحات سعداني و مَنْ وَرَاءَهُ، بـالهبة الوطنية التي رافقت الاعتداء الإرهابي بمنطقة تيقنتورين وترديد الشباب لشعار واحد "لا تمسوا جزائرنا".

وترى زعيمة حزب العمال أن الرئيس الجزائري هو الضامن لاستقرار وأمان واستمرارية الدولة، فهو قائد الجيوش، وهو من أنكر محاولات تقسيم الجيش ومحاولات استعماله أثناء حملة انتخابات الرئاسة عندما ضمّن برقية التعزية شجبا واضحا للانحراف والانزلاق الخطير الذي استهدف الجيش وتشخيصا يعكس غضبه وصرامته تجاه كل من يحاول المساس بوحدة الجيش. و تعتبر حنون أن الأصوات المنادية بتدويل الأزمة في غرداية الموجهة للأمم المتحدة والمراكز الامبريالية تستجيب لـأجندة منظمات حقوقية غير حكومية تابعة لـ “سي أي أي” تخترق الجمعيات والحركات الاحتجاجية لتبرير التدخل.

وتدعو زعيمة حزب العمال بوتفليقة ووزيره الأول عبد المالك سلال إلى توفير الشروط المثلى لتنظيم انتخابات حقيقية أملا في استرجاع ثقة المواطنين في فعل التصويت حفاظا على السيادة الوطـــنية.


بوتفليقة يسير نحو الولاية الرابعة برجل واحدة


المشهد السياسي الجزائري يسير نحو التأزم هذا ما تلجأ إليه العديد من التحاليل الصحفية والعديد من الأنباء التي سربت حول ما يجري في الكواليس من صراعات وتجاذبات، خاصة بعد الأزمة التي خلقها بوتفليقة من خلال غموض إقراره بترشحه إلى ولاية رئاسية رابعة.

ورغم أن حزب جبهة التحرير الحاكم أعلن اختيار عبد العزيز بوتفليقة كمرشح رسمي له للانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها ربيع 2014، إلا أن المعني بالأمر لم يبد موقفه من هذه الانتخابات، خاصة وهو الذي يعاني من حالة صحية سيئة منذ إصابته بجلطة دماغية في أبريل الماضي.

وكان الأمين العام لحزب جبهة التحرير عمار سعداني أعلن في كلمة افتتاح اجتماع اللجنة المركزية عن الترشيح الرسمي لبوتفليقة، معتبرا أن هذا الخيار يفرض نفسه بالنظر إلى حصيلة الرئيس الإيجابية في جميع الميادين.

إلا أن تصريحات سعداني لا يمكن لها أن تخفي الأزمة الحقيقية التي خلقها طرح اسم بوتفليقة لولاية رئاسية رابعة، وحتى رسالة التعزية التي استغلت سياسيا لم تفلح في التغطية على ما تعيشه الجزائر من حراك اجتماعي وسياسي يمكن أن يتفجر في أية لحظة.

ويذهب مراقبون إلى أن معركة كسر العظم قد بدأت فعليا من خلال الصراع الواضح بين القوى السياسية التي يدفع بعضها بكل قوة نحو مواصلة بوتفليقة على هرم السلطة، بينما يرى آخرون أن دوره قد انتهى وما عليه إلا أن يترك الرئاسة ويتنحى.

وقد دفع الواقع السياسي والاتهامات التي وجهت إلى المؤسسة العسكرية العديد من الجزائريين إلى الخروج عن صمتهم والتعبير صراحة عما تشهده الجزائر الآن وتوصيف الصراع الدائر الذي قد يدخل البلد في المجهول. وتعد أخطر ردود الأفعال تلك التي طرحها الجنرال حسين بن حديد حول حقيقة ما يجري في هذه الآونة من تاريخ الجزائر. حيث يرى أن جهاز المخابرات هو جزء من مؤسسة الجيش، وإنه صعب على الرئاسة أن تواجه بشكل مباشر هذا الجهاز، لأن الرئيس عاجز عن القيام بذلك، فوظف أساليب أخرى من بينها سعداني.

ويذهب إلى أن حاشية الرئيس، وشقيقه بالتحديد، عملا على إضعاف جهاز المخابرات، وأن بوتفليقة لا يملك القدرات البدنية والفكرية التي تمكّنه من المناورة والمواجهة، ولكن حاشيته تتلاعب بمصير الجزائر. ويرى بن حديد أن سعي الرئاسة لإضعاف المخابرات غايته فتح الطريق للعهدة الرابعة، ويتم حتما عبر محاولة استهداف الخصوم، وكذلك محاولة حاشية الرئيس حماية نفسها من الملاحقة.

هذا الوضع السياسي الذي ينبئ بتطورات خطيرة جعل بعض المحللين يقدمون توصيفا لراهن الجزائر السياسي متمثلا في أن البعض يدفعون بوتفليقة كي يسير نحو العهدة الرابعة برجل واحدة في إشارة أولا إلى حالته الصحية غير المستقرة وكذلك إلى غياب السند الشعبي خاصة بعد الأصوات التي تعالت للبحث عن بديل له، فبوتفليقة لا يحظى هذه المرة بإجماع كل الأطياف السياسية ولا يملك من القوة للوقوف في وجه كل الداعين إلى وضع حد لمساره السياسي.

12