الجيش الجزائري في منعرج حاسم: إنقاذ الدولة أم حماية السلطة

الشرعية الثورية تحوّلت تدريجيا إلى أزمة سلطة في البلاد، وتضخم الاحتجاجات الشعبية يدفع المؤسسة العسكرية لإعادة ترتيب أوراقها.
الأحد 2019/03/03
انفجار شعبي ولدته أزمات متراكمة

في 18 أبريل المقبل، يتوجه الجزائريون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس للبلاد، بعد جدل كبير أحاط بعملية ترشيح الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة، لولاية خامسة. لكن، وعلى خلاف كل الانتخابات التي عرفتها البلاد منذ الاستقلال، ومهما كانت النتيجة، الأكيد أن هذه المنافسة الرئاسية والاضطرابات الاجتماعية التي تحيط بها تسطر بداية النهاية لسياسة سارت عليها الجزائر منذ الاستقلال، كما ستحدد مستقبل الجيش الذي كان يصنع رؤساء البلاد، وصاحب ورقة الحسم في القرارات الكبرى.

الجزائر - يشكل التاريخ السياسي للجزائر، خلال فترة الاستعمار الفرنسي، وحرب الاستقلال (1962-1954)، ثم العشرية السوداء، مراجع رئيسية لفهم طبيعة الحكم المحكم والغامض في الجزائر، ولماذا يتشبث طرف كبير من صانعي السياسة في البلاد بترشيح رئيس عاجز بكل المقاييس، لتولي حكم بلد بحجم الجزائر على قدر ما يمتلك من موارد طبيعية وجغرافية وبشرية فإنه يعاني من أزمات ويواجه تحديات عاصفة وصلت ذروتها مؤخرا، مهددة بإحداث تغيير دائم.

 قد تبدو الأزمة الراهنة في الجزائر، في ظاهرها مرتبطة برفض الملايين من الجزائريين ترشيح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة. فيما يربطها البعض بالأزمة الاقتصادية وغلاء المعيشة وارتفاع نسبة البطالة في مجتمع يغلب عليه الشباب. لكن، هذه الأسباب ليست سوى واجهة أزمة أعمق ترتبط بتاريخ بات بعيدا عن أزمات البلاد الراهنة وإن امتدت علله إلى اليوم، وبطبيعة الحكم في الجزائر والمؤسسة الرئيسية في صناعة كل ما يتعلق بالبلاد والعباد، وهي الجيش.

 بغض النظر عمن سيفوز، ستكون الانتخابات المقبلة اختبارا للمؤسسة العسكرية لأن نتيجتها ستكون مفصلية في مستقبلها وعقيدتها ورمزيتها لدى الجزائريين. اليوم الجيش الذي احتمت به البلاد للحفاظ على أركانها خلال العشرية السوداء، وليحول دون سقوطها بين أيدي المتشددين الإسلاميين، يتنازعه خياران، فهو مجبر على تحمل تبعاتهما، فإما الانحياز لحماية الدولة والشعب، وإما القبول بمهمة حماية السلطة، بكل ما ستفرضه التطورات من تغيير.

مرحلة عصيبة

رغم تصاعد الاحتجاجات ضد ولاية خامسة لبوتفليقة، ظل الرجل الأول في الجيش الجنرال أحمد قايد صالح أحد أكثر مؤيدي الرئيس نفوذا. وقد عمل، إلى آخر لحظة، قبل انتهاء موعد تقديم الترشيحات، على إبقاء الجيش في صف بوتفليقة، في موقف يعتبره البعض رد فعل عادي حيث لم يتوافر بديل يمكن الوثوق فيه لمواجهة منافسين محتملين في المستقبل، من خارج المؤسسة العسكرية.

وحمل خطاب قايد صالح، الذي ألقاه أمام كبار الضباط والمنتسبين في مقر الناحية العسكرية السادسة بتمنراست مطلع الأسبوع الماضي، رسائل مخيبة لآمال الجزائريين، وخاصة أنصار الحراك الشعبي، الذين كانوا يتطلعون إلى اصطفاف علني من الجيش إلى جانبهم. لكن، هذا الخطاب لم ينجح في إخفاء حالة الانقسام التي سادت المؤسسة العسكرية، حيث التفاعل بين العناصر القيادية مع القضايا المصيرية للبلاد تجاوزته الحسابات الضيقة والولاءات. وكشف الاجتماع الذي عقده الجنرال قايد صالح، مع كبار ضباط المؤسسة، في أعقاب مسيرة الـ22 فبراير الماضي، حجم الخلافات حول موقف قادة المؤسسة من التطورات السياسية المتسارعة والحراك الشعبي المتنامي، بما يوحي بأن الجيش فقد ورقة الحسم، وربما باتت المسائل تتجاوزه.

خطاب أحمد قايد صالح، الذي ألقاه أمام كبار الضباط والمنتسبين في مقر الناحية العسكرية السادسة بتمنراست مطلع الأسبوع الماضي، رسائل مخيبة لآمال الجزائريين، وخاصة أنصار الحراك الشعبي، الذين كانوا يتطلعون إلى اصطفاف علني من الجيش إلى جانبهم

وإذا كانت المؤسسة التي استلهمت عقيدتها من ثورة التحرير، وتأسست على أنقاض النضال الثوري الذين حرر البلاد (1954 - 1962)، قد تأخرت عن أداء دورها في التطورات والمخاطر الداخلية والخارجية الراهنة، قياسا بدورها في حسم الملفات الشائكة في الماضي، فإن هناك العديد من العوامل التي ساهمت في خلخلة المؤسسة أمام التطورات المتسارعة.

يعتبر الجيش في الجزائر مهندس السياسات وصانع كل الرؤساء الذين عرفتهم الجزائر المستقلة، حيث لم تتردد المؤسسة العسكرية في كشف أوراقها لما رأت بأن سلطة الرئيس الأول للبلاد أحمد بن بلة، لم تعد تمثل طموحات الثورة والشعب وانقلبت عليه في يونيو 1965 تحت مسمى التصحيح الثوري.

ولما احتدم الصراع في نهاية 1978 ومطلع 1979 حول خلافة الرئيس الراحل هواري بومدين، بين رجل الحزب محمد الصالح يحياوي، ووزير الخارجية آنذاك (الرئيس الحالي) عبدالعزيز بوتفليقة، تدخل الجيش وفرض النقيب الشاذلي بن جديد رئيسا للبلاد.

وفي مطلع يناير 1992 تدخل الجيش لوقف المسار الانتخابي، بعد صعود إسلاميي جبهة الإنقاذ المحظورة، واستقدم الرجل التاريخي محمد بوضياف من مقر إقامته في المغرب لقيادة المرحلة. وعندما سارت الأمور في غير صالح الجنرالات، جاؤوا بالرئيس السابق اليامين زروال الذي تولى الحكم من سنة 1995 إلى غاية العام 1998.

ولأن تراكمات مرحلة التسعينات، وما شهدته من إرهاب ودموية، وضعت المؤسسة العسكرية في موقف حرج أمام الرأي العام الداخلي والدولي، اهتدى منظرو الجيش، إلى الرجل المتمرس والذكي عبدالعزيز بوتفليقة، الذي جاء بميثاق السلم والمصالحة لإخراجهم وإخراج البلاد من المأزق.

العهدة الخامسة تحدد مصير الجزائر
العهدة الخامسة تحدد مصير الجزائر

تمكنت حكومة الجزائر من تحقيق استقرار سياسي نسبي خلال العقدين الماضيين، تخللهما من وقت إلى آخر أزمات وتململ شعبي، إلا أنه في كل مرة يصل فيها الغضب الشعبي في الجزائر إلى ذروته، يطل شبح العشرية السوداء ليخمد أي تصعيد. لكن الأمر كان مجرد مسكّن لم يعد له مفعول اليوم، بعدما انفجر بركان الغضب ليجرف كل المؤسسات، ومنها الجيش.

ويمكن تفسير الفشل في إخماد الاحتجاجات الأخيرة، لا فقط بسبب حجم الغضب الشعبي، بل أيضا بسبب الترهل والخلافات التي أصابت المؤسسة الرئيسية في مقتل. ففي السابق كان هناك توافق تام بين المؤسسة العسكرية والرئاسة، وفي الغالب تتفوق الأولى على الثانية.

لكن، في السنوات الأخيرة لحكم بوتفليقة بدأت تظهر بوادر تغيير، ولم يعد للجنرالات الكلمة الفصل والوحيدة. الحاصل اليوم، أن نفوذ وثقل المؤسسة العسكرية في الجزائر باتا مخترقين، من طرف مراكز قوى مدنية، وعلى رأسها النواة الصلبة في مؤسسة الرئاسة، التي أدارت باقتدار لعبة التوازنات داخل مؤسسات الدولة، إلى أن تمكنت من تطويع العمود الفقري للبلاد، وترويضه لصالحها.

ويذكر عن الرئيس السابق لمجلس الأمة (الغرفة الثانية للبرلمان) الراحل بشير بومعزة، قولته الشهيرة في سنة 1999، لعدد من كبار ضباط الجيش، “استقدمتموه (بوتفليقة) وستعلقون معه”، في استشراف للوضع الذي يمكن أن تصل إليه البلاد، والمأزق الذي يمكن أن تقع فيه المؤسسة العسكرية بإمكانية تنازلها عن دورها ونفوذها التاريخي في السلطة والمجتمع لصالح بوتفليقة.

تنازلات كبيرة

مهما كانت نهاية بوتفليقة في المشهد السياسي الجزائري، فإن التاريخ سيسجل له أنه الرئيس الجزائري الوحيد الذي استطاع تفكيك نواة المؤسسة العسكرية الجزائرية، وحوّلها إلى أوراق متناثرة يعبث بها كما يشاء ويديرها باقتدار، إلى درجة أنها صارت واحدة من المصالح التابعة لمكتبه في قصر المرادية أو زرالدة.

ويقول مختصون في الشأن الجزائري إن بداية تآكل رمزية وثقل المؤسسة، بدأ من قرار استقدام بوتفليقة إلى السلطة في 1999، فنرجسية الرجل لم تكن تسمح له بأن يرى جهة أو مؤسسة ما تنازعه النجومية أو سلطة القرار، لاسيما وأنه أعلنها صراحة منذ خطاباته الأولى في 1999، بأنه “لن يرضى بأن يكون نصف رئيس أو ثلاثة أرباع رئيس”، في إشارة إلى بعض الصلاحيات واستقلالية بعض المؤسسات عن الرئاسة، وعلى رأسها الجيش وذراعه القوي جهاز الاستخبارات.

مهما كانت نهاية بوتفليقة، في المشهد الجزائري سواء بالاستمرار الوهمي، أو الانسحاب تحت ضغط الغضب الشعبي، فإن التاريخ سيسجل له أنه الرئيس الجزائري الوحيد الذي استطاع تفكيك نواة المؤسسة العسكرية الجزائرية وحوّلها إلى أوراق متناثرة.
 

وتذكر مصادر متابعة لشؤون المؤسسة العسكرية، أن اعتذار بوتفليقة في العام 1994 لقادة المؤسسة عن قيادة البلاد في ذروة الحرب الأهلية، يعود إلى عدم رضاه بالصلاحيات والإطار اللذين اقترحهما عليه هؤلاء للتحرك فيه، دون التفكير في مسائل أخرى، وأعلن حينها بأنه لن يوافق على المقترح بسبب محدودية مجال الحركة، وصعوبة تحقيق الأهداف التي تدور في ذهنه منذ مغادرته للبلاد في 1979، متهما بالفساد وتحويل أموال وزارة الخارجية إلى حسابه الخاص.

وتضيف المصادر أن بوتفليقة كان يرى أن وجود بعض الوجوه في السلطة سيحول دون تحقيق أحلامه، منذ أن كان يرى نفسه الوريث الشرعي للرئيس الراحل هواري بومدين، فوجود رجل وعضو في مجلس الدولة كعلي كافي سيعكر عليه الجو، وهو ما ثبت في تسجيل للرجل جاء فيه أنه “كان يعارض استقدام بوتفليقة في سنة 1994، لأنه شخص عنيد ونرجسي، ولا يجب أن يمر إلى ولاية رئاسية رابعة (2014)”، ونفس الانطباع يحمله المناضل لخضر بورقعة، الذي لا يتوانى عن انتقاد بوتفليقة واتهامه بمختلف التهم.

في تلك الفترة كانت تركة العشرية السوداء فوق طاقة قادة المؤسسة العسكرية، إضافة إلى أن ضغط المؤسسات والمنظمات الحقوقية الدولية جعل بعض الجنرالات على أبواب المحاكمة الدولية، لذلك لم يجد هؤلاء أمامهم من مخرج إلا بالعودة إلى بوتفليقة بنفس المقترح، وبتنازلات مغرية تكفل له الحركة المريحة داخل مؤسسات الدولة، مقابل حمايتهم من ملاحقات خارجية، حول ما سمي بـ”ضلوع العسكر في المجازر الجماعية في حق الأهالي العزل”.

لم تعد الانتقادات السياسية والإعلامية لأداء المؤسسة العسكرية توجّه سرا من الجزائريين. والهالة الكبيرة والقدسية التي أحاطت بالجيش الجزائري، المتأسس على أنقاض جيش التحرير الوطني، رغم العتب الذي يلاحقه في بعض المراحل والمحطات، لم تعد بنفس الحدة والحماس، بسبب انحياز العسكر لصالح السلطة على حساب الشعب.

ويذكر متابعون لمسار تفكيك المؤسسة العسكرية، بأن العملية تمت على ثلاثة مراحل، كانت الأولى في 2004، والثانية في 2013، والأخيرة في 2018، حيث انتهت لعبة التوازنات بالكامل لصالح جناح الرئاسة، ولدعم غير مشروط من قيادة الجيش للرئيس بوتفليقة، في مشروع الولاية الرئاسية الخامسة.

الوحيد الذي استطاع تفكيك نواة المؤسسة العسكرية
الوحيد الذي استطاع تفكيك نواة المؤسسة العسكرية

ويرى مؤرخون في الجزائر على غرار محمد حربي ومحمد عباس، بأن “المعادلة التاريخية لصراع العسكر والساسة في الجزائر ليست وليدة اليوم، وإنما تمتد إلى سنوات ثورة التحرير، عندما كان الصراع محتدما بين من يقود الثورة؟، ثوار الداخل في الميدان، أم ساسة الخارج في المحافل الإقليمية والدولية، وأفضى الصراع إلى تجاذبات واستقطابات قوية، ألقت بظلالها على دولة ما بعد الاستقلال”.

ولم تفلح المقاومة الداخلية في الحفاظ على أمجاد المؤسسة في صناعة الرؤساءأو اتخاذ القرارات الكبرى، فأجندة بوتفليقة كانت أسرع من رفض القائد السابق الجنرال الراحل محمد العماري لدعم ترشحه في انتخابات العام 2004، بعدما تمكن من صناعة الوقيعة بين قادة المؤسسة.

تم إقصاء الجنرال محمد العماري في 2004، بكسب ولاء مدير جهاز الاستخبارات المنحل الجنرال محمد مدين (توفيق)، وأطاح به بعدما ضمن عقد شرف من قائد الأركان الحالي الجنرال أحمد قايد صالح، وأطاح بالجنرال توفيق وبجهاز الاستخبارات الضخم بين (2013 و2015)، بعدما ضمن سكوت قائد الأركان، وأضعف الأخير بعدما جرّده من ضباطه المقربين.

عقدة الأبوية تصل إلى الانسداد

الجنرال أحمد قايد صالح أحد أكثر مؤيدي الرئيس نفوذا
الجنرال أحمد قايد صالح أحد أكثر مؤيدي الرئيس نفوذا

لعبت مجريات التاريخ دورا حاسما في تشكيل بنية وعقيدة الجيش الجزائري، الذي تشكّلت نواته الأولى من مناضلين وثوار بتكوين ووسائل بدائية. وعند استقلال البلاد في سنة 1962 وجد الجيش نفسه هو المؤسسة الأولى في البلاد التي تحظى بتقدير وولاء الشعب، إلا أن فضل التحرير والشرعية الثورية تحولا تدريجيا إلى أزمة سلطة في البلاد.

وحالت القدسية التي منحها الشعب للجيش دون انتقال الشرعية من جيل الثورة إلى جيل الاستقلال، وشيئا فشيئا توسعت الهوة بين الجيلين واحتدم الصراع بينهما، فالجيل الأول يعتقد نفسه صاحب الفضل والوصاية على البلاد لأنه ضحّى من أجلها، والجيل الثاني يعتقد نفسه مهضوم الحقوق ويرغب في استلام المشعل لإدارة المرحلة بعقليتها الراهنة وليس بعقلية ستينات القرن الماضي.

تذكر مصادر مطلعة بأن حبل عقد غليظ يجمع الرئيس بوتفليقة، وقائد أركان الجيش، لا يمكن أن يتفكك إلا برحيل الأول أو الانقلاب على الثاني، فمسألة الولاية الخامسة محسومة بين الرجلين، مهما كانت التبعات على استقرار البلاد أو الصورة الممقوتة لهما لدى الشارع الجزائري، وأن الرجلين لا يعيران اهتماما للتركة التي سيتركانها في المستقبل، وانعكاساتهما على صورة ومجد الجيش أو الرئاسة.

ومع ذلك لا يزال حراك الشارع في الجزائر، يراهن على استقطاب ضمير المؤسسة إلى صفه، لاعتقاد سائد لديه بعدم تناغم مواقف وتصريحات قائد الجيش، مع التوجه العام داخل الجيش، وهو ما تجلى في الرسائل التي أطلقها المتظاهرون في جمعة الغضب، بترديد شعار “جيش، شعب.. خاوة خاوة (إخوة إخوة) “، وحتى المتظاهرين الذين أرادوا التوجه لمبنى الحكومة ورئاسة الجمهورية، لم يضعوا في مفكرتهم التوجه إلى مبنى وزارة الدفاع، لقناعة لديهم بأن الأزمة تكمن في المؤسستين وليس في مؤسسة الجيش.

6