الجيش الجزائري مؤسسة فوق القوانين تكرس التوجه العسكري للدولة

ما فتئت السلطة السياسية في الجزائر تسير على الهدي الذي يرسمه لها العسكريون منذ الاستقلال وإلى غاية الآن. تدخّل سافر للمؤسسة العسكرية في الشأن السياسي أسهمت فيه عوامل عدّة أبرزها تنامي التهديدات الإقليمية وضبابية المستقبل السياسي في ظلّ مرض الرئيس بوتفليقة، جعل منها مؤسّسة فوق القوانين وبمعزل عن المحاسبة، على خلاف الدور الإيجابي في التغيير نحو الديمقراطية الذي يرومه لها السواد الأعظم من الجزائريين، وفق دراسة للباحث بوحنية قوي، بعنوان “الجيش الجزائري والدستور..أية علاقة”، صادرة عن مبادرة الإصلاح العربي.
الأربعاء 2015/06/17
الجزائريون يرغبون في مؤسسة عسكرية تحترم دستور البلاد ولا تخرج عن دورها الأمني

الجزائر - يلفت المهتمون بالشأن الجزائري إلى الدور المحوري الذي يلعبه الجيش في صناعة القرار الأمني والسياسي، باعتباره أحد المؤسسات المهمّة التي تلعب دورا مركزيا في المشهد السياسي منذ استقلال البلاد، رغم أنّ النص القانوني، وخصوصا الدساتير المختلفة، تشير صراحة إلى أنّ “الطاقة الدفاعية للأمة ودعمها وتطويرها تنتظم كليا حول الجيش الوطني الشعبي،

إذ تتمثل المهمة الدائمة للجيش الوطني الشعبي في المحافظة على الاستقلال الوطني والدفاع عن السيادة الوطنية” (المادة 25 من الدستور الجزائري). كما تشير الوقائع والمواد القانونية صراحة إلى مجموعة مهمّة من الوظائف التي تضع المهام الأمنية والعسكرية بيد مؤسسة الرئاسة باعتبارها مفتاح صناعة القرار في النظام السياسي الجزائري.

ويؤكد المشهد السياسي في الجزائر وقائع تبدو عصية عن الفهم، فعلى الرغم من أنّ تدخّل الجيش في السياسية لا يعتبر منطقيا بمُوجب ما يُمكن تسميته الفصل بين السلطات والفصل بين ما هو مدني وما هو عسكري، إلا أنّ ما حدث هو أنّ الجيش دخل في العمق في الحركية السياسية وبشكل سافر سواء خلال سنوات الإرهاب، والتي تعرف في المخيال الجزائري بـ”العشرية السوداء”، أو خلال الفترة التي عرفت فيها البلاد حالة انسداد سياسي واحتقان بسبب إلغاء الانتخابات البرلمانية وإعلان حالة الطوارئ بعد سنة 1991.

ويتنامى الدور الأمني للجيش بفعل ما تعرفه الجزائر من أحداث إقليمية، خاصّة بعد سقوط نظام القذافي في ليبيا وانهيار الشمال المالي، حيث نادت أصوات سياسية عديدة بأن يكون هناك دور أكبر للجيش الجزائري في محاربة الإرهاب وتعقب الإرهابيين خارج الحدود. هذا التداخل الحاصل في وظائف الجيش الجزائري، أضحى يشي، مؤخرا، في ظلّ التهديدات الأمنية المتعاظمة في الداخل والخارج بأن الدور السياسي أضحى مرهونا بشكل كلي بالمؤسسة العسكرية، خاصة في ظلّ مرض الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة واحتدام الأزمة السياسية.

مؤسسة فوق القوانين

يشير مفهوم الدستورية إلى المنظومة القانونية التي يُركن إليها لمعرفة مدى دستورية وقانونية الهيكل التنظيمي والممارسة المشروعة لكيان ما. في حين تشير المبادئ فوق الدستورية إلى أحد معنيين؛ إمّا أنّ المؤسسة لا تخضع للمساءلة أمام المؤسسات الدستورية، وفي هذا تغييب لعناصر الشفافية والعدالة ودولة القانون، أو أنّ المؤسسة منزّهة عن أيّ رقابة دستورية قبلية أو بعدية لاعتبارها تشمل عناصر الكمال والانسجام القانوني والدستوري، وكونها تمتلك مقومات تصحيح مساراتها وأدائها بشكل أوتوماتيكي.

وبهذا المعنى فإنّ المؤسسة العسكرية الجزائرية، كمؤسسة فوق الدستور، تشير إلى كونها لا تخضع للمساءلة وهي معفاة من كل معايير المحاسبة باعتبارها تسمو وفق هذا الاتجاه على جميع القوانين والدساتير. وهذا التوجه السلبي يكرّس التوجه العسكري للدولة.

التداخل الحاصل في وظائف الجيش الجزائري، أضحى يشي أن الدور السياسي بات مرهونا بشكل كلي بالمؤسسة العسكرية

ومن خلال النظر إلى النصوص القانونية كالوثيقة التي تتبنى الدستورية أو المراسيم التنفيذية والرئاسية الناظمة لعمل المؤسسة العسكرية في الجزائر، نجدها عقيدة عسكرية لا تترك أدنى شك في القول بدستوريتها، والتي تستمدها من نصوص قانونية صريحة.

وهو ما يجعل الجيش الجزائري من الجيوش الدفاعية التي تتبنى عقيدة قوامها المساهمة في صناعة الاستقرار، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، وضمان حلحلة المشاكل الأمنية لدول الجوار ضمن مقاربة جماعية إقليمية ودولية غير تدخلية.

ولعل اللغط السياسي والإعلامي الذي شهدته الجزائر في تسعينات القرن الماضي، وسؤال من يقتل من؟ هو ما يعيد إلى الذاكرة الجماعية ذلك السؤال المؤلم حول دور مؤسسة الجيش، باعتبارها أحد أهم القلاع الأمنية والسياسية التي تحظى بإجماع كبير، في ظل عجز الكثير من الكيانات السياسية الجزائرية عن تحريك دواليب المشهد السياسي.

وانطلاقا من العديد من النصوص التشريعية والتأطيرية الجزائرية، يتجلى التصور الجزائري للدفاع الوطني، حيث أنّ الجيش الوطني الشعبي هو الجهاز الدائم للدفاع الوطني، ويتمحور حوله تنظيم وتعزيز ذاك الدفاع، وإضافة إلى مهامه الدفاعية العسكرية، أسندت إليه لاحقا مهمة المشاركة في تنمية وتشييد البلاد، وهو ما وسّع دائرة نشاطه.

عوامل تغذي النفوذ

ساهمت العديد من المعطيات في تبوؤ مؤسسة الجيش في الجزائر أعلى الهرم السلطوي أو هي بالأحرى فوق باقي السلطات، وتضافرت عوامل عديدة في توسيع دائرة نشاط ونفوذ تلك المؤسسة، منها ما هو خارجي متعلق بالحالة العامة للبلاد، ومنها ما هو نابع من داخل مؤسسة الجيش بعينها، ومن بين تلك العوامل نذكر:

◄ أولا: يبقى منطق “الأمنَنَة” هو المحرّك الأساسي للخطاب العسكري الجزائري، وذلك لاعتبارات كثيرة أهمها تنامي الإرهاب وتهديد الجماعات المسلحة الراديكالية المتحالفة مع الجريمة المنظمة في دول الساحل. وهو مبَرّر ستستند إليه المؤسسة الرسمية لتعظيم نفقات المؤسسة العسكرية.

ونسجل هنا خطر إعلان الجزائر ولاية تابعة لـ”داعش”، عقب إعلان البغدادي عن ذلك عبر تسجيل صوتي.

وهو ما كلف الجزائر جهودا مضنية في تتبع قائد التنظيم الدموي المسمّى “أبوخالد”، والذي تم القضاء عليه يوم 23 ديسمبر 2014، وهو أمير المجموعة التي اغتالت الفرنسي هيرفي غورديل.

هذا الخطر يُحتم مزيدا من النفوذ مستقبلا وإعادة النظر في تقسيم النواحي العسكرية، فالمعلومات الأمنية تشير إلى تشكيل غرفة عمليات احترافية خاصّة لمواجهة داعش. كما تؤكّد تقارير مصالح الأمن الجزائرية ارتفاع نسب الجريمة، كون أغلب الشبكات الإجرامية صارت تنشط في الجنوب الجزائري حيث العمق الهام لساحل الأزمات. وحسب ذات التقارير، فإنّ 78 بالمئة من وحدات الجيش الجزائري تتمركز في الجنوب منذ سقوط شمال مالي بيد الجماعات المسلّحة.

سقف التحديات أمام الجيش مرتفع في ظل ما يطمح إليه المواطن الجزائري الذي ضاق ذرعا بالسلط الحاكمة الحالية

◄ ثانيا: بين منطق الأمننة والاحترافية حدود وهمية في الحالة الجزائرية، فالمتتبع للتقارير الدولية يجد أنّ الجزائر أنفقت عسكريا ربع ما أنفقته أفريقيا سنة 2013. وهي الأولى أيضا في استيراد السلاح بما يتجاوز 8.5 مليار يورو بين عامي 2011 و2012، حسب دراسة المعهد الدولي المتخصص في أبحاث الصراع والتسلح في ستوكهولم، وهو ما يزيد من قوتها وينعكس كذلك على نفوذها في الداخل الجزائري.

◄ ثالثا: في استقصاءات مختلفة وحيادية، منها “البارومتر العربي، طبعة 2013” ، لوحظ أنّ نسبة 78 بالمئة من المستجوبين في الولايات الجزائرية يطالبون بتطبيق إصلاحات تدريجية غير راديكالية. ولعل مردّ ذلك هو ما شهدته دول ما سمّي بـ”الربيع العربي” من تفكك وأزمات متلاحقة، رغم أن الجزائر تشهد احتجاجات لا تقل وطأة عمّا شهدته تلك البلدان مازالت متواصلة هنا وهناك إلى اليوم. وهو ما وظفته الحكومة لتعزيز ثقة الجزائريين بالمؤسسة العسكرية وسوقته بعناية سياسيّا وزاد من ثقل تلك المؤسسة.

وبالنظر إلى جملة هذه العوامل التي زادت من نفوذ العسكر في الجزائر، وتأثير ذلك على آفاق الإصلاح السياسي والمؤسساتي في البلاد، ترى الباحثة السويسرية إيزابيل ويرنفليس، أن “المؤسسة العسكرية مازالت تعدّ القلعة الأخيرة لحفظ وحدة البلاد في الجزائر (حسب تسويق النظام)”، وهو ما يبيّن أنها ستظلّ مهيمنة على المشهد السياسي في المستقبل المنظور على أقلّ تقدير.

خلاصة القول، على الرغم من أنّ مؤسسة الجيش الجزائري تستمد “رمزيتها” ودورها من النصوص، دستوريا تاريخيا، وتتحكم في عملها كعقيدة عسكرية دفاعية بالأساس، كما أنّ مؤسسي دولة الاستقلال الجزائرية هم عسكريون بالأساس، ما جعل متخصّصة كالباحثة الفرنسية، ميراي دوتاي، ترى أنّ الجيش هو من خلق الدولة المستقلة وليس العكس، إلا أنّ سقف التحديات أمام هذه المؤسسة ما يزال مرتفعا، في ظل ما يطمح إليه المواطن الجزائري الذي ذاق ذرعا بالسلط الحاكمة الحالية بالشاكلة التي هي عليها، وأضحى يرغب في مؤسسة عسكرية تساهم في ترسيخ الديمقراطية دون أن تخرج عن حيّز دورها الأساسي المتعلق بحفظ الأمن، وذلك من خلال بروز هياكل وآليات جديدة تسيّر عمل المؤسسة العسكرية، بشكل يعزز المفهوم القانوني لمؤسسة الجيش كمرفق عمومي يحصّن الدولة ويرتبط بالمواطن والتنمية، لكن مع ضرورة الفصل بين الأمني والسياسي في عمل هذه المؤسسة المطالبة دوما بتطوير أدائها في ظل تنامي التهديدات.

6