الجيش الروسي مؤسسة ورثت هزائم السياسات تهدد بصدام عالمي

الأحد 2015/09/20
جيش روسيا عائد إلى المشرق من شواطئ سوريا

اسم الجيش الروسي بات يتصدر الأخبار منذ أن أعلنت موسكو إرسالها قوات عسكرية إلى سوريا، الأرض التي باتت خصبة لكل الاحتمالات بما فيها احتمالات صدام بين القوى العالمية، وقد أعاد ظهور اسم الجيش الروسي في نشرات الأخبار ذلك الجيش مرهوب الجانب الذي ظهر خلال استعراض عسكري أجري مؤخراً في العاصمة موسكو قوة “صادمة” للكثيرين، في بلد تحوم الكثير من الشكوك حول قدراته الاقتصادية، على الرغم من كونه واحداً من أكبر منتجي ومصدري السلاح في العالم.

وإذ كانت السنوات العشرون الأخيرة قد شهدت بروزاً غير مسبوق للعسكرتارية الأميركية، وتحديداً منذ حرب تحرير الكويت، وصولاً إلى حربي أفغانستان والعراق، فإن موسكو التي كانت منشغلة في إعادة ترتيب بيتها الداخلي ليناسب طموحات بوتين القيصرية، بدأت تنتهز الفرصة الآن في ظل وجود إدارة أميركية هشة، ليست قادرة على لعب لعبة التوازن التي كانت سائدة لعقود، طيلة فترة الحرب الباردة، وانتهت بتفوق أميركي بعد سقوط المعسكر السوفييتي.

لا يمكن النظر إلى الجيش الروسي حالياً إلا على أنه واحد من أقوى الجيوش العالمية، وهو يحتلّ المرتبة الثانية عالمياً بمجموع تشكيلاته حيث يأتي في المرتبة الثانية بعد الجيش الأميركي من حيث القوة القتالية، ويتفوق على جميع جيوش العالم بعدد الدبابات والأسلحة النووية.

القوات المسلحة للاتحاد الروسي هو الاسم الرسمي الذى يطلق على المؤسسة العسكرية في روسيا، والتي تأسست بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. وذلك بعد أن وقع الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين عام 1992 مرسومًا رئاسيا بإنشاء وزارة الدفاع الروسية، ووضع جميع جيوش القوات المسلحة السوفييتية على أراضي روسيا السوفييتية تحت سيطرة الفيدرالية الروسية الجديدة. ويكون رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية هو رئيس روسيا. ومع أن القوات المسلحة الروسية قد تشكلت في العام 1992، إلاّ أن الجيش الروسي تعود جذوره إلى زمن اتحاد روس كييف للسلاف الشرقيين (حوالي القرن الثامن وأوائل منتصف القرن التاسع الميلادي).

في العام 1773 استنجد الأمير يوسف الشهابي ووالي عكا ظاهر العمر، بالأسطول الروسي المتواجد في جزيرة قبرص، وذلك لقطع الطريق على أحمد الجزار الذي أراد الاستقلال ببيروت، ولم يقتنع قائد الأسطول الروسي كنتوجوني، إلا بعد أن جمع له المير مبلغ ثلاثمئة ألف قرش، ووصل الأسطول الروسي الذي، رست سفنه قبالة برج أبي هدير، وحاصر بيروت بالقوات البرية والبحرية حصاراً قاسياً، حتى أكل الناس لحوم الحمير والخيول والكلاب، وقصف الروس بيروت، بستة آلاف قنبلة، حتى اضطر الجزار إلى الاستسلام، ودخل المير بيروت وغرّم أهلها مالا دفعه للروس.

كان الجيش الإمبراطوري الروسي من بين جيوش أخرى تغلبت على نابليون من 1812 حتى 1814 وقاد العديد من الحروب ضد العثمانيين من 1676 حتى 1917 وكان يرأسه أباطرة أو قياصرة في أوقات مختلفة.

الجيش الأحمر

بفضل التفوق التكتيكي والعددي لهذا الجيش، كانت الإمبراطورية الروسية واحدة من أكبر القوى العسكرية في العالم على مدى مئات السنين. الجيش الإمبراطوري الروسي لم يعد موجودا منذ عام 1917، عندما تم تحويله إلى الجيش الأحمر القوة العسكرية للاتحاد السوفييتي.

هو الجيش الذي شيده البلاشفة بعد ثورة أكتوبر، لمقاومة حركات البيض المدعومين من قبل القوات الأجنبية (فرنسا، المملكة المتحدة، تشيكوسلوفاكيا، الولايات المتحدة واليابان).

وكان الجيش الأحمر يضم العديد من القبائل والأعراق، منها القوقاز والجرمان، ولم تكن له ملابس عسكرية موحدة، لكن الجيش الأحمر استطاع إنقاذ الثورة البلشفية خلال فترة الحرب الأهلية التي استمرت لأربعة أعوام، غير أنه استعمل من جهة أخرى كجهاز قمع ضد أفراد الشعب الروسي المناهضين للحكم البلشفي أو القائلين بسياسات ومذاهب أخرى. فر الكثير من القرويين والمزارعين نحو الغابات خوفاً من أن يرغموا على الالتحاق بالجيش الأحمر، وقد ردع الجيش الأحمر آلاف الثورات القروية التي اتخذت أبعاداً مختلفة بالرغم من أن أربعة أخماسه هم من القرويين.

القوات المسلحة الروسية تبدو حديثة العهد نوعا ما، إلا أن الجيش الروسي تعود جذوره إلى زمن اتحاد روس كييف للسلاف الشرقيين، حوالي القرن الثامن وأوائل منتصف القرن التاسع الميلادي

بعد نهاية الحرب الأهلية، كان الجيش الأحمر يتمتع بعدد كبير من الجنود. لكن كانت له مشكلة من حيث العتاد العسكري، وخصوصا العتاد العصري من دبابات وأسلحة نارية فعالة وجهاز طيران. انطلقت خطة لخمس سنوات، لصنع هذا العتاد العسكري سنة 1928 وتواصلت خلال السنتين المواليتين.

أصبح الجيش الأحمر خلال هذه الفترة ممتازاً في بعض الميادين، كاستعمال المظليين والمدرعات، بعض هذه الإنجازات اعتبرت الأفضل في تلك الفترة، كالطائرات المقاتلة آي-16 على سبيل المثال، أو المدرعات السريعة من نوع بي تي.

ولتدارك تأخرهم، استعمل السوفييت كل الطرق مثل اقتناء العتاد الأجنبي، التعاون مع الألمان، الجاسوسية، والنتيجة كانت ناجحة، ففي وسط الثلاثينات كان الجيش الأحمر يعد في صفوفه مدرعات وطائرات أكثر من أيّ جيش آخر في العالم.

وقد كان له دور كبير في الحرب العالمية الثانية حيث ظهرت بسالته في معركة ستالينغراد حيث كبّد الألمان خسائر فادحة، وتعتبر هذه الموقعة نقطة تحول في الحرب الألمانية- الروسية، حيث كانت أول هزيمة لألمانيا وأخذ الجيش الأحمر في التقدم في طول أوروبا وعرضها حتى وقعت برلين في يده، وقد كان الألمان يخشون من الاستسلام لقوات الجيش الأحمر، خوفاً مما قد يفعلونه بهم نظراً للوحشية التي أظهروها خلال القتال. بعد سنة من نهاية الحرب العالمية الثانية، أي في 1946، غيّر الجيش الأحمر اسمه ليصبح “الجيش السوفييتي”.

وبعد القضاء على النازية احتفظ الاتحاد السوفيتي لنفسه بوجود عسكري كبير في دول أوروبا الشرقية التي قام بتخليصها من الجيوش الألمانية، وستبقى تلك القوات موجودة حتى نهاية الحقبة الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفيتي، عندها ستعود إلى الخلف آلاف الكيلومترات منهية “احتلالاً” طويل الأمد.

هزيمة القوة العظمى

عام 1979 قررت القوات السوفيتية التدخل في أفغانستان لمساندة الحكم الماركسي الموالي لها في وجه ثورة شعبية كانت قد بدأت ضده في المنطقة الشرقية من أفغانستان، وقد تحولت الاحتجاجات إلى ما يشبه حرباً أهلية، وإثر تدخلهم العسكري المباشر قام السوفييت بإعدام رئيس الوزراء الأفغاني حفظ الله أمين الذي كانوا يشكّون بولائه لهم.

لكن الجيش السوفييتي لم يستطع أن يبسط سيطرته على كامل المساحة الأفغانية نظراً للوعورة الشديدة التي كانت تمنعه من التقدم خارج كابل، وقد لقي السوفييت مقاومة كبيرة من قبل الثوار ما اضطرهم للزج بمزيد من القوات داخل الأراضي الأفغانية إلاّ أن عدم خبرتهم في حرب العصابات جعل خسائرهم تزداد يوماً بعد يوم.

وقوف العالم كله ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، ودعمه بشكل مباشر أو غير مباشر للمقاومة الأفغانية التي ستتحول شيئاً فشيئاً إلى حركة جهاد عالمية تستقطب آلاف المجاهدين لمقاومة الوجود السوفييتي، وكانت الولايات المتحدة تدعم بشكل كبير الثوار والمجاهدين الأفغان وتمدهم بالعتاد اللازم لاستمرار الصمود في وجه الآلة العسكرية السوفييتية المتفوقة نسبياً، لكن المعظلة كانت بسبب عدم القدرة على المناورة والتقدم، وأدى كل ذلك إلى سقوط السوفييت في المستنقع الأفغاني، وبعد عشر سنوات من الوجود السوفييتي في أفغانستان انسحبت القوات السوفييتية بالكامل عام 1989 وقد منيت بهزيمة كبرى، سيرى المحللون في ما بعد بأنها كانت واحدة من أسباب انهيار الاتحاد السوفييتي، نظراً لحجم الخسائر الكبيرة، ولأن القيادتين السياسية والعسكرية لم تستطيعا أن تقدما تبريراً واحداً عن ذلك التدخل، أو تلك الهزيمة.

شكل إنهاء الحقبة السوفييتية نقطة مفصلية هامة في تاريخ الجيش الروسي، فمع انسحاب مئات الآلاف من المقاتلين من دول ما كان يعرف بالمعسكر الاشتراكي، وقبل ذلك عودة عشرات الآلاف من أفغانستان، وجدت القيادة الروسية برئاسة يلتسين نفسها أمام سؤال عمّا يمكن فعله لمواجهة هذه المشكلة التي لم تكن في الحسبان على ما يبدو، وكان أول عمل عسكري أصدره يلتسين لقواته العسكرية بصيغتها الجديدة هو قصف مجلس الدوما الروسي الذي كان يتحصن فيه معارضوه، وقد نفذ الجيش الروسي أوامر الرئيس واندلعت النيران في مقر المبنى.

تخضع المؤسسة العسكرية الروسية منذ تولي الرئيس فلاديمير بوتين السلطة لعملية إعادة تأهيل بما يجعلها تتناسب مع الانتقال من مرحلة الحرب الباردة إلى مرحلة القرن الحادي والعشرين كما يقول خبراء عسكريون روس.

السنوات العشرون الأخيرة تشهد بروزا غير مسبوق للعسكرتارية الأميركية، وتحديدا منذ حرب الكويت، وصولا إلى حربي أفغانستان والعراق، فموسكو التي كانت منشغلة في إعادة ترتيب بيتها الداخلي ليناسب طموحات بوتين القيصرية، بدأت تنتهز الفرصة الآن في ظل وجود إدارة أميركية هشة

وقد شهدت العديد من التغيرات على مستوى البنية وطرق نشر القوات إلا أن حرب جورجيا عام 2008 قد أظهرت عجزاً وخللاً في الاستراتيجية الهجومية والدفاعية في آن معاً، ما جعل القيادة العسكرية الروسية تعيد حساباتها من جديد لتطوير طرق الانتشار، وفي الوقت نفسه لاتزال إعادة التسليح بطيئة حيث تنتمي الكثير من المعدات العسكرية للعقود السابقة، وحسب قول الخبراء فإنّ ما كان يومًا أسطولاً سوفييتيًا ضخمًا أصبح اليوم قوة صغيرة لحماية السواحل، وكل سفن الأسطول الضخمة حتى سفينة القيادة تعد من بقايا الحرب الباردة، مقارنة بالولايات المتحدة الأميركية التي تمتلك عشر حاملات طائرات نووية وتبني العديد من السفن الحربية كل عام، وستظل القوة الجوية لروسيا محدودة على الأقل في المدى القريب، وأيضاً قياساً بالقدرة الجوية الأميركية التي تتفوق عليها بشكل كبير، ويبرز التفوق الروسي فقط في السلاح البري حيث تمتلك القوات الروسية عدداً كبيراً من الدبابات، إلا أن بعضها قديم الطراز، حسبما يقول الخبراء.

استعراض للقوة

وضعت روسيا أولوية عظمى في برنامجها لإعادة التسليح لتحديث دفاعاتها الجوية والفضائية، حيث أنشأت قيادة موحدة للدفاع الجوي والفضائي في 2011، وتعد منظومة آس- 400 عماد هذه الشبكة الدفاعية، وهي منظومة صواريخ أرض جو بمدى من متوسط إلى طويل وتنتشر بالقرب من موسكو والمواقع الاستراتيجية، ويتم العمل الآن على تطوير منظومة آس- 500 الأكثر تطورًا.

في التاسع من شهر مايو من العام الجاري 2015 وفي الذكرى السبعين للانتصار على النازية نظمت موسكو استعراضاً عسكرياً هو الأكبر في تاريخها، وشارك في الاستعراض آلاف الجنود في مسيرة في الميدان الأحمر، كما عرضت مدرعات عالية التقنية تم الكشف عنها للمرة الأولى.

وكان الاستعراض الذي قاطعه العديد من قادة الدول الأوروبية التي شاركت في الحرب ضد النازية، وبطبيعة الحال فإن الولايات المتحدة كانت من أوائل المقاطعين، بمثابة تحدٍ روسي للعالم بأسره، أن القوة الروسية قادمة، وأن العالم يجب أن يراها، فالاتحاد الروسي الذي لا يجد حرجاً من الاعتداء على جواره، بل وحتى احتلالها، كما فعل في أوكرانيا ومن قبلها في جورجيا، يبدو مستعداً أكثر لتصدير القوة والتلويح بها، على أمل استعادة أمجاد الإمبراطورية الروسية أكثر من استعداده للانفتاح على العالم وبناء علاقات سليمة مع الآخرين.

القوات الروسية تتدفق على سوريا اليوم، وقد ذكرت تقارير أنها بدأت بشن عملياتها العسكرية الأولى، غير آبهة بالدور الذي تقدم روسيا ذاتها على أساسه، وهو محاولة رعاية اتفاق ينهي معاناة الشعب السوري، ولا يعرف أحد طبيعة الموقف الأميركي الحقيقي من هذا، فهل تفكر الولايات المتحدة أنها استطاعت جر روسيا إلى المستنقع السوري، كما جرّت من قبلها إيران؟ أم أن روسيا قررت حسم الموقف لصالح حليفها الأسد، واستبدال الدعم بالتدخل المباشر في الحرب؟

7