الجيش السوداني يستغل الظرف الدولي لتغيير قواعد اللعبة مع إثيوبيا

نائب قائد قوات أفريكوم يزور الخرطوم لتعزيز الروابط العسكرية.
الثلاثاء 2021/01/26
وضع امني صعب

الخرطوم – خفت الحديث عن المصالح المشتركة بين السودان وإثيوبيا، وتعطلت قنوات التواصل بين البلدين في ظل تمسك كل طرف برؤيته التي تقود إلى زيادة الهوة وتفتح الطريق أمام اشتباكات سياسية، وربما عسكرية تهدد ملامح الأمن التي لاحت مؤخرا.

ويثير الوضع قلق القوى الإقليمية والدولية، لاسيما أن انفجار التوتر بين الطرفين قد يؤدي إلى منزلقات خطيرة لن تبقى ارتداداتها حبيسة جغرافيا البلدين.

وأشارت مصادر سودانية إلى أن زيارة السفير أندرو يونغ نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) لشؤون الارتباط المدني العسكري إلى الخرطوم، الثلاثاء، ستتطرق إلى أزمة الحدود مع إثيوبيا، ولن تتوقف عند الحديث عن بناء القدرات الأمنية والدفاعية.

عبدالمنعم أبوإدريس: الأوضاع الأمنية الصعبة في البلدين كفيلة بوقف عوامل التمادي
عبدالمنعم أبوإدريس: الأوضاع الأمنية الصعبة في البلدين كفيلة بوقف عوامل التمادي

وقالت المصادر ذاتها لـ”العرب”، إن هدف الزيارة هو توطيد العلاقات العسكرية بين واشنطن والخرطوم، والتفاهم حول الأطر التي خلفتها مستجدات رفع اسم السودان من لائحة الإرهاب الأميركية مؤخرا، دون استبعاد أن يكون ملف الحدود معروضا بقوة للحوار لمنع حدوث فوضى إقليمية تعطل توجهات واشنطن.

ويحظى الجيش السوداني بدعم قوى إقليمية ودولية عززت ثقته في تطوير قدراته، في ظل رهان الولايات المتحدة عليه في ضبط بعض الأوضاع في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ويرى مراقبون أن شعور المكون العسكري في السودان بوضع مريح إقليميا ودوليا جعل ثقته كبيرة في تحدي إثيوبيا وتغيير قواعد اللعبة، خصوصا أن أديس أبابا لطالما استغلت وضع الخرطوم الهش لفرض رؤيتها في أكثر من ملف ومنها النزاع الحدودي.

ووصل وفد عسكري رفيع من الجيش السوداني بقيادة رئيس هيئة الأركان محمد عثمان الحسين، الاثنين، إلى المناطق الحدودية مع إثيوبيا بعد تبادل للقصف بين جيشي البلدين، مساء الأحد، للاطلاع على التطورات الميدانية في مناطق أبوطيور وود عاروض والقريشة، والتعرف على ما وصلت إليه عمليات تشييد الطرق والمعابر.

وتحاول إثيوبيا اختبار شكل القرار السياسي والعسكري السوداني إزاء تصعيدها الأخير، لكن الخرطوم بعثت برسالة تفيد بالقدرة على الرد.

وتعرضت دورية تابعة للجيش السوداني قادمة من جبل أبوالطيور إلى قصف بقذائف هاون من قبل قوات إثيوبية في ولاية القضارف الحدودية، ما أكد أن أديس أبابا عازمة على عدم الرضوخ للأمر الواقع الذي تريده الخرطوم.

وقال وزير الدفاع السوداني الفريق ركن ياسين إبراهيم ياسين في تصريحات إعلامية، الاثنين، إن توقيت العمليات العسكرية التي يقوم بها جيش بلاده هدفها نشره في مناطق حدودية مع إثيوبيا، في إشارة إلى عدم الاعتراف بوجود نزاع حدودي أصلا، وأن ما يقوم به الجيش السوداني هو إعادة تموقع.

وترفض الخرطوم الحديث رسميا عن نزاع، ففي رأيها أن المناطق واضحة ومنصوص عليها ضمن اتفاقيات معترف بها دوليا وقعت عام 1902، وكلام أديس أبابا عن مناطق متنازع عليها كان سبباً في تحرك الجيش لفرض سيطرته عليها.

ولم تعد المواجهة منحصرة بين قوات سودانية نظامية وميليشيات الشفتة، بل تحولت إلى مواجهة مع وحدات من الجيش الإثيوبي مباشرة في منطقة الفشقة التي تحظى بأهمية كبيرة لدى عرقية الأمهرة القريبة من الحكومة المركزية وتخوض حربا ضروسا مع رئيس الوزراء آبي أحمد في إقليم تيغراي، ويقتضي الحفاظ على التحالف بينهما أن يتبنى الرجل موقف الأمهرة في الاستحواذ على الفشقة وألّا يتجاوب مع الكوابح الإقليمية.

وتتسلح السلطة الانتقالية في السودان بإرادة عسكرية وسياسية مسنودة بدعم شعبي في هذه المسألة، ترى ضرورة الحفاظ على التراب الوطني وفقاً لاتفاقية ترسيم الحدود.

Thumbnail

ويحظى الجيش السوداني بدعم مجلسي السيادة والوزراء وقوى سياسية عديدة، ما منحه ثقة كبيرة في المضي قدما في تحركاته الجديدة على الحدود، معتبرا أن المصالح المشتركة تعزز تمركزه وليس انسحابه، رافضا الرضوخ لأية مصدات إثيوبية.

ويتزامن التشدد السوداني في ملف الحدود مع تشدد آخر في ملف سد النهضة، حيث تطالب الخرطوم بضورة التوقيع على اتفاق ملزم لتقاسم المياه بما لا يضر بمصالح جميع الأطراف، وعدم الخضوع لمنهج إثيوبيا في ممارسة الغطرسة والمماطلة.

وربط الفريق الركن ياسين إبراهيم بين ما يدور في مفاوضات حول سد النهضة ونزاعات في منطقة الفشقة، والعامل المشترك في القضيتين هو “المماطلة”، وما يمكن قبوله هو وضع العلامات على الحدود المرسّمة مسبقاً ليعرف كل طرف مسؤولياته.

وقال المحلل السياسي السوداني عبدالمنعم أبوإدريس، إن “الاشتباكات الحدودية تحدث بين حين وآخر، والقصف الذي وقع ليس جديداً على الطرفين، وهناك استعداد ظاهر لتخفيف حدة التوتر، وقد تأخذ الأمور طريقها نحو التهدئة قريبا من خلال وسطاء”.

وأوضح في تصريح لـ”العرب”، أن ثمة رغبة من قبل بعض الأطراف على الجانبين (لم يسمّها) بالذهاب نحو التصعيد العسكري إلى مدى بعيد، لكن في ظل ما يتداول من حلول سياسية يمكن طرحها على الطاولة قد يتشكل مدخل مناسب لتسوية الأزمة.

ولفت إلى أن الأوضاع الأمنية الصعبة في البلدين قد تكون كفيلة بوقف عوامل التمادي نحو الصدام اللانهائي، ودعم إمكانية الحل السياسي، وهو ما يتوقف على درجة القدرة في ضبط الحدود وعدم السماح بالانفلات والعودة إلى القواسم المشتركة.

ويمكن لفرص التسوية أن تتلاشى إذا تراجعت لغة المصالح التي سادت لفترة بين الحكومتين وجرى عدم الاعتداد بالموانع الخطيرة للصدام. وفي ظل إصرار كل طرف على التمسك بحساباته الداخلية غير مستبعد أن تنجرف المنطقة إلى تصعيد يصعب تطويقه.

2