الجيش السوداني يغازل الحركات والمدنيين للحفاظ على وضعه السياسي

الفرصة مواتية للتوافق حول استمرار الجيش على رأس السلطة لحين الوصول إلى الانتخابات التي ستكون قابلة للتأجيل.
الخميس 2021/03/25
قوة استقرار

الخرطوم – بدأت الشكوك تتزايد عند بعض القوى المدنية في نوايا تسليم السلطة من قبل المكون العسكري إلى المكون المدني في مجلس السيادة الانتقالي المشترك، وخرجت بعض “الهمهمات” للعلن، حيث تعمد الفريق أول عبدالفتاح البرهان إرسال إشارة مبطنة بشأن مستقبله، أكد فيها أن الشراكة الراهنة مستمرة للحفاظ على وحدة البلاد، ما يبرهن على أن هناك رغبة لدى المؤسسة العسكرية في الحفاظ على وضعها السياسي.

وقال البرهان مباشرة عند مخاطبته الأحد ضباطا وضباط صف وجنودا في المنطقة العسكرية بالخرطوم إن “القوات المسلحة لا ترغب في الانقلاب وتغيير الحكومة، وستعمل على حماية المرحلة الانتقالية وصولا إلى الانتخابات”.

وذهب إلى أبعد من ذلك بتأكيده “أن القوات المسلحة غير طامعة في الحكم، وتعمل بانسجام تام مع شركاء الفترة الانتقالية”، أي قوى الحرية والتغيير وشركاء السلام من حركات الكفاح المسلح، وتريد بناء مؤسسة موحدة تحمي البلاد.

قصي مجدي: القوة الأكبر في ولايات الهامش بعيدة عن مسار السلام
قصي مجدي: القوة الأكبر في ولايات الهامش بعيدة عن مسار السلام

تزامن الخطاب مع تصاعد لهجة الجدل مع إثيوبيا حول أزمتي الحدود وسد النهضة، في وقت يشهد فيه السودان حوارا بشأن تسليم قيادة المجلس السلطة للقوى المدنية عقب مرور نصف المدة، بعد أن ألمح رئيس حركة جيش تحرير السودان مني أركو مناوي إلى عدم استبعاد استمرار الوضع القائم لحين نهاية المرحلة الانتقالية.

ومن المقرر، حسب الوثيقة الدستورية، أن يتولى المكون العسكري قيادة مجلس السيادة الانتقالي لمدة 21 شهرا منذ سبتمبر 2019، على أن يتولي المكون المدني 18 شهرا، غير أن السلطة الانتقالية قررت تمديد المرحلة الانتقالية لتبدأ من نوفمبر الماضي.

ويرى مراقبون أن المؤسسة العسكرية ترتاح لصيغة الحكم الحالية، وأضحت أكثر تقاربا مع القوى المشاركة في السلطة بعد خروج تيار اليسار الذي يمثله الحزب الشيوعي وجزء كبير من تجمع المهنيين السودانيين، والفرصة مواتية للتوافق حول استمرار الجيش على رأس السلطة لحين الوصول إلى الانتخابات التي ستكون قابلة للتأجيل، حال جرى التوصّل إلى اتفاق سلام مع الحركات غير الموقعة على اتفاق جوبا.

ويحلو للبرهان الربط بين موقف الجيش من السلطة وبين الصراع الدائر على الحدود مع إثيوبيا، وحاجة البلاد إلى وجود فاعل للمؤسسة العسكرية يُمكنها من التعامل مع التهديدات الخارجية، ما يجعلها في موقع السلطة بمقتضى الضرورة الوطنية.

وأكد نائب رئيس حزب الأمة القومي الفريق صديق إسماعيل أن الأدوار الفاعلة للجيش ساعدت على العبور بالمرحلة الانتقالية إلى بر الأمان، وهو صمام أمان فترة الانتقال المعقدة ولا يمكن تجاوزها في ظل استمرار المهددات الداخلية والخارجية.

وأشار في تصريح لـ”العرب” إلى أنه “لا يوجد سبب مقنع يدفع القوى المدنية في هذا التوقيت لتنحية المؤسسة العسكرية من على رأس السلطة باعتبارها الوحيدة القادرة على الحفاظ على تماسك وسلامة البلاد ولا مجال للحديث عن اقتسام القيادة وستظل موحدة كما هي لحين نهاية المرحلة الانتقالية، على أن تعقبها شراكة حقيقية بين المؤسسة الوطنية بعد استكمال عمليات دمجها وبين القوى المدنية بالبلاد”.

وأضاف الفريق صديق أن مستقبل الجيش في السلطة مرهون بتوافق داخلي، وحزب الأمة لديه خبرات في تجارب الانقلابات العسكرية ما يجعله قادراً على الوصول إلى صيغة توافقية مع باقي القوى المدنية والجيش لتحديد اختصاصاته السياسية في المستقبل على أن يظل ذلك في إطار الانضباط الدستوري.

ولدى بعض القوى المدنية رغبة في أن يحظى الجيش ببعض المكتسبات التي حققها حتى لا يندفع أفراد فيه نحو انقلاب جديد، غير أن ذلك الطرح لم يحظ بتوافق غالبية القوى التي ترى ضرورة إفساح المجال أمامها لتأسيس دولة مدنية حديثة.

وبرهن حديث سابق لرئيس الحكومة عبدالله حمدوك على إمكانية تمديد المرحلة الانتقالية وأن هناك تماهيا بين القوى المدنية والجيش بشأن مستقبل الحكم، لأن تلك الصيغة يتبناها أيضاً المكون العسكرية الذي يسعى للانتهاء أولاً من عملية ترتيب البيت من الداخل وإعادة بناء القوات المسلحة قبل الوصول إلى مرحلة الانتخابات.

Thumbnail

وتعتقد مكونات ثورية غير مشاركة في السلطة، منها الحزب الشيوعي وتنسيقيات لجان المقاومة، أن مسألة مستقبل وجود الجيش في السلطة تخضع لمساومات سياسية مع قوى تسمى “قوى الهبوط الناعم”، وفي تلك الحالة يصبح المكون العسكري مستمراً في الإمساك بزمام الأمور، حتى وإن كانت هناك انتخابات.

وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم صلاح الدين الدومة إن مغازلة البرهان للمدنيين تؤكد أنه “يبيّت النية للانقضاض على السلطة وتكرار سيناريوهات أخرى شبيهة في المنطقة، وما يعوقه عن تنفيذ ذلك وضعه داخل الجيش، لأنه لا يحظى بشعبية طاغية تمكنه من الاستمرار في الانفراد بالسلطة، وقد يكون الأمر خاضعاً لمعارضة العديد من الضباط الذين لديهم رغبة في أن ينأى الجيش عن المعترك السياسي”.

ولفت في تصريح لـ”العرب” إلى أن الشعب يثمّن أدوار المؤسسة العسكرية ويحترم دورها في الفترة الانتقالية، لكن لا بد أن يكون هناك فصل بين القائمين على رأس السلطة السياسية وبين أفراد تلك المؤسسة، لأن الترقيات والرتب كانت في عهد الرئيس السابق البشير وفقاً للولاءات وليس الكفاءات، وبالتالي ثمة حاجة إلى إعادة ترتيب أوضاع المؤسسة بعيداً عن دوائر السلطة.

ويجابه المكون العسكري في مجلس السيادة خطراً قد يعوق استمراره في السلطة ويدفعه إلى تقديم المزيد من التنازلات للحصول على أفضل قدر من المكاسب، لأنه لم يستطع أن يحظى بشعبية تُمكنه من تحقيق طموحه السياسي.

وأكد الكاتب والمحلل السياسي قصي مجدي أن “الجيوش في القارة الأفريقية اعتادت على الانقلابات العسكرية، وذلك جزء من تكوين أغلبها، وتاريخ السودان المليء بالانقلابات والحروب الأهلية يجعل الجيش يطمح للسلطة، لكن ذلك يتعارض مع مقومات بناء الدولة المدنية التي تتبناها الثورة”.

وشدد في تصريح لـ”العرب” على أن “المكونات التي يغازلها الجيش لا تعبر عن موازين القوى الحقيقية على الأرض، لأن سلام جوبا جرى توقيعه مع حركات ليس لها وزن عسكري لافت، وتبقى القوة الأكبر في ولايات الهامش بعيدة عن مسار السلام، وهي قوى تدعم بناء دولة ديمقراطية فيدرالية علمانية”.

وذكر مجدي أن “ذلك سيكون عملية صعبة لأبعاد ترتبط بوجود إدارة أميركية جديدة ربما تكثف ضغوطها لدعم الديمقراطية في السودان، علاوة على أن الوضع الداخلي لن يسمح بتمرير المخطط بسهولة، وربما تنجم عن ذلك صراعات واسعة النطاق”.

2