الجيش اللبناني انشقاقات فردية

الثلاثاء 2014/10/14

طبعت الانشقاقات الثلاثة عن الجيش اللبناني الحياة السياسية في لبنان مؤخرا. ما يقوله انشقاق كل من عبدالله شحادة ومحمد عنتر وانضمامهما إلى جبهة النصرة، وانشقاق عبدالقادر أكومي وانضمامه إلى داعش خطير للغاية. انضمام أول جندي لبناني إلى صفوف داعش بشكل خاص يشي بحالة من الغضب العارم، والرغبة في الانتقام والثأر، لم تجد متنفسا لها سوى في أحضان التنظيم الأكثر تطرفا وإرهابا.

انشقاق أكومي الذي قيل عنه إنه مريض نفسي، وإنه اعتاد الفرار من الخدمة العسكرية، يعلن أن السياسة انتهت، وأن زمن التعقل والتروي والتسويات قد ولى إلى غير رجعة، وأن هناك مزاجا سنيا عاما قد بدأ بالتشكل كرد حربي وعسكري متطرف على تطرف حزب الله وبشار الأسد. هذه الانشقاقات وإن كانت قد حدثت الآن، إلا أنها قديمة وسابقة بدرجة كبيرة على زمان حدوثها الفعلي. كانت قد جرت إثر حوادث السابع من مايو بالقوة، وتدخل سعد الحريري لمنعها من الانتقال إلى مرحلة الفعل بكل ما يملك من ثقل مادي ومعنوي. بقيت كامنة، وبقي الجمر تحت الرماد، ولكن حزب الله والنظام السوري حرصا، بشكل دائم ويومي، على تغذية النار ورفدها بما يجعلها في حالة اشتعال دائم، وكانت كل لحظة تمر، والجيش لا يزال فيها صامدا، تتطلب جهدا خرافيا على جميع المستويات.

لم يعد بالإمكان الاستمرار في هذا الجهد، بل فقدت كل محاولات إعادة إنتاج الجيش كمؤسسة لبنانية وطنية عامة خالصة الولاء للوطن، كل مصداقيتها عند قسم من اللبنانيين، وعند جميع اللاجئين السوريين. بات مشروع تسليح الجيش وتمويله بالمليارات الخليجية مشكلة سنية- سنية بعد أن كان عنوانا لسجال بين الحريري وحزب الله ومن معه. لم تعد هذه المليارات قابلة لتمثيل عنوان عام لا يستطيع أحد الوقوف في وجهه بشكل علني، دون أن يكون عرضة لإحراج سياسي وأخلاقي حاد ومكلف. صارت عنوانا يحتاج إلى تفسير وإلى تبرير، وإلى صبه في قالب واضح. بات السؤال؛ لمن ستعطى هذه المليارات، وأي جيش سيسلح بواسطتها، سؤالا مطروحا بعلنية لم تكن ممكنة قبل فترة.

تأتي هذه الانشقاقات لتؤكد ما كان الجميع يعرفونه ولكنهم يغضون النظر عنه، ويحاولون ترميمه وتلميعه بالشعر والأناشيد. تقول الحقائق إن الجيش اللبناني الخاضع، إلى حد كبير، لوصاية حزب الله هو طرف في لبنان وليس محل إجماع على الإطلاق.

محمد عنتر في تبرير انضمامه إلى النصرة اتهم حزب الله بقتل العسكريين اللبنانيين في منطقة عبرا قرب صيدا في يونيو من العام الماضي، وإلصاق التهمة بجماعة أحمد الأسير. كان يمكن اعتبار هذا الكلام مجرد صيغة فاقدة للمعنى، لو لم تتراكم وقائع تدعمها وتؤشر بوضوح إلى السعي الدؤوب الذي يمارسه حزب الله لإيقاع فتنة بين الجيش اللبناني والطائفة السنية في لبنان، تمكنه من الظهور بمظهر المدافع عن الشرعية، وتمهد الطريق لانضمامه وبشار الأسد إلى الحرب على الإرهاب الذي يرتدي ثوبا سنيا خالصا. ما كشفه وزير العدل أشرف ريفي مؤخراً من أن الذين قاموا بالاعتداء على الجيش في الشمال يدورون في فلك حزب الله، والغارات التي نفذتها جماعات حزب الله وحركة أمل على اللاجئين السوريين في منطقة الأوزاعي، والتي تمت بتغطية وتغاض من الجيش، تقول بوضوح إن أسباب انشقاق العسكريين السنة عن الجيش اللبناني هي أسباب منطقية وحقيقية، وإن تجاهلها سيتسبب في مشكلة عميقة وخطيرة لا يمكن لأحد التكهن بأبعادها في هذه اللحظة.

يتحدث قائد الجيش عن وجود خلايا نائمة في الشمال، وتفيد تقارير أمنية مخابراتية أوروبية أن هناك أكثر من ألف مسلح لداعش في الشمال، وهم على أتم الجهوزية لمباشرة نشاطاتهم الإرهابية. يتحدث الكثيرون عن بداية دخول لبنان في الزمان الداعشي، وأن أعلام داعش باتت تظهر في أماكن لم يكن من الممكن تخيل ظهورها فيها. لم ينتبه أحد إلى أن داعش لم يكن منتجا أصليا، بل كان مجرد ردة فعل تقيم في الهامش. من جعلها تحتل المتن، كل المتن، كان يظن أنه قادر كما جرت العادة على خلق الطاعون وابتزاز العالم بعلاج يرتدي الآن هيئة حرب على الإرهاب اتضح أنها ليست سوى تماه معه يسمح بمده بشرعية لم يكن يحلم بها.

الانشقاقات عن الجيش اللبناني التي وصفت بالحوادث الفردية، ليست سوى علامات بالغة الدلالة على تحولات خطيرة في المزاج الجماعي السني، ما يؤذن بدنوّ كارثة شاملة.


كاتب لبناني

9