الجيش المصري والمستجدات الأمنية: تطور العتاد والعقيدة ضرورة

تتصاعد خلال الفترة الحالية مهددات الأمن القومي المصري ارتباطا بتصاعد المتغيرات والمهددات الإقليمية التي تشهدها المنطقة، ابتداء بما يحدث في العراق وسوريا ومرورا باليمن وجنوب البحر الأحمر وانتهاء بالأوضاع في سيناء، الأمر الذي يدفع مركز “ستراتفور”، للدراسات الأمنية والاستراتيجية، إلى التساؤل عن مدى استعداد الجبش المصري لتحمّل مسؤولية حماية أمن مصر الذي يعتبر العمود الفقري لأمن المنطقة ككلّ، خاصة بعد انهيار جيش كلّ من سوريا والعراق، وصعود التنظيمات الإرهابية وظهور أنماط جديدة من الصراعات غير المتماثلة أشّرت للدخول لمرحلة الحروب الهجينة.
الخميس 2015/06/18
مصر تحتاج إلى تعديل وضعها الأمني لتصبح قواتها الضخمة أكثر مهارة

القاهرة- حافظت مصر، منذ انتهاء الحقبة الاستعمارية، على أكبر وأقوى جيش في العالم العربي. واعتمدت الدولة المصرية منذ استقلالها، إثر ثورة الضبّاط الأحرار العسكرية، بشكل كبير على الجيش لحماية مصالحها الداخلية والخارجية. وقد مثّل الصراع العربي الإسرائيلي، اختبارا حقيقيا لقدرة الجيش المصري على أداء مهامه الدفاعية الإقليمية، التي تطوّرت أكثر خلال نزاعات نشبت مع ليبيا وأخرى مع السودان، حول ترسيم الحدود الغربية والجنوبية.

وفي الوقت الذي تراجع فيه تهديد الجيوش النظامية الأجنبية في السنوات الأخيرة، ظهرت مخاطر جديدة وغير تقليدية ناجمة بالأساس عن حركات التمرد والتنظيمات الإرهابية.

لكن، ومع تصاعد خطر هذه الأنماط الجديدة، يشكّك مركز “ستراتفور”، للدراسات الأمنية والاستراتيجية الأميركية، في قدرة الجيش المصري على معالجة القضايا الأمنية الراهنة في البلاد، رغم أن القوات العسكرية التقليدية الكبيرة في مصر تعتبر من أكثر العناصر ملاءمة لحماية البلاد ضد التدخل الأجنبي.

ورجّح “ستراتفور” ألا يتمّ التخفيض أو تغيير طبيعة النفقات الدفاعية للدولة المصرية، وذلك بسبب التهديدات الأمنية، وأيضا بسبب الدعوات إلى تكوين قوة عسكرية عربية مشتركة، من المتوقع أن يكون للجيش المصري دور هام فيها؛ هذا بالإضافة إلى أن مصر ستواصل التركيز على تطوير وتعزيز قواتها العسكرية التقليدية لحمايتها من أي تهديد خارجي، أو غزو أجنبي حتى لو كان غير محتمل في الوقت القريب.

الجيوش التقليدية تواجه مخاطر جديدة وغير معتادة تتجسد في حركات التمرد والإرهاب والفاعلين غير الحكوميين

خلال العقود الماضية، احتلّ الصراع المطول بين مصر وإسرائيل صدارة التهديدات. لكن مع مرور الوقت، تضاءل خطر غزو مصر من جانب دولة أخرى. وبات من المستبعد جدا، اليوم، أن تفكر إسرائيل في محاولة شن هجوم على مصر، نظرا لتغير معطيات كثيرة في المشهد الإقليمي، أثّرت على الصراع العربي الإسرائيلي.

وفي الوقت الحاضر، وعلى ضوء الأحداث في المنطقة، تحتاج مصر إلى تعديل وضعها الأمني وأن تصبح قواتها الضخمة أكثر مهارة في التعامل مع الأنشطة الإرهابية. ويتطلب ذلك استثمارات ضخمة في قوات التدخل السريع -التي تمتلكها مصر بالفعل- والمجهزة بأسلحة متطورة ومعدات بصرية ومعدات الاتصالات.

كما ستحتاج هذه القوات إلى أن تكون مدعومة بقدرات استخباراتية ومراقبة واستطلاع عالية. وفي الوقت الذي اتخذت فيه مصر بعض الخطوات باتجاه تجهيز قواتها من أجل شن حملات لمكافحة الإرهاب بشكل أفضل، ما تزال تركز، بشكل كبير، على تعزيز القدرات القتالية التقليدية للجيش.

وعانت مصر، خلال الفترة الماضية من عدم المرونة الواضحة في الجيش، وفق ما جاء في تقرير “ستراتفور”، الذي يقول إنه بدلا من إعادة هيكلة الجيش لجعله أكثر مرونة ومؤسسة قادرة على مواجهة الأنشطة الإرهابية، حافظ الجيش على التسلسل الهرمي المركزي، كما واصل الاستثمار بكثافة في الأسلحة الثقيلة مثل منصات صواريخ أرض-جو، وصواريخ مضادة للسفن والدبابات، والتي قد تكون غير مجدية في مكافحة التهديدات الإرهابية الراهنة.

عقبات أمام تطور الجيش

عبد الفتاح السيسي: الجيش منع مصر من مصير دول أخرى انزلقت نحو المجهول

يرصد مركز “ستراتفور” خمس عقبات رئيسية تواجه تكوين قوة مصرية عسكرية قوية جديدة، في ظل الأوضاع والمتغيرات الحالية وهي:

* تحليل التهديدات العسكرية: لا يزال تقدير الجيش المصري للتهديدات من أكبر العوامل التي تسهم في استمرار التركيز على القدرات التقليدية. ولا شك أن القادة المصريين يدركون أن الإرهاب يشكّل التهديد الأكثر إلحاحا، لكن هذا لا يعني أنها التهديد الأكثر خطورة اليوم. فلا تزال المعارك التي خاضتها مصر في القرن العشرين، بما في ذلك حربي 1967، و1973 مع إسرائيل، تلقي بظلالها على حسابات الجيش.

ورغم أن احتمال شن هجوم تقليدي على مصر حاليا يعتبر أمرا مستبعدا، لكن بما أن الظروف الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط معروفة بتقلّبها فإن القادة المصريين لا يستبعدون تعرضّ بلادهم لهجوم عسكري تقليدي الذي يبقى تهديدا محتملا. بالإضافة إلى ذلك، يحتاج الجيش إلى التخطيط لأي من السيناريوهات الأخرى التي قد تمثل تهديدا وجوديا للدولة المصرية رغم أن استمرار الأنشطة الإرهابية، سواء في شبه جزيرة سيناء أو عبر الحدود الليبية، لا تشكّل تهديدا راهنا لمصر، لكن تبقى مصدر خطر يجب أخذه بحيطة.

* الجمود المؤسسي: تمّ، على مدى عدة عقود، بناء المؤسسة العسكرية المصرية على نحو أمثل من أجل خوض الحروب التقليدية على نطاق واسع. وقد ظهر هذا التركيز في التعليم العسكري والتدريب والأيديولوجيا والعقيدة العسكرية.

* السعي لضمان التفوق: تسعى الدولة المصرية إلى مواصلة تطوير القدرات التقليدية لجيشها في محاولة للاحتفاظ بالتصور الإيجابي حول الجيش المصري، والتباهي بتطوره وكثرة عناصره. فأن تكون قادرا على التباهي بامتلاك جيش من أكبر الجيوش العربية، يمنح الكثير من الوجاهة.

لا شك أن القادة المصريين يدركون أن الإرهاب يشكّل التهديد الأكثر إلحاحا، لكن هذا لا يعني أنها التهديد الأكثر خطورة اليوم

* هيكل السلطة المركزية: يعتبر الجيش المصري، في جوهره، مؤسسة مركزية إلى حد كبير. ويرجع هذا النفور من تقاسم السلطة إلى مخاوف متجذّرة في صفوف القيادة العسكرية من حدوث انقلاب.

وعلى الرغم من أن هذه المخاوف قد يكون لها ما يبررها إلى حد ما، فقد أسفرت الحلول العسكرية، بما في ذلك الانضباط المركزي الضيق، ومستويات الرقابة والإشراف، وتقييد تدفق المعلومات، على جعل الجيش المصري مؤسسة بطيئة الحركة تواجه صعوبة في الرد على الفاعلين غير الحكوميين الأكثر مرونة والذين يهدّدون البلاد.

* المصالح الثابتة: تخلق مصالح الضباط والجنود داخل التركيبة الحالية للقوات العسكرية ضغطا إضافيا على القادة المصريين للحفاظ على الوضع الراهن. فعلى سبيل المثال، عملية التحول إلى قوة أكثر قدرة على مكافحة التمرّد تعزّز قدرات ضباط الصف وقوات العمليات الخاصة على حساب القيادة التقليدية.

توقع المزيد

نظرا للدوافع القوية وراء استمرار التزام مصر بالتركيبة التقليدية للجيش، من المتوقع أن يواصل الجيش المصري مواجهة صعوبات في الصراعات المستجدّة على مدى السنوات القليلة المقبلة.

مصر اتخذت بعض الخطوات باتجاه تجهيز قواتها من أجل شن حملات لمكافحة الإرهاب

ويخلص تقرير المركز الأميركي، إلى أن القوات المسلحة المصرية نجحت في كسر الاحتكار الأميركي لسوق السلاح المصري، حين اتّضح لدى المصريين أن الولايات المتحدة شريك لا يمكن الاعتماد عليه، ووقّعت مصر صفقات أسلحة هامة مع روسيا وفرنسا والصين. لكن، رغم أهمية هذه الصفقات، ورغم الجهود التي تبذلها مصر لتنويع مصادر إمدادها بالأسلحة، ومع زيادة الوثوق والقدرة على المنافسة في الصفقات التي حصلت عليها، تواجه القوات المصرية بعض المعوقات، لعلّ أبرزها أن الجيش المصري مدرّب على استخدام الأسلحة الأميركية، أكثر من غيرها. ويتطلب الانتقال إلى أسلحة مختلفة ومعقدة مزيدا من التدريب العسكري والدعم اللوجستي، ومزيدا من الوقت حتى تتمكن القوات من حسن استخدام الترسانة الجديدة.

ويبقى وضع الجيش المصري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ثابتا إلى حد كبير، من حيث الحجم والقدرة، رغم أن مصر لم تستثمر بشكل ملموس في الأسلحة التي من شأنها أن تغيّر قدرتها وإبراز قوتها، خاصة في مجال القوات البحرية والجوية، حيث يتم التركيز أكثر على القوات البرية.

ومع ذلك، وفي حال توفرت ظروف ملائمة، فإن الدول الحليفة سوف تمنح مصر حق الوصول إلى الموانئ والمطارات والطرق السريعة والنقل الجوي من أجل نشر وصيانة القوات المصرية، وهو ما يمكّنها من التمدد لتصبح قوة كبرى في منطقة الشرق الأوسط.

ونظرا لتنامي العلاقات بين مصر ودول مجلس التعاون الخليجي، فضلا عن الرغبة الملحة في إنشاء قوة عربية مشتركة، قد يصبح هذا الأمر ممكنا بشكل متزايد. ومن خلال تقديم دعم سياسي ولوجستي بما فيه الكفاية، يمكن أن تلعب القوات المصرية، نظريا، دورا هاما في حملة عسكرية في مختلف أنحاء المنطقة.

اقرأ أيضا:

الجيش المصري قاوم تغيير عقيدته وأفلت من مقصلة التفتيت

7