الجيش انقلب على الحكم، فطهر أردوغان الجامعة

المحاولة الانقلابية الأخيرة في تركيا دامت يوما فقط، لكن معاناة الأكاديميين الأتراك بدأت للتو، وستدوم لمدة طويلة، في ظل عملية التطهير الانتقامية التي يقوم بها نظام أردوغان، والتي طالت طرد الآلاف من الأساتذة والمدرسين من الجامعات، وأرغمت عمداء الكليات وموظفين في وزارة التربية على الاستقالة؛ فيما أمر المسؤولون الباحثين التابعين للجامعات التركية والعاملين في الخارج بالعودة إلى البلاد على الفور، مع تهديد ضمني بتهم الخيانة لمن يرفض الامتثال للأمر.
الأربعاء 2016/08/03
أصوات حان وقت إخراسها

أنقرة – طالت حملات التطهير الجارية في مؤسسات الدولة التركية منذ محاولةانقلاب 15 يوليو، الذي فشل في حماية المكتسبات العلمانية للدولة التركية من محاولات أسلمتها على يد الرئيس رجب طيب أردوغان، المدارس الخاصة والجامعات، حيث تم طرد الآلاف من الأكادميين و15 ألفا من العاملين في وزارة التربية، بينما طُلب من أكثر من 1577 عميدا في الجامعة تقديم استقالاتهم.

لكن، إذا كانت هناك من حجة يمكن اعتمادها لتبرير عملية التطهير في صفوف الجيش والمسؤولين في المؤسسات السيادية للدولة، فما هو المبرر لمطاردة أردوغان الأكادميين والجامعيين، لا فقط داخل تركيا بل وحتى خارجها؟

الواضح أن حملات التطهير الجارية بشدة في قطاع التعليم هي جزء من مشاريع سابقة للرئيس التركي لأسلمة التعليم في البلاد. لكن، فاطمة موج غوسيكن، الباحثة في علم الاجتماع بجامعة ميتشيغان الأميركية، تذهب في إجابتها إلى أبعد من ذلك، مشيرة إلى أن “الإجابة على السؤال أعلاه تكمن في التصميم الفريد لمؤسسات التعليم في تركيا”.

تشرح غوسيكن هذا الأمر من خلال العودة إلى تأسيس الجمهورية التركية في سنة 1923، حين تم إصدار قانون يخضع كل المؤسسات التعليمية وخاصة مؤسسات التعليم العالي تحت سيطرة الدولة. وقد عاملت الدولة التركية ومختلف حكوماتها أعضاء هيئة التدريس على اعتبارهم مسؤولين في الدولة. وإلى اليوم يمنح أعضاء هيئة التدريس جوازات سفر بلون مغاير لتمييزهم عن المواطنين العاديين.

وبالرغم من أن مؤسسة التعليم العالي، مثل القضاء، كانت نظريا مستقلة تماما، إلا أن الدولة كانت في الواقع تشرف على التعيينات فيها وتصادق عليها. وفي حين كانت هيئة التدريس الجامعية تصوت لانتخاب رؤساء مجالسها ومديريها وعمدائها، كان تعيين رؤساء الجامعات متوقفا على مصادقة رئيس الجمهورية التركية وكان تعيين العمداء متوقفا على مصادقة مؤسسة التعليم العالي، الخاضعة لسيطرة الدولة.

في سنة 1984، ونظرا للطلب الكبير على دخول الجامعات، بدأت مرحلة التعليم الخاص وتأسست عدة جامعات خاصة غير ربحية. ويقدر اليوم عدد الجامعات في البلاد بحوالي 193 جامعة، 109 تابعة للدولة و84 جامعة خاصة. وقد قوّت الجامعات الخاصة المجتمع المدني وأصبح أفراد هيئة التدريس يساهمون في تحفيز الطلبة على التفكير بشكل مغاير، وانتقاد مشكلات تركيا علنا.

وبالرغم من هذا التغيير، مازال تأثير الدولة في الجامعات العمومية والخاصة واضحا على الساحة الأكاديمية، حيث تمارس الحكومة ضغوطا لتوظيف بيروقراطيين قدامى في الدولة ضمن هيئة التدريس واستضافة مؤتمرات تستدعي إليها أشخاص لهم آراء معينة مساندة لها.

فاطمة موج غوسيكن: الحكومة التركية الحالية مصممة على إسكات القادرين على إنتاج تفكير مستقل. وبما أن أغلب أصحاب هذا التفكير يوجدون في الساحة الأكاديمية سيتم تدميرهم ما لم يتحولوا إلى رعايا طيعين وورعين

تضييق الخناق على الحياة الأكاديمية

يعتبر التحكم في المؤسسات التعليمية مهما في الدول الاستبدادية. لذلك تعتبر المدارس والجامعات مراكز سيادية وجوهرية في تركيا. وتستعين فاطمة موج غوسيكن في هذا السياق بشهادة لبشرى ارسنلي، وهي مختصة في العلوم السياسية، وتدرس الصلة بين الدولة والمعرفة في تركيا، تشير فيها إلى اتخاذ الدولة التركية باستمرار إجراءات تقضي بصبغ كل الكتب المدرسية بخطاب قومي يمجّد الدولة؛ ومثلما كانت المؤسسات التعليمية معاقل للعلمانية في عهد أتاتورك، يعمل الرئيس أردوغان أيضا على استغلال المدارس والجماعات لبدء حركة إعادة إحياء في الدراسات الإسلامية السنية.

وينظر إلى المدارس والجامعات في تركيا كمواقع رئيسية لأي تغيير، اجتماعي بالأساس، لذلك ليس من قبيل الصدفة أن يشكل قطاع التعليم وإنشاء المدارس ركنا رئيسا في حركة فتح الله كولن داخل تركيا وخارجها؛ ولهذا السبب يشن الرئيس التركي حملة ضدّ مدارس كولن، انطلقت من قبل الانقلاب، وتدعّمت بعده بشكل كبير.

وبدأ تضييق الخناق الحالي من الحكومة على الحياة الأكايديمية في سنة 2013 عندما انتخب أردوغان رئيسا للبلاد بعد أن كان رئيسا للوزراء. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية تم التضييق على حقوق الانسان في تركيا بشكل متصاعد. ووصل ذروته إثر العريضة التي وقعها الآلاف من الأكاديميين في يناير 2016 تدعو إلى حل الصراع مع الأكراد بالوسائل السلمية لا العسكرية.

وكان رد أردوغان على العريضة قويا: “ليس هناك من فرق بين إرهابي يحمل بندقية وقنبلة في يده وأولئك الذين يستخدمون عملهم وقلمهم من أجل مساندة الإرهاب. إن إمكانية أن يكون فرد ما نائبا أو أكاديميا أو مؤلفا أو صحافيا أو مدير منظمة غير حكومية لا يغير من حقيقة أن ذلك الشخص إرهابي”. وطلب من رئيس مؤسسة التعليم العالي إجراء تحقيق وأجبر الكثير من رؤساء الجامعات على طرد الممضين. ويذكر أيضا أنه عندما مرر البرلمان الألماني قرار إبادة الأرمن بتصويت سري في 2 يونيو 2016 وجد رؤساء الجامعات أنفسهم مجبرين على إصدار تصريحات للعموم مساندة للسياسة الخارجية التركية.

تطهير الجامعات

إثر محاولة انقلاب 15 يوليو 2016، أصدر الموظفون الإداريون في جامعة غلطة سراي في إسطنبول المعروفة بتبني أفكار كمال أتاتورك العلمانية، أوامر للأساتذة بالإبلاغ عن زملائهم ممن يعتبرون مؤيدين لفتح الله كولن، الذي يتهمه النظام التركي بأنه وراء الانقلاب. وشهدت الجامعة أكبر موجة استقالات لعمداء أكاديميين اتهموا بأن لهم علاقة بمحاولة الانقلاب. ولحماية بقية الأساتذة من إجراءات الطرد والإقالة، نصحهم رئيس الجامعة بكتابة رسائل براءة من أي علاقة بكولن المقيم في أميركا.

وفي جامعة بوسفور الحكومية في إسطنبول، وهي أعرق جامعات تركيا ويعرف الأكاديميون فيها بحرية الفكر، تقول أستاذة فضلت كذلك عدم ذكر اسمها، لوكالة فرانس برس، “لم يقل لي أحد أنا من أنصار كولن ولكن الكل يكره أردوغان”. وتضيف الأستاذة “الناس يشعرون بالحزن والاشمئزاز”، بسبب عملية التطهير “كثيرون فقدوا عملهم، البلاد تسير إلى الوراء”. وتتابع أنها ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها الجامعات للتطهير و”لكن هذه المرة تجري العملية بصورة رسمية. ما يحدث خطير جدا”.

وتطال عملية التطهير التي تقودها حكومة أردوغان البعثات الجامعية في الخارج مثل برنامج إيرازموس الأوروبي أو البعثات إلى أميركا الشمالية. وفي فرنسا قرر عدد من المؤسسات عدم إرسال طلاب إلى تركيا.

على وقع هذه العمليات تتساءل فاطمة موج غوسيكن، أين ستذهب تركيا بعد الآن؟ لتجيب، بمرارة، في نهاية مقالها المنشور على موقع “ذو كونفرسايشين” الأميركي، قائلة “أقضي الكثير من الليالي في سهاد وأنا أشعر بالضبط مثلما شعرت عندما قرأت لأول مرة رواية ‘1984’ للكاتب جورج أوروال. مثل مجتمع أوروال العجيب، يبدو أن الحكومة التركية الحالية مصممة على إسكات كل الناس القادرين على إنتاج تفكير وبحث جديدين ومستقلين في تركيا. وبما أن أغلب أصحاب هذا التفكير يوجدون في الساحة الأكاديمية سيتم تدميرهم كلهم ما لم يتحولوا إلى رعايا طيعين وورعين”.

12