الجيش في عيون المصريين.. المنقذ من شر الإخوان

الخميس 2013/09/05
مصر تتوق إلى «فرعون» يلملم شتاتها

بعد 4500 سنة، لا تزال أهرام الأسرة الرابعة علامة بارزة في مصر الحديثة إذ تجتذب السياح الذين يدرّون على الاقتصاد المحلي دخلا يمثل عشرة في المئة من الدخل القومي في قطاع يوفر فرصة عمل من بين كل ثماني فرص. لكن حكام مصر في العامين ونصف العام الماضيين أخفقوا في جمع شتات أمة تعاني القلاقل مجددا.

قبل عام 2011 كانت أهرام الجيزة، التي تبرز في منطقة صحراوية تطل على القاهرة، وتمثال أبو الهول، الذي بني ليحرسها، آثارا تجذب آلاف الزائرين يوميا مما يدر دخلا بالعملة الصعبة.. لكن في أحد أيام الأسبوع الماضي خلا المكان إلا من مدرّعتين عند بوابة المكان ولم تكن هناك أي سيارة في مرآب يتسع لمئة حافلة سياحية. وداخل غرفة الدفن في عمق هرم خفرع، الذي يبلغ ارتفاعه 136 مترا، لم يكن بصحبة مراسل وكالة رويترز للأنباء سوى تابوت الفرعون المصنوع من الجرانيت.

عندما أقدم الجيش المصري، قبل شهرين، على عزل محمد مرسي، أول رئيس منتخب في انتخابات حرة بمصر، شهدت البلاد حلقة جديدة من القلاقل التي تعصف بها، منذ الإطاحة بحسني مبارك، في انتفاضة شعبية اندلعت في يناير – كانون الثاني 2011.

ابتعد السائحون عن مصر من حينها مع نزول مئات الآلاف وأحيانا الملايين إلى الشوارع كل بضعة أشهر ناهيك عن مقتل المئات منذ أغسطس- آب حين فضت قوات الأمن اعتصامين مؤيدين لمرسي.

وفي القاهرة لم يشغل الزائرون سوى 17 في المئة فقط من الأسرة الفندقية في يوليو – تموز حسب بيانات شركة إس.تي.آر غلوبال لأبحاث الفنادق.. وذلك مقارنة بـ53 في المئة قبل عام و70 في المئة قبل عامين.

وحتى في شرم الشيخ، المطلة على البحر الأحمر، والتي كانت إلى حد كبير بمعزل عن القلاقل السياسية في القاهرة والمدن الكبرى الأخرى تراجعت نسبة الإشغال إلى 49 في المئة من 79 في المئة قبل عامين. وفي الجيزة لم يعد هناك إلا النذر اليسير من الباعة المتجوّلين والمرشدين غير المحترفين الذين كانوا يملؤون المكان يوما ويلحون على السائحين -وأحيانا بشكل فج- لإقناعهم بالشراء منهم أو الاستعانة بهم.

المصلحة أولى من الأمن

يقول المرشد السياحي جوزيف سليم «هذا أسوأ موسم على الإطلاق». قبل أحداث العنف في يوليو- تموز كان الحجز يغطي ما بين 15 و20 يوما في الشهر.

أما الآن فلا يتخطى خمسة أو ستة أيام. ويرى كثير من العاملين بالقطاع السياحي أنه رغم أن الجيش أدار شؤون البلاد لمدة 17 شهرا بعد سقوط مبارك فإن الأزمة التي يمرون بها حاليا ما هي إلا نتيجة أخطاء مرسي وجماعته الإخوان المسلمين.

ويرون أن الحملة التي شنها الجيش على الإخوان -الذين عانوا اضطهادا في العقود الماضية ثم فازوا بسلسلة الانتخابات التي جرت بعد سقوط مبارك- كانت شرا لابد منه للتخلص من جماعة باتت تمثل خطرا.

ويقولون إن وسائل الإعلام الأجنبية بالغت في تصوير مقتل مؤيدي مرسي. وقال سليم «في البداية قلت لنفسي: إنهم أناس ذاقوا العناء. ربما يجتهدون حقا ويتحسن الاقتصاد على أيديهم، لكنهم لم يهتموا بشيء سوى الاستئثار بالسلطة».

وتقول الجماعة إن الجيش أعد العدة لإفشالها وإن ما ينسب إليها من التحريض على العنف ما هو إلا ذريعة لتنفيذ حملة للقضاء عليها.

أما منتقدوها فيقولون إن مرسي فضل المواجهة والاضطراب على الأمن والاستقرار.

الفراعنة أيضا أدركوا أهمية الأمن والأمان فأقاموا مقابرهم على أراض عالية تقيها على مر السنين من فيضان نهر النيل كما وضعوا في حسبانهم طمع الطامعين في النفائس التي كانوا يضعونها فيها استعدادا لحياة ما بعد الموت.

واليوم.. لا يفهم كثيرون سبب اختيار مرسي لعضو في الجماعة الإسلامية، التي سبق وأن رفعت السلاح، محافظا للأقصر التي تضم الكثير من أجمل الآثار الفرعونية والتي تقع على بعد حوالي 500 كيلومتر إلى الجنوب من القاهرة.

وألقيت المسؤولية على الجماعة الإسلامية في مقتل 58 سائحا في معبد حتشبسوت بالأقصر عام 1997 لكنها الآن نبذت العنف الذي لجأت إليه يوما سعيا لقيام دولة إسلامية. وأغلقت منطقة الأهرام تماما يوم الجمعة الماضي حين قام مؤيدو الإخوان باحتجاجات في أنحاء مصر.

الرئيس الفرعون

يقول الباعة في المتاجر والباعة الجائلون إنهم كانوا جميعا يساندون مرسي ويحترمونه لأن كما يقول سليم «رئيس مصر مازال أشبه بالفرعون.. لا يمكنك أن تقول عنه ما لا ينبغي قوله».

لكن سرعان ما أثار مرسي قلق الكثيرين في أنحاء بلد يضم طوائف مختلفة وبه درجات متباينة من الالتزام الديني.

قال سليم إن مرسي «تحدث بأسلوب مختلف تماما. قال (سأضحي بحياتي من أجل مصر). تحدث كثيرا عن الدم. وهذا أثار قلقنا.» وسليم من أقباط مصر.. لكن زملاءه من المسلمين صدقوا على كلامه.

وإذا لم يكن مرسي هو الزعيم الذي تاق إليه المصريون.. فمن عساه يكون ذاك الزعيم؟ ربما كان نسخة معاصرة من الملك القائد رمسيس الثاني الذي أمسك بزمام الحكم بيد من حديد.

يرى كثير من المصريين أن الجيش هو المؤسسة الوحيدة القادرة على تسيير الأمور. كان الجيش هو منبت حكام مصر منذ عام 1952 وهو أقرب ما يكون في مصر الحديثة من الأسر الفرعونية. وهو يسيطر على إمبراطورية أعمال يشتغل بها عدد كبير من المتعاقدين المدنيين.

"السيسي منقذنا"..

من يرون أن الأمن هو مفتاح الفرج بالنسبة إلى السياحة يكنون قدرا كبيرا من الإعجاب للقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح السيسي الذي عزل مرسي ويبدو الآن أنه يسعى لسحق الإخوان المسلمين.

يقول إبراهيم علي (35 عاما) في متجر يعرض منتجات من أوراق البردي على السائحين في الجيزة «الناس يحبونه لأنه المنقذ». ويمضي قائلا «إنه رجل رائع.

يتحدث إلينا كمصري… نثق بالجيش. العلاقة بين الجيش والشعب شبه مقدسة».

وفي متجر قرب الأهرام يبيع المنتجات المصرية القطنية قال إثنان من الباعة إن التجارة تقلصت بنسبة 95 في المئة خلال ثلاث سنوات.

وفي نفس واحد قالا «إن شاء الله سينقذ الجيش الشعب».

7