الجيش لم يعد حامي العلمانية في تركيا

وجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضربة قوية لعلمانية تركيا عبر قرار إلغاء حظر الحجاب داخل المؤسسة العسكرية التي أصبحت بذلك آخر مؤسسة تطالها تعديلات الحكومة الإسلامية التي ولئن أقرت هذه الخطوة في عدة قطاعات سابقا، إلا أن الإجراء الأخير يتسم بطابع رمزي كبير، حيث أن الجيش التركي يعتبر حامي العلمانية في البلاد منذ تأسيس الجمهورية.
الخميس 2017/02/23
السير على خطى الرئيس

أنقرة - يجمع المختصون في شؤون تركيا على أن السماح للمحجبات بممارسة وظائفهن داخل المؤسسة العسكرية التركية يعتبر حدثا مفصليا في سياق الأسلمة التي يسعى إليها حزب العدالة والتنمية الحاكم.

وأعلنت وزارة الدفاع التركية، الأربعاء، أن بإمكان الضباط والأفراد الإناث بالجيش التركي ارتداء غطاء الرأس (الحجاب) خلال أدائهن لوظائفهن في الوحدات العسكرية، مع الالتزام بألوان الزي العسكري.

ولم يعرف ما إذا كان هذا التعديل الذي يدخل حيز التنفيذ فور نشره في الصحف الرسمية، يشمل النساء اللواتي يشاركن في مهام قتالية.

ويلفت هؤلاء المختصين إلى أن القرار الصادر عن وزارة الدفاع التركية في هذا الشأن يمثل اختراقا لثوابت العلمانية التي ظلت ملتصقة بالمؤسسة العسكرية، ناهيك عن أن هذه المؤسسة بالذات هي المدافع الأول عن الأتاتوركية التي أرساها مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة وجعلها دستور تركيا الحديثة.

وذكرت وكالة الأناضول التركية للأنباء، نقلا عن مصادر في وزارة الدفاع التركية، أن وزارة الدفاع أعدت لائحة تعديلات بشأن لباس القوات المسلحة التركية. ومن المنتظر دخول التعديلات الجديدة حيز التنفيذ عقب نشرها في الجريدة الرسمية.

وترى بعض الأوساط المراقبة أن مسألة ارتداء الحجاب باتت سلوكا مسموحا في الفضاءات التركية العامة، لكن انسحاب ذلك الأمر على الجيش التركي، لا سيما للفرق المرتبطة منها بالوظائف العسكرية، يعكس عزما من قبل النظام السياسي التركي على المضي قدما في مسألة الأسلمة على نحو لم تعرفه البلاد منذ عقود.

وترى مصادر تركية مطلعة أن حكومة حزب العدالة التنمية تسعى إلى إرساء تقاليد اجتماعية جديدة تخفف من حدة التيارات العلمانية السياسية والفكرية والاجتماعية التي تدافع عن العلمانية التركية.

السماح بارتداء الحجاب في الجيش التركي يتسم بطابع رمزي كبير إذ أنه كان حامي العلمانية في البلاد

وتعتقد هذه الأوساط أن الأسلمة هي الأداة التي يستخدمها الحزب الحاكم من أجل المزيد من التمكن داخل أجهزة الدولة، ليس فقط ضد التراث العلماني للدولة العميقة في البلاد، بل من أجل منافسة ما يطلق عليه في تركيا “الكيان الموازي” الذي يقوده الداعية التركي فتح الله غولن (الموجود في بنسلفانيا بالولايات المتحدة)، والذي يتهمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالوقوف خلف محاولة الانقلاب التي جرت في شهر يوليو الماضي.

بيئة إسلاموية تركية

شرعت الحكومات التركية المتعاقبة في ظل حكم حزب العدالة والتنمية في الأعوام الأخيرة في تيسير القواعد التي تحظر الحجاب في المؤسسات الحكومية.

وكان قد تم في العام 2013 السماح للموظفات في الجهاز الحكومي للدولة بارتداء الحجاب، كما تم السماح العام الماضي للنساء من أفراد الشرطة والعناصر المدنية في الجيش بارتداء الحجاب.

وتكشف بعض المصادر الغربية المتخصصة في الشأن التركي أن حزب العدالة يواجه خصمين متناقضين: الأول يمثل تحالفا من الأحزاب والتيارات والجمعيات التركية العلمانية إضافة إلى منظمات المجتمع المدني التي لطالما اصطدمت بتدابير الأسلمة التي يسعى أردوغان وصحبه إلى فرضها بشكل تدريجي على المجتمع التركي، لا سيما داخل المؤسسات التربوية.

أما التيار الثاني فتمثله تيارات إسلامية متعددة تقترب وتبتعد من النظام السياسي التركي الراهن. وتفصح هذه المصادر عن تحالف كان يجمع تيار غولن بتيار أردوغان في السعي المشترك للوصول إلى السلطة في البلاد، وأن التنافس داخل هذه السلطة هو ما أدى إلى هذا الصدام الموجع بين الطرفين.

لكن هذه المصادر تتحدث عن بيئة إسلاموية تركية ترعرعت في عهد الحزب الحاكم، أباحت التسامح بالتعامل مع كل جماعات الإسلام السياسي في المنطقة، ابتداء بجماعة الإخوان المسلمين مرورا بجبهة النصرة في تونس وانتهاء بداعش.

وفيما تنقلب بعض الجماعات الجهادية، كما تيار غولن ضد نظام حزب العدالة والتنمية، إلا أن حكومة بن علي يلدريم حريصة على الاستظلال بالسقف الإسلامي في معركتها الحالية ضد خصومها الإسلاميين والعلمانيين على السواء.

لكن مصادر في حلف شمال الأطلسي تنظر بعين القلق إلى ما تعتبره اختراقا إسلاميا لجيش أحد الحلفاء الأساسيين في الحلف، خصوصا أن الجيش التركي لطالما اعتبر حامي حمى العلمنة في تركيا.

وترى هذه المصادر أن محاولة الانقلاب في الصيف الماضي تعكس تضعضعا داخل صفوف الجيش التركي وانقسامه حيال الموقف من النظام السياسي التركي.

"أسلمة" في كل الاتجاهات

الجيش حامي النظام

تضيف هذه المصادر أنها لا تعلّق كثيرا على مزاعم أنقرة بانتماء التيار الانقلابي داخل المؤسسة العسكرية إلى تيار غولن، لكنها تلمس نزوعا رسميا نحو تدجين الجيش التركي وجعله مؤسسة تابعة للحزب الحاكم وحامية لنظام الرئيس أردوغان الذي سيمنحه الدستور الجديد صلاحيات واسعة لحكم البلاد.

وكان رئيس البرلمان التركي إسماعيل قهرمان قد دعا في أبريل الماضي إلى دستور ديني لتركيا. ولاقت الدعوة ردود فعل مستنكرة، ذلك أنه لم تجرؤ قبل ذلك أي شخصية أو تيار أو حزب على الذهاب إلى هذه الدرجة في مسألة الأسلمة في البلاد.

وقامت قوى المعارضة آنذاك ممثلة بحزب الشعب الجمهوري برئاسة كمال كليجدار أوغلو وحزب الحركة القومية بزعامة دولت باهجلي وحزب الشعوب الديمقراطية بزعامة صلاح الدين دميرداش، بانتقاد تصريحات قهرمان، واعتبرت أنها تمثل سعيا علنيا لإقامة دولة إسلامية في البلاد تتسق مع طموحات أردوغان السلطانية.

وكان لافتا أن موجة الاستنكار التي وجهت بها تصريحات رئيس البرلمان أدت إلى تنصل الرئيس أردوغان سريعا من تصريحات قهرمان، معتبرا أنها تمثل رأيا شخصيا ولا يعكس رؤى الحكومة وحزب العدالة والتنمية.

وترصد منابر المعارضة التركية تحولا داخل المؤسسة العسكرية لصالح الاتساق مع سياسات أردوغان وحكومة بن علي يلدريم.

وتعزو هذه المنابر الأمر إلى حالة الضعف التي أصابت هذه المؤسسة على مدى سنوات حكم الحزب الحاكم وصولا إلى حالة التصفية الداخلية التي نالت من الجهاز العسكري والإداري للجيش التركي، والتي وجدت تبريرا مريحا لها منذ محاولة الانقلاب.

ويرى خبراء للشؤون التركية أن النظام السياسي التركي مازال قلقا من محاولات انقلاب قد يقوم بها الجيش ضد نظام الحكم في البلاد.

ويعتبر هؤلاء أن خوض الجيش التركي الحرب ضد حزب العمال الكردستاني وانخراطه في حملة “درع الفرات” في شمال سوريا واحتمال توسع هذه الحرب لتشمل الرقة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، كلها عوامل ستزيد من اعتماد الحكم التركي على المؤسسة العسكرية وهو ما يفسّر سعي النظام في أنقرة للإمساك بكافة المفاصل الداخلية، والذي يعتبر السماح بارتداء الحجاب داخل صفوفه مظهرا يعكس مضمونا يتم الاشتغال عليه داخل كافة مستويات وقطاعات الجيش التركي.

7