الجيش مهندس السياسات وصانع الأنظمة في الجزائر

تعيش الجزائر منذ مدة، حالة طوارئ، غير معلن عنها بشكل رسمي، لكن توحي بها الاضطرابات السياسية الداخلية والخلافات حول الرئيس المريض عبدالعزيز بوتفليقة، وتصاعد القلق نتيجة تراجع أسعار صادرات النفط والغاز، التي تعد من الدعائم الأساسية للدولة، والأوضاع غير المستقرة في دول الجوار، ما يضع الجيش الجزائري، الفاعل الأساسي للحسم في مصير الدولة، في حالة تأهب قصوى.
الخميس 2016/10/13
اجتماعات شكلية

يُجرُّ الجيش الجزائري اليوم إلى ساحة السياسة كرها، وإن بدا شريكا فاعلا حينا وصانعا للرؤساء أحيانا أخرى؛ والسبب في ذلك أن من يحكمون البلاد في الوقت الراهن، أو يطمحون إلى حكمها مستقبلا، يريدونه داعما لهم، لأنهم عبر موافقته بالقبول أو الرفض يعرفون نتائج الانتخابات، وحين يفشلون يحمّلونه مسؤولية ما آل إليه مصيرهم السياسي.

بهذه الصيغة، يحق للكثير من المراقبين اعتباره الحاكم الأول في الجزائر، وقد يكون هذا صحيحا إذا استندنا إلى خطابات الأحزاب الجزائرية، أو إذا عدنا إلى دراسة التغيرات على مستوى صناعة القرار، لكن الظاهر من الخطاب على السطح، ليس بالضرورة مدخلا للدور الاستراتيجي للجيش الجزائري، بل هو مجرد تكتيك خاضع للتغير السريع أحيانا، بل وللنفي أحيانا أخرى، وفي الجوهر والباطن، تتم مناقشة وطرح المسائل الكبرى الخاصة بالوطن، وهي ذات طبيعة استراتيجية.

وتبعا لما سبق، يمكن القول إن تحليل الظاهر من مواقف الجيش الجزائري، بما فيه تأويلات المحللين والمثقفين وأحاديثهم، لا يؤسس عليه لمعرفة الدور الحقيقي للجيش الجزائري، ليس في السياسة فقط، ولكن في كل القضايا المتعلقة بمصير الدولة.

الجيش هو الفاعل الأساسي للحسم في مصير الدولة الجزائرية خاصة في القرارات ذات الطابع السيادي

تجربة العقود

يعود عدم التعويل على الظاهر من مواقف المؤسسة العسكرية في الجزائر إلى أمرين؛ الأول أن الجيش لا يزال المالك الوحيد للمعلومات الخاصة به، ولا يقصد بها صفقات الأسلحة شراء واستعمالا، وإنما القرارات المصيرية التي تتعلق بمسار حركة الأحداث، ولذلك لا يعوّل كثيرا في التحليل على ما نراه من علاقات حقيقية أو وهمية بين الجيش والأحزاب بما في ذلك الحزبين الكبيرين جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي.

والأمر الثاني أن تجربة العقود الماضية، منذ الاستقلال إلى الآن، والتي تعمّقت أكثر خلال العشرية السوداء، جعلت الجيش يدرك أن السياسيين يستنجدون به في معاركهم مع المجتمع ثم يتركونه وحيدا في المواجهة، وقد كلفه ذلك كثيرا، حتى أنه كاد أن يفقد وجوده الشرعي خلال سنوات الإرهاب، وحمّلته قوى داخلية وأخرى خارجية مسؤولية المجازر التي ارتكبت في سنوات الأزمة. وإذا سلمنا بالرأي السابق القائم على عدم اتخاذ الظاهر من مواقف مرجعيّة، أو على الأقل اعتباره مجرد تكتيك مرحلي، فإننا مطالبون بالبحث في دوره محليا وإقليميا بناء على معلومات حقيقية تم استقاؤها من جهات مطلعة داخل الجيش أدلت بها لـ“العرب” في محاولة منها لإظهار موقف الجيش من وقائع مؤسساتية محتمل حدوثها قبل نهاية السنة الجارية، منها على سبيل المثال؛ تغيرات منتظرة على مستوى الرئاسة، ودعم أحد الأحزاب الكبرى للفوز الكاسح في الانتخابات المقبلة المزمع إجراؤها في مارس المقبل، وإعادة النظر في العلاقات مع دول الجوار، وفي العموم، فإن المعلومات تقدم إجابات لثلاثة أسئلة رئيسية، وهي:

* ما هي استراتيجية الجيش الجزائري على المستويين المحلي والإقليمي لمواجهة الأحداث الراهنة؟

* كيف يرى الجيش الجزائري مستقبل دولته، وكيف سيكون وضعه فيها؟

* هل يستعدّ لحرب متوقّعة؟

يشير مصدر مطلع إلى أن الجيش الجزائري يبدي مخاوف حقيقية من شطط البعض من السياسيين، والذي وصل، أحيانا، إلى حال من السَّفه، من ذلك التصريحات الأخيرة للأمين العام لجبهة التحرير الوطني عمار سعيداني، حيث أقحم قيادات سابقة؛ الجنرال توفيق مدير المخابرات السابق، في أحداث غرداية بين الإباضية والمالكية التي وقت السنة الماضية، وكذلك طعن في شرف عائلات قادة سياسيون منافسون له.

ويذهب المصدر السابق إلى القول “يرى الجيش في ذلك تلهية للجبهة الداخلية، مما قد يفرز إرهابا من نوع آخر في الأيام القادمة، لذلك يعمل بهذا الخصوص على مسارين؛ تحريك قوى سياسية واجتماعية نحو رفض هذا النوع من الخطاب، والاحتكام للقانون ولسلطة مؤسسات الدولة وليس للأفراد والأحزاب، أي أن يرفض فض الخصومات أو الصراع عبر الخطاب السياسي وتأجيج مشاعر الجماهير”.

الجيش لا يزال المالك الوحيد للمعلومات الخاصة به منها القرارات المصيرية التي تتعلق بمسار حركة الأحداث

وبالتوازي مع ذلك، يخوض الجيش سباقا مع الزمن لمواجهة تحركات الشارع نتيجة التداعيات المحتملة لانخفاض أسعار النفط، وحتى لا تتكرر أحداث سنة 1988، وما تبعها من تغيرات سياسية وسنوات دم، لذلك فهو من ناحية يعول على ارتفاع أسعار النفط، ومن ناحية أخرى يسعى لتوضيح دوره في حفظ الأمن، حتَّى لا تتمكن التنظيمات الإرهابية من زرع ثقافة العنف من جديد. وتقوم استراتيجية الجيش الجزائري على مستوى الجبهة الداخلية على رؤية أساسية، وهي أن تكون الجزائر دار أمان بالنسبة إلى أهلها، صحيح أن هذا سيسحب من دوره وحمايته للدولة وسيادتها في حال نشوب حرب مع عدو خارجي، أو عند تمدد الإرهاب من الدول المجاورة، ولكنه لا يملك خيارا آخر، مادامت تجربة السنوات الماضية قد حملته أعباء المؤسسات الأخرى.

على الصعيد الإقليمي، لدى الجيش الجزائري مخاوف وتطورات واستحقاقات، تفرضها طبيعة المرحلة، فبالنسبة إلى المخاوف، مردها الوضع المأساوي في ليبيا، ودخول فاعلين ولاعبين جدد في ليبيا ومالي، والعمليات الإرهابية المتفرقة في تونس، سواء تلك التي تقع على الحدود المشتركة، أو تلك التي تحدث في العمق.

وبالنسبة إلى التطورات هي تدخّل فرنسا والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وتركيا وقطر عسكريا وسياسيا في الشأن الليبي، ووقوف مصر إلى جانب الجيش الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر، والحرب مع داعش في ليبيا وتونس، وإنشاء قواعد عسكرية في المنطقة. أما الاستحقاقات، فأهمها الدور المتنامي للتيار الإسلامي السياسي في تونس والمغرب، خاصة بعد فوز الإسلاميين في المغرب، بما يتوجب ذلك من دعم للأحزاب الإسلامية الجزائرية في الانتخابات المقبلة.

ويعمل الجيش الجزائري ضمن خطته الاستراتيجية على إنهاء المخاوف من خلال التواجد الجزائري الدبلوماسي أولا، والتنسيق الأمني والعسكري مع القوى الفاعلة ثانيا، خاصة الحكومات الشرعية، وعلى التفاعل مع التطورات والاستحقاقات بما يحقق شكلا من التعاون المثمر على الصعيد الإقليمي، وفي هذا الإطار يدور الحديث حول تحسن مُنْتظر في العلاقات الجزائرية ـ المغربية.

المقاومة وحرب العصابات

لكن كيف سيتمكن الجيش الجزائري من تطبيق خطته الاستراتيجية لمواجهة الأحداث على الصعيدين المحلي والإقليمي؟ الإجابة تتحقق من خلال دوره داخل الجزائر أولا، واستعداده لحرب متوقعة في حال تطورت الأحداث على المستوى الإقليمي ثانيا.

الجيش الجزائري ضمن خطته الاستراتيجية على إنهاء المخاوف من خلال التواجد الجزائري الدبلوماسي أولا، والتنسيق الأمني والعسكري مع القوى الفاعلة ثانيا

بالنسبة إلى دور الجيش الداخلي فهو الفاعل الأساسي للحسم في مصير الدولة الجزائرية، خاصة في القرارات ذات الطابع السيادي، ولا يمكن لأي مسؤول جزائري، بمن في ذلك الرئيس أن يتخذ قرارا دون موافقته. والتغيرات التي أحدثها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وأبعد من خلالها بعض القادة أو غيّر مواقعهم، تمت تحت إشراف قيادة الأركان، ودون تلك القيادة ما كان في مقدور أي رئيس في الماضي، باستثناء هواري بومدين، ولا حتى في الحاضر، أن يتخذ أي قرار يحدد المواقف والتوجهات الكبرى للدولة الجزائرية.

يرى بعض القادة العسكريين في تمدد سلطة الجيش على المستوى الشعبي، خاصة بعد مطالبته بالتدخل لحسم خلافات محلية هي من مهام وزارة الداخلية، تحملا لأعباء ومسؤوليات إضافية هو في غنى عنها، لأنه في حال فشله سيكون محل انتقاد من كل الأطراف المحلية والخارجية على غرار ما حدث في سنوات الإرهاب، حين اتهم بقتل المدنيين، وبارتكاب جرائم حرب، ولهذا يصر فريق داخل الجيش، على إبعاده عن السياسة.

غير أن انشغالات الجيش الراهنة بالعمل المدني، بالإضافة إلى مهمته الأساسية في الأعمال العسكرية، لا تثنيه عن التحضير لحرب عسكرية محتملة قد تفرض عليه على غرار ما شهدناه في العراق وليبيا وسوريا، فالجيش الجزائري يرى أن ثروات بلاده وموقعها ومساحتها لا تزال عوامل جذب للأطماع الأجنبية، ومن هنا يأتي تسليحه المتواصل دون أن تكون ضمن خطته حرب محتملة بين الجزائر وجيرانها؛ خاصة وأنه يرى في التحالفات العسكرية الكبرى، مثل حلف الناتو، الخطر الأكبر، والجيش الجزائري لا يراهن على مساعدة أيّ قوة في العالم في حال نشوب حرب بينه وبين عدو خارجي، لكنه يرى في الجبهة الداخلية الخزان البشري، وقد يعود ذلك إلى كونه جيشا نظاميا بخلفية المقاومة وحرب العصابات.

كاتب وصحافي جزائري

6