الجيش والأقباط ورجال الأعمال.. أضلاع اللعبة السياسية المصرية

السبت 2013/11/16
الإخوان ساروا على درب مبارك لتحقيق مصالحهم السياسية والشخصية

ساهمت ممارسات الإخوان المسلمين لدى تسلّمهم الحكم في تأليب الشارع المصري وغضبه من التغييرات التي أقرها الرئيس المعزول محمد مرسي، والتي مست أجهزة الدولة الحساسة، وهي أفعال تنم حسب مراقبين عن انعدام خبرة وضآلة قدرات لحركة لم تعرف تجربة حكم قبل ذلك ولم تقدر حجم مسؤولية كبيرة قدر اهتمامها بخدمة مصالح تنظيمها.

لم يكن الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس المصري المعزول محمد مرسي في 22 نوفمبر –تشرين الأول 2012 قضية إجرائية أشعلت خلافا سياسيا بين النظام والمعارضة، لكنه مثل انهيارا فعليا للشرعية الدستورية والمشروعية الشعبية اللتين قام عليهما نظام مرسي، بعد أن أصبح أول رئيس مدني منتخب انتخابا حرا.

تمحور الإعلان الدستوري في مضمونه حول ترسيخ دعائم السلطتين التشريعية والتنفيذية بعد حل مجلس الشعب طبقا لقرار المحكمة الدستورية العليا في مؤسسة الرئاسة، وتعطيل السلطة القضائية وعدم السماح لها بالتدخل في القرارات الصادرة عن الرئاسة باعتبارها قرارات سيادية.

وكانت التظاهرات التي خرجت وأحاطت بقصر الاتحادية الرئاسي رفضا لذلك الإعلان الدستوري، هي البداية الحقيقية لموجة الثورة الثانية التي اشتعلت لاحقا في 30 يونيو الماضي وأطاحت بالرئيس وبنظام الإخوان.

أدت محاولات التنظيم للسيطرة على المؤسسات الرسمية للدولة، وإعادة هيكلة الخريطة الاجتماعية في مصر، إلى تحريك الكيانات والطبقات التي طالما قادت المجتمع المصري سياسيا، وحدّدت الأركان التي كان يقوم عليها الشكل العام لهذا المجتمع قبل 23 يوليو 1952 من جديد. وتمثلت هذه الكيانات في الأجهزة الأمنية والأقباط والطبقة الأرستقراطية ورجال الأعمال، بالإضافة إلى المثقفين والنخبة السياسية.

فإذا تم توزيع هذه الكيانات والقوى المجتمعية على أضلاع مخطط للرسم البياني، فيمكن وضع الأجهزة الأمنية والأقباط على يمين ويسار الضلع الأفقي، باعتبار أن دور هاتين القوتين دائما ما كان حاضرا على الساحة السياسية المصرية في تاريخها الحديث، واحتلال طبقة رجال الأعمال والنخبة للركنين العلوي والسفلي في الضلع الرئسي، لتغير تأثير هاتين القوتين من حيث القوة والضعف خلال التطورات التاريخية المتلاحقة التي شهدتها البلاد.


الأجهزة الأمنية


مثلت أجهزة الأمن اللاعب الرئيسي على المسرح السياسي المصري مع الأحزاب الليبرالية في حقبة الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، وكان قسم «البوليس السياسي» الذي تحول فيما بعد إلى المباحث العامة، ثم مباحث أمن الدولة وأخيرا الأمن الوطني هو السقف الحديدي الذي يجب أن ينتهي عنده مشوار جميع التنظيمات السياسية في ذلك الوقت، بدءا من الإخوان المسلمين ووصولا إلى الأحزاب والكيانات الشيوعية.

رغم إزاحة التنظيم من على رأس السلطة، تظل خريطة المجتمع المصري وقواه المتحكمة في حاجة إلى إعادة هيكلة

وكانت حركة «الضباط الأحرار»، التي قادها جمال عبد الناصر ومحمد نجيب، نقطة التحول التي عصفت بدور الأحزاب الليبرالية (كحزب الوفد) التي ملأت الفراغ السياسي في عهد الملك فاروق، واستدعي معها الجيش ليهيمن على هذا الفراغ، من خلال الاندماج بين مؤسسة الرئاسة، أعلى مؤسسات الدولة، وبين القوات المسلحة، أقواها على الإطلاق.

استمرت هذه السيطرة من قبل الجيش وأجهزة الأمن الداخلي على مجريات الأحداث السياسية حتى بعد إطلاق أنور السادات عام 1976 لما عُرف وقتها بـ «المنابر» السياسية، عقب تراجع دور الاتحاد الاشتراكي، وإعادة النظر في سياسة مصر الخارجية، والتوجه نحو الولايات المتحدة وتمزيق ورقة الاتحاد السوفيتي.

ولم يكن الجيش بعيدا عن تلك التفاعلات السياسية التي كانت تشهدها البلاد، فقد اختار السادات مصطفى كامل نبيل، أحد الضباط الأحرار، ليكون على رأس منبر اليمين، الذي تزعمه حزب الأحرار الاشتراكي.

ووضع على قمة منبر اليسار ضابطا آخر من الضباط الأحرار، هو خالد محيي الدين، فنشأ حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، الذي أراد له السادات أن يكون تجمّعا للماركسيين، ولكنه سرعان ما اجتذب الناصريين والقوميين ومختلف قوى اليسار.

ولعبت الأجهزة الأمنية دورا كبيرا في اختيار المسؤولين في مؤسسات الدولة المختلفة منذ عصر عبد الناصر وحتى سقوط نظام مبارك (وربما حتى الآن)، فيما بقيت المناصب السيادية والحساسة دائما في يد العسكريين، وشكل تحالف المجلس العسكري والإخوان المسلمين بعد الثورة ضمانة للحفاظ على هذه التقاليد وترسيخها في المستقبل.


الأقباط (الكنيسة)


منذ ما قبل ثورة 1919 مثّل الأقباط كتلة سياسية مهمة ساهمت في تشكيل التوجهات العامة للمجتمع المصري، وكانت الكنيسة القبطية دائما في مركز الحراك السياسي القبطي، ولعبت دورا محوريا في صنع هذه التوجهات وتحريكها من داخل إطارها الروحي. وكانت علاقة الأقباط مع النظم المتعاقبة على حكم مصر تتناسب طرديا مع مؤشر علاقة الكنيسة مع تلك الأنظمة، وشهدت مراحل متعددة من الصعود النسبي أحيانا والهبوط الحاد في أحيان أخرى.

أدرك تنظيم الإخوان المسلمين معادلة القوة في المجتمع المصري، وبدأ منذ سقوط نظام مبارك في التعامل معها، طبقا لقوة وتأثير كل عنصر من عناصر هذه المعادلة

ومثل الخلاف الكبير الذي حدث بين الرئيس الأسبق أنور السادات والبابا شنودة الثالث إحدى أهم مراحل هذا الهبوط الذي شهدته العلاقة بين الأقباط بصفة عامة من جهة، والنظام من جهة أخرى.

لكن العام الذي حكم خلاله الرئيس المعزول محمد مرسي شكل المرحلة الثانية من تدهور هذه العلاقة، وكانت اتهامات التنظيم الموجهة باستمرار إلى الكنيسة باعتبارها المحرك الرئيسي الذي يقف وراء الاحتجاجات الشعبية المناهضة لحكم الإخوان، وأن «النصارى» هم من وضعوا حمدين صباحي وأحمد شفيق في المنافسة مع مرسي أثناء الانتخابات الرئاسية، إلى جانب الاعتداء لأول مرة في تاريخ مصر الحديث على المقر الرئيسي للكاتدرائية في حي العباسية بالقاهرة.

كل هذه العوامل كانت سببا في مشاركة الأقباط فعليا في تظاهرات 30 يونيو ضد الإخوان المسلمين، بنفس الأعداد والتنظيم الذي شاركوا به في ثورة 25 يناير 2011 لإسقاط نظام مبارك.

وعلى الرغم من عملية الحلحلة في التوجهات السياسية القبطية، التي يقودها الشباب القبطي لتبتعد هذه التوجهات عن الكنيسة وتترك التفاعلات الاجتماعية العامة لتحدد وجهتها، إلا أن الاستحقاقات الانتخابية المنتظر إجراؤها في مصر المتمثلة في الاستفتاء على الدستور والانتخابات البرلمانية ثم الرئاسية ستشهد تكتلا قبطيا كبيرا حول خيارات محددة من شأنها أن تعيد الشعور بالاستقرار والأمن إلى المجتمع القبطي بشكل عام.


الطبقة الأرستقراطية ورجال الأعمال


ظلت الطبقة الأرستقراطية المصرية هي المتحكم الرئيسي في التوجهات الاقتصادية للدولة، وانعكس ذلك على الخريطة العامة وترتيب الطبقات في المجتمع.

إعادة هيكلة الخريطة الاجتماعية في مصر

ولم يبدأ تزاوج «المال والسلطة» مع بداية القرن الجديد في مصر، فمنذ المرحلة شبه الليبرالية في الثلاثينات والأربعينات تركزت القوة الاقتصادية الأساسية للمجتمع إلى جانب السلطة السياسية، في أيدي أقل من 2 في المئة من المصريين، وتداول عدد من العائلات الكبيرة التي ارتبطت بأسرة محمد علي سياسيا أو اقتصاديا أو من خلال النسب والتزاوج على المناصب العليا في الدولة فيما بينها، طوال هذه الفترة وحتى سقوط نظام مبارك، باستثناء الحقبة الناصرية التي رسمت مبادئ العدالة الاجتماعية الملامح الرئيسية لسياساتها الاقتصادية وعملية توزيع الثروة خلالها.

وكانت المجموعة المحيطة بجمال مبارك هي المركز الذي تدور العجلة الاقتصادية في مصر من حوله، وشكلت حركة «الخصخصة» التي طالت عدة شركات ومؤسسات مملوكة للدولة، الرافعة لهذه المجموعة، التي بدأت تسيطر على هيكل العملية بأكملها، وأخذت في التوغل داخل البورصة، حتى أصبحت تتحكم في سير تعاملاتها اليومية وجميع الصفقات المرتبطة بها.

وبعد صعود الإخوان المسلمين إلى السلطة، حاول التنظيم الحفاظ على هذه المعادلة الاقتصادية كما هي، لكن بعد تغيير الأوجه والمجموعات المتحكمة في تشغيلها. فقد تم استبدال حلقة جمال مبارك الضيقة بما عُرف بـ «جمعية ابدأ» لرجال الأعمال ووضُع حسن مالك، الذي يعتبر العقل الاقتصادي للتنظيم على رأسها، ولعبت هذه الجمعية دورا كبيرا في ضخ رؤوس الأموال في السوق المصرية سواء عن طريق قطر أو تركيا أو رجال الأعمال المرتبطين بالتنظيم في الخارج.

كما ساهمت الجمعية في استحواذ الإخوان على مشاريع متوقفة أو تعاني الإفلاس من خلال اتباع نفس سياسات نظام مبارك، سواء عن طريق ترهيب المستثمرين أو ترغيبهم، وأدى تجاهل محمد مرسي ومجلس الشعب الذي كان الإخوان يسيطرون عليه لدعوات تعديل قوانين الاستثمار، واللجوء إلى التفاوض بدلا من المحاكمات القضائية في مواجهة تجاوزات المستثمرين، إلى هروب رؤوس الأموال المحلية إلى جانب عزوف رجال الأعمال الأجانب عن ضخ استثماراتهم في مصر.


الأحزاب السياسية


كان تعطيل الحياة السياسية الذي شهدته مصر منذ ثورة يوليو 1952 سببا في تراجع الثقافة السياسية والتنظيمية لدى قطاعات كبيرة من النخب بعد أن قاد حزب الوفد، بزعامة مصطفى النحاس، حراكا سياسيا ضخما في أربعينات القرن الماضي، وكانت السيطرة الأمنية المحكمة التي فرضها النظام على المنابر السياسية، التي تحولت فيما بعد إلى أحزاب، عاملا رئيسيا في إصابة تلك الأحزاب بالشلل، رغم استمرارها في معارضة النظام، لكن دون الخروج عن خط السير الذي رسمه لها، حتى أصبحت المعارضة المصرية تُعرف بـ «المعارضة الموالية».

وبعد قيام الثورة، لم تضع هذه الأحزاب خططا تمكنها من بناء قواعد لها في المدن والقرى، وظل القصور في جوانب التمويل والدعم الجماهيري أهم محاور العجز لدى قيادات تلك الأحزاب.

سمح هذا المجال بظهور أحزاب وليدة على الساحة، لكن سيطرة النخبة السياسية عديمة الخبرة ذاتها عليها أدت إلى انهيار تلك الأحزاب قبل أن تنشأ، وسمحت للإخوان المسلمين وللتيارات السلفية بملء الفراغ الذي تركته وراءها.

وبعد سقوط الإخوان المسلمين، عانت الأحزاب في مصر من التفريغ الداخلي، واستقالت أعداد كبيرة من أعضائها كنتيجة طبيعية للرفض الشعبي لتلك الأحزاب التي لم تكن عند المستوى الذي يتناسب مع طموحات الجماهير وتطلعاتها، وحلت وسائل الإعلام محل الأحزاب السياسية في قيادة الرأي العام وبناء التصورات والتوجهات الجمعية لدى قطاعات واسعة من الشعب المصري.

لقد أدرك تنظيم الإخوان المسلمين معادلة القوة في المجتمع المصري، وبدأ منذ سقوط نظام مبارك في التعامل معها، طبقا لقوة وتأثير كل عنصر من عناصر هذه المعادلة.

فتولى خيرت الشاطر ملف الأجهزة الأمنية بما فيها القوات المسلحة والأقباط.

وكانت جميع الاتصالات تتم بين هذه الأجهزة وخيرت الشاطر أو محمد البلتاجي ما عدا الجيش الذي كان يجري اتصالاته بالرئاسة فقط، واتضح فيما بعد أن خيرت الشاطر استطاع اختراق الأمن الوطني ووضع رجاله على رأس الجهاز.

فيما أسند الملف الاقتصادي والاستثمارات إلى حسن مالك، الذي كان من ضمن مهامه التفاوض مع رجال أعمال نظام مبارك الهاربين وإقناعهم بالعودة إلى مصر، بعد أن أيقن الإخوان أن قدرات التنظيم وعقوله لن تتمكن من إيجاد حلول للمشكلات الاقتصادية العميقة التي كان عليهم أن يتعاملوا معها.

في حين أوكل ملف النخبة السياسية المعارضة إلى سعد الكتاتني وعصام العريان وعمرو دراج وصبحي صالح وغيرهم.

لم يلق تنظيم الإخوان المسلمين في مواجهاته المتزامنة على أكثر من جبهة مع المجتمع المصري قبولا لدى قطاعاته المتعددة.

ولعبت مؤسسات الدولة دورا هاما في الحفاظ على تماسكها ووقف أو إبطاء عجلة التمكين، التي تبدأ بتلك المؤسسات وتنتهي بالأسرة الصغيرة وشكل حياتها اليومية.

ورغم إزاحة التنظيم من على رأس السلطة، تظل خريطة المجتمع المصري وقواه المتحكمة في حاجة إلى إعادة هيكلة.

وتبقى لحظة الصدام بين المبادئ التي رفعتها الثورة في 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013 وبين تلك القوى مؤجلة، إلى حين انتقال الثورة من الميادين إلى مكاتب السلطة المغلقة.

7