الجيلالي الغرباوي الفنان الذي اخترع الحداثة الفنية في المغرب

الأحد 2015/09/13
الجيلالي الغرباوي غريب كما لو أنه لم يقم على أرض بعينها

من أجل أن يغطي نفقات دراسته للفن كان يبيع الصحف نهارا، الرجل الذي قدر له أن يقيم في قلب العاصفة السريالية واحدا من أتباعها المخلصين، ويكون صديقا لمبدعين كبار من نوع الشاعر والرسام هنري ميشو والرسامين بيسيير وريستاني وهارتونغ وجان دوبوفيه. ألم يتعرف على سولاج وهو الذي تحمل بعض لوحاته أثرا لافتا من تجربة ذلك الفنان المهم من جهة اهتمامه بضربة الخط.

كل شيء في سيرة الفنان المغربي الجيلالي الغرباوي يشير إلى قوة وعمق وسعة امتزاجه بالمشهد الفني الباريسي المعاصر، الذي عاش تفاصيله بشغف مجنون بالحداثة الفنية التي قُدّر له أن يكون رائدها في بلاده، وهي صفة لم تقلل من شقائه الشخصي، ذلك الشقاء الذي امتد مثل خيط مشدود بين سنوات طفولته الأولى ولحظة مماته جالسا على كرسي في حديقة عامة.

مشهد موته قبل ساعات من افتتاح معرضه الشخصي في باريس لن يتكرر، مثلما لن تتكرر تلك الثقة التي كان الغرباوي يهبها لخطوطه المرهفة والقلقة لتكون جسرا بين قارتين، بين ثقافتين، بين تاريخين من الصفاء الجمالي.

حياته القصيرة لم تكن إلا مختبرا لغربة أضفت عليه طابع الإنسان المتمرد ووسمت قلقه واضطرابه وحيرته بسماتها. عاش غريبا في باريس بالرغم من كل صداقاته العظيمة التي وهبته قدرا لافتا من الافتنان بالحياة وعاش غريبا في المغرب بالرغم من أنه كان يقف على الدرجة الأولى من سلم الإبداع، فهل كانت الغربة هي المقياس الذي يقيس به وقع خطواته على الأرض؟

الرسام ومنافسه

رسم الغرباوي أول لوحة تجريدية في تاريخ الرسم المغربي. حدث ذلك عام 1952. بعد ذلك بسنة رسم أحمد الشرقاوي اللوحة الثانية، غير أن الفنانين كانا قد تقاسما سبق الريادة الفنية، لا من جهة عنايتهما بالتجريد ومحاولتهما تكريسه أسلوبا فنيا، بل لأنهما جلبا تقاليد وقيما فنية جديدة، لم تكن التربية الفنية التي تبنتها المؤسسات التعليمية التي أنشأها المستعمر تقترب منها أو تشير إليها.

لقد نسف الفنانان الأسس المدرسية التي كانت قائمة على فكرة تقديس الحرف اليدوية، باعتبارها من وجهة نظر المستعمر الفن الوحيد الممكن في بلاد حُرم شعبها من نعمة الخيال. حملت رسوم الغرباوي والشرقاوي مقولة مختلفة تماما. هناك عناصر ومفردات ووحدات في الفنون الشعبية المغربية يمكنها أن تكون مصدر إلهام لبناء لوحة حديثة. لم يكن الفنانان معنيين بثنائية التراث والمعاصرة. كانت حياة الإنسان المغربي المتروك لقدره الجمالي المحض مثار دهشتهما.

الغرباوي يرسم أول لوحة تجريدية في تاريخ الرسم المغربي. وبعد ذلك بسنة يرسم أحمد الشرقاوي اللوحة الثانية، غير أن الفنانين كانا قد تقاسما سبق الريادة الفنية، لا من جهة عنايتهما بالتجريد ومحاولتهما تكريسه أسلوبا فنيا، بل لأنهما جلبا تقاليد وقيما فنية جديدة

كان الغرباوي بحكم تمكّن الغربة منه أكثر أوروبية من الشرقاوي، غير أن أصدقاءه الأوروبيين لم يكونوا من جهة ولاءاتهم الفنية أوروبيين تماما. كان ميشو بالأخص قد استلهم أسلوبه التبقيعي من الورق الصيني المصنوع يدويا وكان سولاج يدرّب يده على الكتابة باليابانية. الجيلالي هو الآخر عرف كيف يستعيد مغربيته من خلال الاستعانة بخيال الحرفيين المغاربة. يومها أي في السنوات الأولى من ستينات القرن الماضي كان المغرب يعيش مزاجا فنيا حداويا، لذلك التف فنانون شباب مثل محمد المليحي وفريد بلكاهية حول الغرباوي معتزين بفتوحاته الجمالية والفكرية على حد سواء. غير أن شخصية الغرباوي القلقة لم تكن ترى في ذلك التكريس إلا نوعا من الوقت وخيانة المكان.

الشقاء الذي يدر أموالا

ولد الغرباوي في مدينة جرف الملح التابعة لسيدي بلقاسم في المغرب عام 1930. في سن العاشرة فقد أباه وأمه فكفله عمه. التحق بعد ذلك بميتم ليتعلم مهنة يدوية. اخترق سنوات يتمه ليصل إلى التعليم الثانوي في مدينة فاس، من بعده التحق بمدرسة الفنون الجميلة التي غادرها بمنحة دراسية إلى باريس حيث درس الرسم في المدرسة العليا للفنون الجميلة أربع سنوات ألحقها بسنة قضاها في أكاديمية جوليان.

عام 1956 حصل على منحة من الحكومة الإيطالية لدراسة الفن، وفي سنة 1957 قبل دعوة من الأب دوني مارتان، ليقيم في دير تومليلن بمدينة أزرو، وهو المكان الذي سيعود إليه دائما بحثا عن العزلة والرغبة في أن يكون خالصا للفن. عام 1960 يعود إلى المغرب ولكنه بسبب شعوره الملحّ بالغربة يقيم في فندق صومعة حسان بالرباط.

تشق عليه حياته وهي تمزج الفشل بالنجاح. نجاح فني حيث صار اسمه مكرسا بين الأوساط الفنية وفشل عاطفي قادته إليه الفتاة الفرنسية التي أحبها. عام 1971 يعود الغرباوي إلى باريس ليودّعها ميتا وهو جالس على مقعد عمومي في الثاني من أبريل من العام نفسه. بالنسبة إلى الكثيرين فإن خرافته كان من الممكن أن تنتهي عند حدود رجل موهوب مات في ظروف مجهولة. غير أن لوحاته وقد صارت تباع في المزادات بأسعار تنافس أسعار لوحات كبار الرسامين في عصرنا أعادت إليه الاعتبار رساما فاتحا لا في بلاده، بل في العالم. خرافة فنسنت فان غوخ تتكرر من خلال الغرباوي. الفنان الذي مات فقيرا صار خياله يدر ثروات على أشخاص، ما كان الرسام يسمح لنفسه بلقائهم، لا لشيء إلا لأنه لا يثق بهم.

لوحات الغرباوي تباع في المزادات بأسعار تنافس أسعار لوحات كبار الرسامين

الثائر في ثوب رسام

“إنني أرفض ذلك الفن الذي ظهر في المغرب تحت نظام الحماية، إن هذا النوع من الفن مرفوض حتى في فرنسا، بينما يأخذ الصدارة في بلادنا” يقول الغرباوي وهو يسعى إلى تفسير المسافة التي تفصل بينه فنانا مستقلا وبين ما كان مشاعا من مفاهيم، هي في حقيقتها مجرد أكاذيب ثقافية، حاول المستعمر أن يقيد الشعب الذي يستعمره بماضيه، بتقاليد ذلك الماضي الحرفية. بهذا المعنى يكون الغرباوي ثائرا لا على المستوى الفني وحده، بل وأيضا على المستوى السياسي والاجتماعي.

لقد ظهر الغرباوي في اللحظة المناسبة. اللحظة التي سيكون فيها التغيير أمرا ضروريا لكي يؤكد التاريخ حتميته. بعده تغير الرسم في المغرب. غير أنه كان يحلم بتغيير الحياة، وهو ما لم يتح له القيام به.

لا تزال بلدة جرف الملح حيث ولد منسية. ثمن واحدة من لوحاته يمكن أن ينقذ تلك القرية من الفقر. ولكن المعادلة ستكون مضطربة دائما، مثلما هو الجيلالي الغرباوي، الشاب الذي انفتحت أمامه أبواب باريس في الوقت الذي تعبت يداه من الضرب على أبواب الرباط التي لم تتعرف عليه إلا بعد موته.

أعظم ما في الغرباوي أنه كان أوروبيا لم ينزع لباسه المغربي. كان مغربيا في باريس كما لم يكن في الرباط.شيء عظيم من مغاربيته قد جلب إلى الفن الحديث حظا حسنا. من المؤكد أن العالم تعرّف من خلال لوحاته على مغرب آخر، مغرب لم يخضعه الاستشراق لذائقته الانتقائية المريبة.

ليس في الإمكان القول إن الغرباوي هو ابن الرسم المغربي، فهو ابن الرسم الأوروبي، غير أنه لن يكون صنيعته حين يتعلق الأمر بالبحث عن صيغة يكون فيها الرسم المغربي ممكنا في المستقبل.

الغرباوي هو مخترع الحداثة الفنية في المغرب. أبوها الشرعي الذي استخرج عناصرها ما كان لموادها أن تتآلف لولا تجربة شقاء يومي، عاشها الفنان وحيدا، ليكون بمثابة الفرد الذي يختزل تطلعات أمّة. لا تزال رسومه تسخر من الأبجدية التي اخترعها المستعمر من أجل أن يظل الشعب سجين ماضيه التعبيري. لا تزال الحرية الجمالية التي اخترعها الغرباوي ممكنة. ستظل كذلك مستقبلا.

10