الجيل الثقافي

السبت 2017/09/30

لعقود طويلة، شكلت الأجيال الأدبية محركا لدينامية الأفكار والتجارب، عبر ما يموج داخلها من تدافع بين تيار الاستمرارية وتيار القطيعة. وخلافا لعدد من التجارب العالمية التي أنتجت تراكما ملحوظا على مستوى حركية النشر الأدبي، فإن الحالة المغربية ستعاني من تأخر في بروز الملامح الأولى لبنيات إنتاج الأعمال الأدبية في صورتها الحديثة.

ولعل قليلا من التـأمل في الظاهرة، يقودنا إلى أن نعزوَ تأخر ظهور تلك البنية إلى استمرار البنية التقليدية المحافظة. وهي بنية تتأسس على حضور وهيمنة الفقهاء والعلماء باعتبارها عاملا مؤثراً ضمن سيرورة إعادة إنتاج الثقافة الدينية المحافظة، باعتبار هذه الأخيرة مكونا أساسيا من مكونات الحياة الاجتماعية. إنها سيرورة كابحة، وهو ما يجعل التراكم أفقيا لا ينتهي إلى أي طفرة مرجوة.

وبتأمل أقل من السابق، يمكننا أن نتبين أن الكبح المذكور يعود إلى طبيعة اشتغال الفقهاء والعلماء داخل مجال التعليم، حيث منحَ ذلك إمكانيةَ إعادةِ إنتاج البنية الثقافية التقليدية، وضمانِ استمرارها وتكريس مكانتها الرمزية والفعلية، وتمَّ ذلك، خصوصا، من خلال الإصلاحات التي عرفتها جامعةُ القرويين، سواء في أواخر القرن الثامن عشر أو خلال القرن التاسع عشر، والتي تأثرت وتأطَّرت بخطاب التوجيه الذي تضمنه المنشور الصادر عن السلطان محمد بن عبدالله. والذي قضى بأن تنحصر مجالات التدريس بالجامعة في علوم الدين، وما يخدمها من علوم الآلة.

غير أن هذا الوضع لم يكن ليستمر إلى ما لا نهاية، فقد أفرجت الشروطُ السياسية والثقافية الجديدة المساوقة للحظة الاستعمار عن هامش فرضَ تحولا على البنية التقليدية بأسرها. وضغط الحيز الذي كانت تشغله سلطة العلماء من خريجي القرويين، مُحدثاً تغييرات في التراتبية الاجتماعية التي كانوا يشغلون ضمنها وضعا خاصا. ومعيداً توظيفَ مكونات هذه البنية في إطار النظام التعليمي الكولونيالي الجديد.

هذا، وسيزداد اتساع رقعة ذلك الهامش باشتداد التعارضات بين البنيات القديمة والبنيات الجديدة، أي بين المثقفين من الجيل التقليدي، والجيل الإصلاحي السلفي، ثم الجيل المرتكز على أفكار الوطنية و”الحداثة”. وهي تعارضاتٌ تجلت من خلال تباين التمثلات الثقافية للأجيال الثلاثة، وأشكال تصريفها على مستوى قنوات الاتصال والأشكال التعبيرية.

وبالطبع، ستجري مياه كثيرة تحت الجسر، وستعرف المراحل اللاحقة، تطورات عميقة على مستوى الكتابة الأدبية بالمغرب، في إطار بحثها المستمر عن حداثة مفترضة. غير أن مفهوم الجيل، على الأقل كما نحته روبير إسكاربيت، باعتباره يحيل على مجموع الكتّاب ذوي الأعمار المختلفة، والذين يحتلون المشهدَ الأدبي خلال فترة معينة، سيصاب بالعطب مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعية، حيث صار المشهد الأدبي أزرق، فسيحا، يحتله من يشاء، كاتبا حقيقيا كان أو مزيفا.

كاتب مغربي

17