الجيل الجديد من الجهاديين شبيه القاعدة في التطرف مختلف عن تفكيرها

الجمعة 2014/03/21
الجيل الجديد من الجهاديين استغل سوء سمعة مجموعات القاعدة

القاهرة- ظهرت، بعد ما سمي بموجة الربيع العربي، تنظيمات جهادية متشددة، بدأت تنشط في بؤر التوتر التي ولدتها الانتفاضات الشعبية في عدد من الدول العربية، على غرار تلك التي تحمل توجه تنظيم القاعدة.

ولّدت الأوضاع السياسية والأمنية المتوترة التي مرت بها المنطقة العربية إجمالا، ظروفا ملائمة لنمو جيل جديد من التنظيمات الجهادية المتشددة، واستثمار الفراغ الأمني الذي خلفته ثورات الربيع العربي في بعض البلدان، ويقول المراقبون إن هذه المجموعات استغلت تدهور سمعة تنظيم القاعدة و فروعه المنتشرة، لتظهر تحت مسمى آخر منفصل عنها، وهو ما تناولته الباحثة إيمان رجب في دراسة تحليلية صادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية.

تقول الباحثة إن ظاهرة الإرهاب شهدت خلال الفترة الماضية، تحولات جعلتها أكثر تعقيدًا، سواء من حيث الهيكل التنظيمي والقيادي للجماعات الإرهابية، أو في ما يتعلق باستراتيجيات مكافحتها، أو ما يرتبط بمركز الثقل الخاص بهذه الجماعات، حيث تزايدت مؤخرًا في عدد من دول منطقة الشرق الأوسط، حالات الكشف عن جماعات إرهابية لا ترتبط تنظيميًا أو فكريًا بتنظيم القاعدة، أي أنها “غير قاعدية”، وتتبنى استراتيجيات إرهابية لأسباب سياسية أو دينية أو إثنية.


خصائص متعددة


تزايد الكشف عن جماعات إرهابية لا ترتبط تنظيميا أو فكريا بالقاعدة، أي أنها «غير قاعدية»

يلاحظ أن التحول في ظاهرة الإرهاب، صاحب تحولات شهدتها بعض الدول العربية، فمن ناحية، بدا ملفتًا ارتباطه بارتفاع معدلات التنمية، والاستخدام المكثف للإنترنت والهواتف الذكية، والذي يعد أحد المُحفزات الرئيسية على انتشار هذا النوع من الإرهاب، ومن ناحية ثانية، انتشر هذا النوع في الدول التي تمر بمراحل انتقالية معقدة مثل مصر وتونس وفي الدول التي تمر بأزمات سياسية حادة، على غرار البحرين.

ويمكن القول، إن هناك مجموعة من الخصائص التي تميز هذا النمط من الإرهاب مقارنة بالجيل الأول من الإرهاب، الذي يعبر عنه نموذج القاعدة الأم، وبالجيل الثاني الذي تمثله نماذج جماعات القاعدة المحلية، والتي احتفظت جميعها بهيكل تنظيمي عنقودي واضح، وقيادة واحدة تصدر الأوامر، ومجلس شورى، ولجان متعددة، ومجموعة من القيادات العملياتية المسؤولة عن المناطق والخلايا، وتتمثل هذه الخصائص فيما يلي:

* شبكة تفاعلات مسطحة Flat Network، وهي تتألف من عدد محدود من الأشخاص تربطهم صلات عائلية أو صداقة، ولا يوجد هناك قائد عملياتي واحد أو قائد أيديولوجي واحد، وتتسم عملية صنع القرار داخلها بأنها ذات طابع جماعي وفيها قدر من المساواة بين الأعضاء، وعادة تتشكل هذه الشبكة من خلال مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي، وتخلق شبكات يصعب تتبعها.

* محلي النشأة Homegrown، فالأفراد المنخرطون في هذا النمط من الإرهاب ليسوا “أجانب” أو “مهاجرين”، وإنما مواطنون طبيعيون نشؤوا في الدولة، ولسبب ما قرروا أن يصبحوا أكثر راديكالية تجاه هذه الدولة التي نشؤوا فيها وينتمون إليها.

* الأفراد الذين لم يتم تجنيدهم بطريقة نظامية Structured، كما لم يتخرجوا من المدارس الدينية، أو مخيمات التدريب، حيث حدث تحول في فكر هذه العناصر من خلال المدونات الجهادية، والمواقع الإرهابية، وعبر الدورات التدريبية المتاحة على الإنترنت حول كيفية تنفيذ العمليات الإرهابية محدودة النطاق، أي أنهم اعتمدوا على “التعلم الذاتي”، ولذا أحيانًا لا تتمتع هذه العناصر بمهارة كافية لتنظيم أو تخطيط أي تفجيرات أو عمليات.

* أفراد مرفهون اجتماعيًا، حيث ينتمي معظم هؤلاء إلى الطبقة الوسطى، فهم غير فقراء، ولا يوجد قانون محدد في ما يتعلق بالعمر أو الجنس، ومعظمهم لم يتخرجوا من جامعات دينية، بل تخرجوا من جامعات ذات طبيعة مهنية.

* أفراد غير منعزلين عن مجتمعاتهم، فعلى خلاف الطبيعة الانعزالية التي ميزت جماعات الإرهاب التقليدية، خاصة إرهابيي القاعدة، وكونهم منعزلين في مكان ما جغرافيًا عن الإعلام وعن المراكز الحضرية في الدولة، وعن أسرهم وعائلاتهم، فإن العناصر المعبرة عن هذا النوع الجديد من الإرهاب، تتفاعل بصورة مستمرة مع المجتمع المحيط بها، وهذا التفاعل هو الذي يزيدها راديكالية، ويخلق نوعًا من العزلة بينها وبين المجتمع ويجعلها أكثر عداء له، خاصة مع تعرضها المستمر لأيديولوجية الإرهاب، التي تخلق مع مرور الوقت تسامحًا مع الفعل الإرهابي حتى ضد الدولة التي نشؤوا فيها، وهذا ما سهلته وسائل الاتصال الحديثة.


نمطان رئيسيان


قسمت الدراسة هذا النمط الجديد من الإرهاب إلى نوعين رئيسيين يمكن التمييز بينهما على النحو التالي:

يسمى النوع الأول بالذئب الوحيد lone wolf، وهو يتصرف بصورة فردية من الناحية العملياتية، حيث يمكن أن يخطط الهجوم بمفرده بعد أن يطور أيديولوجية خاصة به تجمع بين مشاعر عدم الرضى والإحباط وأهداف دينية وسياسية واجتماعية، ويستند إلى مجتمعات ذات معتقدات توفر شرعية ما لأفكاره، وعادة ما تتألف هذه المجتمعات من حركات متطرفة.

أما النوع الثاني فقد سمي بالخلايا الصغيرة Micro Cells، وتتألف من عدد محدود من الأشخاص تربطهم علاقات ثقة، وتجمعهم أيديولوجية خاصة بهم تستند إلى أساس ديني أو إثني، أو أيديولوجية محددة، أو الإيمان بقضية ما، وتكون عملية صنع القرار فيها عملية جماعية.

ويلجأ هذا النوع من الإرهاب، حسب الدراسة، إلى تكتيكات غير تقليدية، خاصة في حالة “الذئب الوحيد”، ولا يوجد حد أقصى لمستوى العنف الذي يمكن أن تعتمده عناصره، خاصة وأنهم لا يهتمون بتكوين أتباع أو متعاطفين معهم، بخلاف تنظيم القاعدة.كما أن هذا النمط لا يلجأ إلى استخدام الإعلام من أجل الانتشار، أو كسب التعاطف، كما كانت تفعل القاعدة.


إشكاليات المواجهة


رغم وجود توجه إقليمي لمكافحة الإرهاب، إلا أن الإشكالية مرتبطة بصعوبة التعامل مع الإرهاب دون قيادة

وتعتبر هذه المجموعات من الظواهر التي يصعب مواجهتها، وهي أكثر قدرة على البقاء والاستمرار، لأنها لا تملك قائدا لها، ويعتبر مركز الثقل لبقاء هذا النوع من الإرهاب هو الأيديولوجية التي يتم تبنيها، والتي تجمع بين البعد الديني، ومشاعر عدم الرضى، لأسباب إثنية أو طائفية. كما عادة ما يصعب تتبع هذا النوع من الإرهاب، حيث تكون شبكة التفاعلات في حالات “الخلايا الصغيرة” خفية، وتزداد هذه الصعوبة في حالة “الذئب الوحيد”، حيث لا توجد جماعة يمكن تتبــعها، أو وسيلــة للكشف عــن العمليات قبل تنفــيذها.

إلى جانب ذلك، يصعب عادة التنبؤ بظهور هذا النوع من الإرهاب في الدولة، أو توقع انتشاره فيها على نطاق واسع، خاصة في حالة “الذئب الوحيد”، الذي لازال ظاهرة مرتبطة بالمجتمعات الأوروبية والأميركية بالدرجة الأولى، في حين تعد “الخلايا الصغيرة” أكثر احتمالية، خاصة وأن مصر قد رصدت في الفترة التالية لثورة 30 يونيو 2013، تشكل العديد من هذه الخلايا، كما أن البحرين والكويت شهدتا تشكل خلايا قريبة من هذا النوع من الإرهاب من قبل أفراد ينتمون إلى الطائفة الشيعية، ويتبنون أهدافًا سياسية محددة.

ورغم وجود توجه إقليمي مؤخرًا لتطوير آليات مكافحة الإرهاب، إلا أن الإشكالية ستظل مرتبطة بصعوبة التعامل مع الإرهاب دون قيادة. وهو ما يتطلب تطوير عدد من الاستراتيجيات “غير الأمنية” الخاصة بمكافحة هذا النوع من الإرهاب، والتي يمكن تقييمها في إطار التحولات التي تشهدها المنطقة، ومنها الاهتمام بالبعد الفكري في محاربة الإرهاب، واستراتيجية السيطرة الاجتماعية على الإرهاب، من خلال الاهتمام بالسياق المشجع على نمو الإرهاب.

و تستخلص الدراسة أن “الأمننة” الزائدة Over-Securitization في التعامل مع الإرهاب، والتسييس الزائد Over-Politicization يغفلان البعد المجتمعي الذي يساعد على انتشار هذه الظاهرة، والمرتبط بصورة رئيسية بالتعليم، وبقدرة الفرد على التعليل المنطقي لمواقفه الدينية.

6