الجيوش الطائفية ظاهرة متنامية تهدد بنسف قواعد الأمن التقليدي

الجمعة 2015/06/26
الحشد الشعبي جيش طائفي بمذاق إيراني يهدد مستقبل العراق ووحدته

القاهرة - تُعد ظاهرة الميليشيات الطـائفية واحدة من أبرز ظواهر الأمن غير التقليدي الآخذة في التنامي ضمن تحولات عديدة مركبة ومعقدة طرأت على البيئة الإستراتيجية الإقليمية خلال العقد الأخير، رغم أن إرهاصات نواة تشكلها ربما كانت أسبق من ذلك بكثير، وتحديدا مع الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، التي عملت على تأسيس أذرع سياسية في الخارج من العناصر الشيعية، لكنها لم تشهد تناميا موازيا في الجانب السني إلا في محطات لاحقة، وكرد فعل في بعض الأحيان، وفق ورقة بحثية صادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة.

وتهدف الميليشيات الطائفية إلى تدشين صراعات حدية في بيئة إقليمية قيد إعادة التشكل لحساب رسم خارطة بديلة للدولة التقليدية لصالح خارطة التقسيم الطائفي بين دول سنية وأخرى شيعية وتأسيس جيوش طائفية بديلة للجيوش النظامية.

وقد تطورت هذه الظاهرة تدريجيا حتى وصلت إلى الوضع الحالي؛ فقد بدأ جيلها الأول مع تأسيس “حزب الله”، في حقبة الحرب الأهلية اللبنانية، حيث مارس دورا في مواجهة الأخطار الخارجية، وشكّلت معاركه مع إسرائيل داعما لحصوله على تأييد جماهيري من خارج الطائفة بما فيها الطيف السني.

أيضا وبالتوازي مع الحرب العراقية-الإيرانية تشكلت ميليشيا “بدر” من معارضي نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وبدعم من الحرس الثوري الإيراني، وكانت في طليعة الميليشيات العراقية التي دخلت العراق بعد الغزو الأميركي وسقوط النظام.

لكن هذا الجيل الجنيني للظاهرة في مراحل التطور اللاحقة أخذ يُشكل وجهه الطائفي في لبنان والعراق وسوريا، وكان أكثر تعبيرا عن كيانات الفاعلين من غير الدول التي سعت إلى ممارسة أدوارٍ سياسية بالأساس قبل الأدوار الأمنية والعسكرية. لكن يلاحظ في مراحل التطور اللاحقة أن بعض الفاعلين من غير الدول في الطرف السني لم يَسِرْ في نسق التطور على غرار التنظيمات الشيعية، مثل معظم التنظيمات الفلسطينية.

أما الجيل الثاني، فقد ظهر مع اندلاع الحرب في العراق وصولا إلى الصراع المسلح في سوريا، حيث توالى تشكل الميليشيات الشيعية المسلحة وانخراطها في معارك مشوبة بانتهاكات ضد السنة، بالتوازي مع مرحلة ظهور “القاعدة” في العراق، كمرحلة ثانية لتطور تنظيم “القاعدة” الرئيسي، ثم انشطاره إلى تنظيم داعش في العراق وسوريا و”جبهة النصرة” في سوريا التي لا تزال تحتفظ بتوجهات تنظيم “القاعدة”.

المحصلة هي تأسيس "جيوش طائفية" سنية وشيعية في الدولة الواحدة تواجه تنظيم داعش من جهة، ويواجه بعضها بعضا من جهة أخرى

في حين ظهر الجيل الثالث مع تشكيل ما يسمى بـ”ميليشيا الجيش”، كمظلة جامعة لتوحيد ميليشيات الطائفة، فعلى المستوى الشيعي تشكلت مظلة “الحشد الشعبي” من غالبية الميليشيات الشيعية. وهذه الميليشيات لها مثيلاتها في سوريا، وتتداخل في ساحات القتال مع “حزب الله” اللبناني، ومع الحرس الثوري الإيراني. ولاحقا تشكلت مظلة للميليشيات السنية تحت ما يُسمى بـ”جيش الفتح” في سوريا، الذي يضم “جبهة النصرة”، و”أحرار الشام”، و”صقور الشام”، و”جند الأقصى”، و”فيلق الشام”، و”لواء الحق” في ريف إدلب، و”جيش السنة”، و”أجناد الشام”.

واللافت في هذا السياق، أن هذه الظاهرة بدأت تتمدد خارج سوريا والعراق، مثل ميليشيا الحركة الحوثية “أنصار الله”، وتنظيم “القاعدة” الذي ينشط في المكلا بحضرموت، والتنظيمات الموالية لـ”داعش” في حوالي 12 دولة بالمنطقة.

ويفرض انتشار ظاهرة “الجيوش الطائفية” تداعيات عديدة على بعض دول المنطقة تتمثل في:

*أولا: مصادرة أدوار الجيوش النظامية في النظم المنهارة سياسيًّا وأمنيًّا، ففي العراق، فشلت عملية إدماج “الحشد الشعبي” في الجيش العراقي بشكل واضح. ورغم أنه تم التوصل في النهاية إلى إدماجها كقوة حرس وطني تابعة لرئيس الوزراء، إلا أنها لا يمكن واقعيا أن تتحول إلى جيش نظامي، لا سيما أن مهماتها الرئيسية طائفية، على غرار حماية العتبات المقدسة والمراقد الشيعية، وحماية النظم والحكومات الشيعية.

*ثانيا: تكريس التطرف والاستقطاب الديني الحاد، في ظل تصاعد حدة الصراع بين الميليشيات المختلفة على تأسيس “دويلات” افتراضية أو “ولايات” في المناطق الرخوة التي ثبت فيها فشل خيار “الدولة”، خاصة أن معظم الميليشيات المسلحة تمثل إما أذرعا عسكرية لقوى سياسية، مثل معظم الميليشيات المنضوية في “الحشد الشعبي” العراقي، أو وكلاء لدول تعمل في سياق حرب بالوكالة عنها.

* ثالثا: اتساع نطاق “الساحات الخطرة”، لا سيما بعد نجاح بعض تلك التنظيمات في استثمار عدم الاستقرار السياسي والأمني من أجل التمدد داخل مناطق جديدة، على غرار ليبيا واليمن.

خلاصة القول، يبدو أن تلك الظاهرة لن تتراجع في الأفق المنظور، خاصة أنها تحقق مكاسب للأطراف الداعمة لها، وحتى لو تغيرت خارطة الصراعات فستتحول معها الظاهرة ببقاء الأطراف الراعية للصراعات. كما أن ثمة تطورا مرتقبا في هذا السياق يتمثل في تأسيس جبهة سنية عشائرية عراقية باتفاق أميركي-عراقي لمحاربة تنظيم داعش كمُناظر سني لقوات “الحشد الشعبي”، في محاولة للفصل بين السنة العراقيين وتنظيم داعش. والمحصلة الأخيرة في هذه الحالة هي تأسيس “جيوش طائفية” سنية وشيعية في الدولة الواحدة تواجه تنظيم داعش من جهة، ويواجه بعضها بعضا من جهة أخرى.

6